أضواء جذابة في السماء.. البيئة «ضحية صامتة» بالحرب الإسرائيلية الإيرانية

أضواء جذابة في السماء
أضواء جذابة في السماء


بينما اعتاد سكان النرويج وكندا وألاسكا، رؤية الأضواء القطبية في ليالي الشتاء الطويلة، فوجيء سكان عدد من دول الشرق الأوسط، خلال الأيام الماضية، بوميض غريب وألوان متلألئة ترقص في السماء عند الغروب أو الفجر.

ظن البعض أنها تسربات إشعاعية على خلفية الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، وخاف آخرون من كارثة نووية تلوح فى الأفق، لكن الحقيقة هى أن هذه الأضواء وإن كانت لا تحمل خطراً نووياً أو إشعاعياً، إلا أنها ليست إلا وجهاً خفياً للصراع المشتعل، وهو الصراع الذى سيشمل الإقليم رائحته لاحقاً فى الهواء، وتُرصد آثاره فى المياه، وتئن تحت وطأته الحياة البرية.

ويؤكد الدكتور يسرى أبو شادي، كبير مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقاً، أن هذه الأضواء ليست ناتجة عن تسرب إشعاعى كما يظن البعض، بل هى نتيجة تفاعلات فيزيائية وكيميائية معقدة تحدث فى الغلاف الجوى بفعل إطلاق الصواريخ البالستية على ارتفاعات شاهقة، مما يسمح برؤية آثارها من دول بعيدة عن ساحة المواجهة.

ويشرح الخبراء أنه «حين تُطلق هذه الصواريخ أو تُعترض، يحدث انفجار هائل يحرر كميات ضخمة من الطاقة، فيسخن الهواء المحيط بسرعة، ويتصاعد للأعلى مشكلاً «سحابة الفطر» الشهيرة، وهذا الهواء الساخن يصعد عبر طبقات الغلاف الجوى التى تختلف فيها حركة الرياح، ما يُكوّن سحباً متعرجة متعددة الألوان تنعكس عليها أشعة الشمس، فتبدو كلوحات فنية فى السماء».

وفي بعض الحالات، تتشكل كرات ضوئية ملونة ناتجة عن تكاثف بخار الماء المنبعث من محركات الصواريخ، الذى يتجمد على جزيئات لم تحترق بالكامل، فتظهر بألوان براقة عند الفجر أو الغروب.

◄ اقرأ أيضًا | خبير: إيران تغير معادلة الردع بصواريخ متطورة تهز الدفاعات الإسرائيلية

◄ البيئة تدفع الثمن

لكن وراء هذه المشاهد المبهرة، تكمن مأساة حقيقية، تدفع البيئة ثمنها، إذ يقول مجدى علام، أمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب، إن هذه العروض الضوئية فى السماء ليست سوى قمة جبل الجليد.

ويقول: «الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل تمثل كارثة بيئية إقليمية بكل المقاييس»، مشيراً إلى أن تكرار القصف الجوي، وإطلاق الصواريخ، يؤدى إلى تلوث هوائى خطير، ما يُخفض جودة الهواء إلى مستويات تهدد صحة السكان، وتزيد من أمراض الجهاز التنفسي، إضافة إلى مضاعفة الانبعاثات المؤثرة على المناخ الإقليمي.. ولا يقف الأمر عند الهواء، فالبنية التحتية المائية فى مناطق النزاع تعرضت لقصف مباشر أدى إلى تسرب مياه الصرف الصناعى والمخلفات النفطية إلى الأنهار والمياه الجوفية، فى وقت تعانى فيه المنطقة أصلاً من ندرة المياه وجفاف متصاعد بفعل تغير المناخ.

أما التنوع البيولوجي، فيعيش لحظة احتضار، إذ تُدمر الغابات والجبال والسهول التى تمثل موطناً لأنواع نادرة من الحيوانات والنباتات، ما يهدد بانقراضها، ويفقد المنطقة توازنها البيئى الهش أصلًا.. ويؤكد على أن الحرب، مهما كانت أسبابها، لا تقتل البشر فقط، بل تنسف الحياة من جذورها. وبينما تتسابق الدول فى تطوير أنظمة دفاعية وصواريخ ذكية، تغفل عن أن البيئة، ذلك الكائن الصامت، هو الخاسر الأكبر.. ويضيف: «لقد تحولت السماء إلى مرآة لحرب بلا نهاية، تنعكس ألوانها المشتعلة عند الشروق والغروب، لكنها ليست ألوان الأمل، بل إشارات تحذير من ثمن بيئى باهظ تدفعه المنطقة، وربما يدفعه العالم».

ويختم بالإشارة إلى أن «ما نرصده فى السماء هو انعكاس لما نخسره على الأرض، وإذ كنا تبارينا خلال الأيام الماضية لتفسير ما نراه بصرياً، فيجب ألا نغفل أصوات العلماء والبيئيين، وهم يدقون ناقوس الخطر حول تداعيات الحرب البيئية، ويجب أن تُدرج حماية البيئة ضمن أولويات أى مفاوضات أو مبادرات لوقف التصعيد».