أنيس الرّافعى
من داخل خيال الكَشْفِ المعراجيّ، أَبلغنِى صوت صاحب البركة الوثنيّة: «على الأرجح، أنتَ وَلِيٌّ من أولياء القصة، حتّى وإن كُنْتَ من طائفة عُقوق المَشيخيّة وجمهرة مُمانعة التَابعيّة، وقد قرَّ عزمى على أن أُنْعِمَ عليكَ - الآن - بهبة النُطق بلغة طائر البلشون الأسود الأصلى، طويل العنق والساقين، المعروف باللقلاق المزيّف، والمُسمّى عند عشيرة أجناس الماء ﺑ : مالك الحزين».
ثمّ أضافَ قائلا، قبل أن تحتجبَ إبانته وتغرب إشارته: «فلتعلم أيّها الشامان المارق المُنتظر، أنها موهبة تفوق عِلْمَيْ العقل والأحوال، لتتخطَّاها إلى علم الأسرار، حيث بمستطاعكَ أن تفهم لوحدكَ نسقا رمزيا مُضمرا، تختلطُ فيه دُربة المزاولة مع كل من شهادة الكينونة ورحلة التهذّب».
وفى اليوم التالى، رأيتُنى فى غمرة بِشارة سردية، على هيئة صورة منَامية سيّالة، كانت تدور بلا توقُّف كبكرة قديمة لشريط أحلام: فدنوتُ من طير بلشون أسود افريقى، بدت عليه أمارات التقدُّم فى العمر، لكون الزمن الغدَّار قد نتفَ ريشات رونق الشباب من على قرص مؤخرته وتاج رأسه، ثمّ استوضحتهُ بلطف المؤدَّب، لا بخنوع التابع: «إنَّنِى فى مرحلة البحث عن مرآة روحى، فهل أنتَ وجهى أم قناعى أم سيرتى أم نهجي؟».
أجابنى البلشون الحكيم، المُشاع عنهُ فى قناة «ناسيونال جيوغرافي» أنَّه فى طور الانقراض؛ أجابنى بصوت مغربى جميل، قريب من بُحَّة مجذوب الغيوان المرحوم العربى باطما: «(أنت يا صاح).. (يا بنى انسان).. (يا من جَانَا )، أنت بهلوان أبله أهبل، وهُمْ فى كلّ مرّة يعيدون اختراع صورتكَ فى غفلة منكَ.
من ثَمَّ، وجبَ عليكَ أن تُقيم إلى جوارى فى صمت تام، وتُعمل النظر والمعاينة، حتَّى تتعلّم العفوالعام عن النفس القديمة، ذاك الذى يُطلق عليه عامة الناس نعتَ: النِّسيان».
وهكذا، لبثتُ داخل قَيْطُون صغير شبيه بمخدع الكشَّافة، أمام بحيرة طائر البلشون الأسود، أتطلّعُ يوميا إلى سكناته، وأترقّبُ فى كل حين حركاته، مُصيخا السمع لسلسلة من نَقِيقَاتِه الخشنة، وصرخاته الحادة، بل مُحاكيا إيّاها أحيانا على سبيل الإعجاب: كُوكْ، كُوكْ، كُوكْ، كُوكْ ..كُوكْ كٌوكْ، كُوكْ كُوكْ أَعبادْ الله.
فكان البلشون، طوال الوقت، يقف كالمايسترو وسط المياه الضحلة بأقدامه الصفراء الزاهية، ناشرا جناحيه الكبيرين الأنيقين الفاحمين حول هيكله الرشيق، ثمّ سُرعان ما يُحوّلهما إلى مظلّة طامسةٍ للضوء.
فيقلّل عندئذ وهج نور الظهيرة من حوله، ويبتكر واحة ظل خادعة كأنّها الليل؛ ليل طفيف شبه بارد، كانت أسراب الأسماك الصغيرة تنجذبُ صوبه تباعا، هاربة مذعورة من لفح شمس منتصف النهار الهزيل.
بالتأكيد، إنّهُ فخ جهنمي؛ ليل اصطناعى رطيبٌ وسط زوال حارق. وعليه، فلامناص من التعجّب من كمال وقوّه وحذق المكيدة. إذ كان هذا الطائر اللبيب اللَوْذَعِيّ، صاحب نظرية «تغذية المظلّة»، بعد أن يخلق شعورا زائفا بالصمت والأمان لفرائسه الضئيلة، يستلُّ، فى لحظة بطولة دراميّة، منقاره الطويل الحاد، الشبيه بسكين الطاهى ذى الشفرة القاطعة، ثمّ يسرط ضحيته فى لقمة واحدة، ساحبا إيّاها إلى داخل معدته عبر أنبوب حنجرته الطولية الضيقة كحنجرة الشيطان.
ناجيتُ نفسي: «يا لهُ من قاتل ساكت، صاحب منقار عديم الأسنان والعاطفة. شؤونه عجيبة وأعماله غريبة فوق النواميس، لكن ما شأنهُ بِى أنا الوليُّ /الشامان/البهلوان المغبون، الباحث بلا كلل عن أسرار مظهره وطويّته؟».
ثابرتُ فى الرؤيا على مشاهدة كوريغرافيا البلشون الأسود وخديعته، المُتطلّعة إلى كمال يضاهى فى رقصاته كوسمولوجيا اللاتناهى، إلى أن انسرى عنى الغمُّ، وانجلى لى مفتاح الأمثولة: إنَّ هذا الطائر التجريبى هو أنا؛ أنا تقريبا بعد عدة تعديلات جينيالوجية وجسمانية وأنطولوجية بليغة.
أنا فى العشرين من فتاء عمرى، حينما كنتُ نحيفا، ووسيما، وعاشقا، ومتنطّعا فى أبجديتى وطروحاتى، تماما مثل شرارات ألعاب نارية صاخبة فى سيرك غجرى متجوّل.
أنا تعيينا فى مرتبة النفس اللامطمئنةِ للمتجانس، اللَّوَّامةِ للمتماثل، الباحثة عن موقف الإِحْدَاثِ السرديّ، ذياك القادر على إخراج ما هوفى حُكم العدم إلى وجودٍ غير مسبوق.
أو أَنَا، تاليًا، أى القاصُ فى مرتبة النفس الأَمَّارة بطريق الأرواح الأنثربولوجية المساعدة. أعنى، أنا على كثبّ من حلقة عقدى الخامس، سمينا، ودمثا كما يجدر ببرج الأسد، وكسير الوجدان ككل من حطَّم الحب ذِمَّتهم العاطفية، وباحثا بسرودى الثقافية المُغامرة عن جزيرة /شبح للكتابة، وكذا عن شيء لامع أتمَّنى أن يستيقظ فى القلب، كى يكونَ أبعدَ من أى خيال أو معرفة أو شهرة أو حَظْوَة، أو حتّى من خشية خاتمةٍ مفجعة لا أُريدها أن تكون مثل خاتمة صفحات والدى العظيم، المخدوشة بندبة الزهايمر، الذى هو جرحٌ غير حميد فى الجهاز العصبى المركزى للحياة؛ جرح الجندى القتيل «إِرْ»، ذاك الذى عاد إلى الحياة فوق محرقة الجثث، وعندما وصل إلى العالم الآخر؛ عالم الموتى المبجَّلين، مُنع من الشرب من نهر «لِيثِي»؛ النهر الذى لا يمكن لأى وعاء أن يحتوى ماءه؛ النهر عينه الذى إذا ارتشف أحد ما ماءه، تلاشت جميع ذكرياته السابقة.
ترى، هل كان أسلوبى مذ وعيتُ الحرفة، وبلغتُ الصنعة، واستوعبتُ ما عَقَدَ عليه قلب القصة من فقه وخطط وأعراف ومقترحات، هو تحديدا تغذيةُ المظلّة، كى تغدو هذى القصة أَخَوِيَّةً، فنظرية، فمجتمعا، فمؤسسة، ثمّ تحالفا خلاسيا مع مهن السرد، فيتسنَّى، ذات مشغل مفتوح، ضمن بوثقة جهنمية واحدة، تمازج الرطب بالحار، وتخاصر البارد بالساخن؟
أتقنِيتى وتحبيكى وحياكتى، هم واحة ظلى المخادعة، وحنجرة الشيطان القاتلة، فيصبح القص، عندئذ، امتدادا غريزيا للروح فى الكتابة، نظير الصوت الذى يغدو امتدادا للأوتار فى الغناء؟ وتمجيدُ النسيان، أحقا هو فلسفتى، فيكون المَسيرُ حتفا لا يقينا، ويكون الوصول سرابا لا واحة؟ والصمت أوالاعتزال عن الوَرَى هل سيكونان، فى ما هو آت من التقاويم، هما ستارتى التى لا ترتفع كلها أبدا، وحقيقتى التى لا تنحسر إلا جزئيا؟
إننى من دون ريب، أمضى حثيثا فى درب جانبى خافت المصابيح نحو عقيدة هادئة مشفرة تجيدُ تطويق القلق واللا شيئية، ونحو عرفانٍ رزين للمسائل القصصية الباطنية، أبحثُ عن أبراج صمت لا موت فى طبقاتها، وعن ضريح غير منظور لا قداسة بداخله.
أبحثُ عن محميّة طبيعية عازلة، من أجل الذَود عن نوع أدبى مُستضعف مُهدَّد بالفناء. أبحثُ عن ذلك البرج اللامتناهى من السلاحف المرصوفة، الذى أشار إليه العالم بول ديفز؛ برج العوالم المتوازية، حيث يسكن الخالق اللانهائى، الذى سيُلهمنى حوادث فيزيائية، لا يمكن أن تكون لها مرجعيات مُتناهية.
أبحثُ عن وجهى الأخير على طريقة وشِرْعَة الفنان الصديق عبد الله بلعباس، الذى أخبرتهُ، ذات يوم، بأنه لا يرسمُ في الواقع أيّ أحدٍ فى بورتريهاته، وإنّما بالأحرى يرسم عددا لانهائيّا من الوجوه، لعلّهُ يصلُ فى خاتمة المطاف إلى وَجْهِهِ هُوَ، شأن تلك الشخصيّة البورخيسيّة التراجيديّة، التى اقترحتْ على نفسها مهمّة رسم العالم.
وخلال سنوات مديدة من عمر ذاك الرجل العجوز الصبور، أثثَ فيها الفضاء بصور خطوط التضاريس المتراميّة، وقبل أن يقضيّ نحبه بفترة وجيزة جدا، اكتشفَ بأنّ صور تلك الجغرافيات الفسيفسائيّة كانت فى الواقع تخطُّ صورة وجهه هُو لا غير.
تبا، فهذى القصة العجيبة وأمثالها، أقصد قصتى أنا تحديدا، قد أكلت حدَّ العظم أجمل أيامى الراكضة فى مضمار الدهر، وكانت مصيدتي المميتة الفتّاكة.
عُضالٌ هذا الجنس الأدبى المِيلاَنْخُولِى، وأليمٌ ذاك الكدح المواظب، فى سبيل جعل جرح الحكى فى عطلة بَيْنٍيَّةٍ بين حزنين مقيمين.
إذ على الأغلب لا تدركُ، وأنت تخوض فى المياه الضحلة للوجود والكتابة والناس والمواقيت والحياة والأهواء والمصير، هل أنتَ البلشون الأصليّ أم اللقلاق المُزيّف؟ الصورةُ داخل البرواز أم مُضاعفها المُتسلّل خارج الإطار؟ هل أنتَ المنقار أم السمكة؟ هل أنت المظلّة أم الظل؟ هل أنتَ النهار الخشن الهزيل أم الليلُ اللطيفُ الطفيف؟ هل أنتَ الذاكرة أم النِّسيان؟ هل أنتَ الصَّيَّاد أم الضحيّة؟ هل أنتَ الطائر أم البحيرة؟ هل أنت مالك الحزين فعلا أم أنكَ لا تعدو أن تكون نَسْنَاساً سعيدا، من فصيلة القرود البشرية الجديدة، تلك التى تأكل موز العَابِر، وهى تتسلّق بلا هوادة أعالى الهباء، مُتهيأةً لأن تقع من حَالِقٍ إلى أسفل هاوية الحماقة الإنسانية المستفحلة.
تبا، فهذى القصة البسيطة وأمثالها، أقصد قصتى أنا تحديدا، قد التهمتنى فى غمرة المَنامة، ولم تعد بى رغبة للاستفاقة من سَهْوَتِي.. أخافُ إن أنا انتبهتُ، أن تنتهى الحكاية.. أن تنتهى داخل « مارستان الأقنعة»!
عبد الله إبراهيم فى مواجهة «المركزية الغربية»
سمير عبد الباقى .. فى آخر حوار قبل الرحيل:
بعد احتلال قلعة الشقيف الأثرية بجنوب لبنان: الإنسانية تفقد تراثها






