اتفاق أمريكا - إيران.. هــــــــــــــــــــل يستطيـــع الصمــــود ؟

نائب الرئيس الأمريكى - لقاء سابق للرئيس الإيرانى - نتنياهو - صورة من من المشاركين
نائب الرئيس الأمريكى - لقاء سابق للرئيس الإيرانى - نتنياهو - صورة من من المشاركين


(دراما سياسية) عاشها العالم خلال الأيام الماضية، شهد خلالها الانتقال وبسرعة شديدة من النقيض إلى النقيض، من عودة الصراع والهجمات العسكرية بين الأطراف الثلاثة أمريكا وإسرائيل وإيران وبقوة إلى الإعلان عن نهاية الحرب.

وكما هو الحال على لسان الرئيس الأمريكى رونالد ترامب، وكانت نقطة البداية التصعيد الإسرائيلى على صعيد لبنان والتلويح بالهجوم على العاصمة بيروت دون قصر الأمر على الضاحية الجنوبية معقل حزب الله أو الجنوب اللبناني، كان الأمر استفزازًا غير مقبول لإيران، التى نجحت طوال مدة التفاوض فى الربط بين الملفين الإيرانى واللبنانى والدعم غير المحدود لحزب الله.

تدخل الرئيس ترامب ووبخ نتنياهو، على خلفية مخطط إسرائيلى لإرباك الموقف وإفشال الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق وخرج علينا ترامب ليعلن أنه أمر نتنياهو بالتراجع ولكن حقيقة الأمر أنه قلص عملياته، فكانت المفاجأة فى الهجوم الذى يتم لأول مرة من إيران على أهداف إسرائيلية، فبدأت عمليات الرد والرد المباشر، بهجمات مختارة من تل أبيب داخل إيران، وكانت المفاجأة فى إسقاط طائرة أباتشى أمريكية فى عملية مريبة.

حيث حاولت إيران بكل الوسائل التأكيد على أنها ليست المسئولة عن تلك العملية، مما أثار شكوكا واسعة حول الجهة المتورطة فى العملية، وحاول ترامب التقليل من العملية لتجاوز أن تكون سببا فى التراجع عن التواصل بين الطرفين، للتوصل إلى اتفاق، ولكنه خضع فى نهاية الأمر إلى الضغوط للمتشددين فى إدارته.

فبدأت الهجمات المكثفة على أهداف محددة فى إيران، والتى ردت بهجمات على الكويت والبحرين والأردن واستمرت الهجمات الأمريكية على مدى ليلتين مع تهديدات ترامب بأن الثالثة ستكون هى الأشد والأوسع، فوقف العالم على قدميه فى انتظار ذلك الهجوم، فإذا نحن أمام إعلان بانتهاء الحرب، بل زاد ترامب بالحديث عن تفاصيل موعد التوقيع ومكانه وأن نائبه فانس هو من سينوب عنه فى التوقيع وسط تمهل شديد من إيران فى الكشف عن مواقفها، ولكنها بدأت فى الساعات الأولى أول أمس فى الإشارة إلى أنها فى مرحلة الحصول على موافقة مستويات مراكز القرار فى إيران..

ومن هنا تبدأ الأسئلة والاستفسارات، حول مدى فهم كل طرف للمذكرة وبنودها وقدرتها على الصمود خلال مدة الـ ٦٠ يوما مدة المباحثات حول كافة القضايا فى ظل مخاوف من أن (الشياطين تعشش فى التفاصيل) ناهيك عن الخطر الأكبر على المذكرة، وعلى الاتفاق برمته وهى إسرائيل التى وجدت نفسها خارج الصورة، لم تكن طرفا مباشرا أو جزءا فى كل تلك التحركات وإن كانت وفقا لتصريحات نتنياهو تعتمد على الالتزامات التى قدمها ترامب لإسرائيل..

والأمر يحتاج إلى مزيد من التفاصيل مع مقارنة بين إنجازات أوباما عام ٢٠١٥ ومزاعم ترامب ٢٠٢٦. 

 

واشنطن| «ضغوط الداخل وراء الإعلان عن انتصار «مشكوك فيه

رسالة واشنطن: منى العزب

انتقل الصراع بين واشنطن وطهران من ميادين القتال إلى ساحات مواقع التواصل الاجتماعى ووكالات الأنباء. وأصدر الجانبان سيلا من التصريحات المتضاربة، فيما يبدو كحلقة جديدة فى مسلسل متعدد الأجزاء، حيث أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق مع الجانب الإيرانى فى الوقت التى نفت فيه طهران ذلك مؤكدة عدم الوصول إلى اتفاق بعد..

وحتى كتابة هذه السطور نبقى أمام احتمال من اثنين: إما أن تهدأ الأحداث نتيجة توقيع اتفاق بالفعل أو أن يحدث تغيير عكسى فى الأحداث ويعود الطرفان إلى ساحات القتال بعد أن يعلنا فشلهما فى قاعات التفاوض.

ويبدو ترامب متعجلا فى إعلان الوصول لاتفاق ما يجعله يتسرع فى الإعلان عنه قبل أن يتم توقيعه، وربما يعود ذلك إلى الضغوط الداخلية الواقعة عليه من قاعات الكونجرس، ومن داخل أروقة الحزب الجمهورى الذى يفقد مقاعده يوما بعد يوم مع تزايد التهديدات بفقد من المزيد منها خلال الانتخابات التشريعية المقبلة وسط تململ من الناخبين الذين يعانون ارتفاع أسعار الوقود والسلع اليومية وارتفاع نسبة التضخم التى وصلت لأعلى مستوياتها خلال التقرير الأخير الذى صدر قبل أيام.

وتتزايد الضغوط عليه أيضا من وزارة الحرب حيث يزداد تحذير صقور «البنتاجون» من التكلفة الباهظة لاستمرار العمليات العسكرية والتى لا تقتصر على المعدات فقط.

وخلال اليومين الأخيرين تبدلت التصريحات الصادرة من واشنطن من التهديد بضرب إيران بقوة شديدة ومهاجمة جزيرة خرج، مركز الصادرات النفطية الإيرانية، إلى الحديث عن قرب توقيع مذكرة تفاهم، وفتح فورى لمضيق هرمز، وتمديد لوقف إطلاق النار. فيما أدخل المنطقة ما أطلق عليه المراقبون: لا حرب شاملة، ولا سلام ثابتًا، بل هدنة تفاوضية مسلحة، يمكن أن تنجح إذا توافرت ضمانات جدية، ويمكن أن تنهار إذا عاد كل طرف إلى تفسير الاتفاق على طريقته.

يأتى ذلك فى الوقت الذى أعاد فيه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، ‌نشر منشور ‌على وسائل التواصل الاجتماعى لوزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى قال ‌فيه ‌إن التوصل ‌إلى ‌مذكرة تفاهم مع الولايات ‌المتحدة بات أقرب من أى وقت مضى، داعيًا وسائل الإعلام إلى التوقف عن التكهنات بشأن مضمونها إلى حين إقرارها رسميًا.

ونقلت وكالة «رويترز» عن مسئول كبير فى إدارة ترامب أن طهران لن تحصل على أى من أصولها المجمدة قبل تنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق.
ومن جانبه أعلن رئيس الوزراء الباكستانى شهباز شريف، أنه تم الاتفاق على النص النهائى لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران. وكتب شريف على منصة «إكس»: «يمكننا التأكيد أن نصًا نهائيًا ومتفقًا عليه من اتفاق السلام قد تم التوصل إليه، وباكستان تعمل حاليًا بشكل وثيق مع الطرفين لوضع اللمسات الأخيرة على الخطوات التالية».

وذكر موقع «إكسيوس» أن 4 طائرات شحن عسكرية غادرت إلى أوروبا قبل يومين، لنقل معدات استعدادًا لاحتمال توجه نائب الرئيس فانس لحضور مراسم توقيع فى جنيف خلال الأيام المقبلة. لكنه أضاف أن المعروض حتى الآن ليس اتفاقًا نهائيًا ينهى النزاع الأمريكى - الإيراني، بل مذكرة تفاهم أولية تهدف إلى تثبيت وقف لإطلاق النار لمدة 60 يومًا، وفتح مضيق هرمز فورًا من دون رسوم، وعودة حركة الشحن تدريجيًا إلى مستويات ما قبل الحرب خلال 30 يومًا.

وفى المقابل، يفترض أن ترفع الولايات المتحدة حصارها البحرى تدريجيًا، وأن تمنح إيران إعفاءات محدودة تسمح لها ببيع النفط خلال فترة الهدنة، على أن يرتبط أى تخفيف أوسع للعقوبات بمدى التزام طهران وحسن نيتها فى المفاوضات اللاحقة..

وفيما يتعلق بالأمور المالية فى الاتفاق تكمن المعضلة فى أن إيران تريد الإفراج السريع عن جزء من أموالها المجمدة فى الخارج؛ لأن اقتصادها يحتاج إلى سيولة فورية بعد أشهر من الحرب والحصار وتراجع الصادرات. أما واشنطن، فتفضّل الإفراج على دفعات مرتبطة بالالتزام الإيراني. وهو ما يضع قضية الأموال المجمدة كأول اختبار للثقة. فإذا شعرت طهران بأنها فتحت هرمز ولم تحصل على مقابل ملموس، ستتهم واشنطن بالمماطلة. وإذا رأت واشنطن أن إيران تريد المال قبل الالتزام، ستعود إلى الضغط العسكرى والبحري.

وحتى اللحظة يتحدث ترامب بلغة المنتصر بالرغم من أن معالجة مخزون اليورانيوم المخصب والبنية التحتية للتخصيب ستحتاج إلى اتفاق ثانٍ أكثر تفصيلًا رغم أن التعهد الإيرانى بعدم امتلاك سلاح نووى موجود فى مسودة الاتفاق التى تم تسريبها.

وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» إن السيطرة على جزيرة خرج ليست عملية سهلة أو رمزية، وأى محاولة للسيطرة عليها قد تتطلب انخراطًا عسكريًا مباشرًا وقوات على الأرض، بما يعنى أخطارًا كبيرة على الجنود الأمريكيين واحتمال توسع الحرب. كما أن أى ضربة واسعة قد ترفع أسعار الطاقة عالميًا، وتزيد الضغط على المستهلكين الأمريكيين، وتحرج ترامب قبل الانتخابات النصفية.

ولأن أسباب الحرب لا تزال قائمة، فالملف النووى والعقوبات، والأموال المجمدة، ومضيق هرمز، والحصار البحري، والهجمات على القواعد الأمريكية، ودور إسرائيل وحلفاء إيران فى لبنان واليمن وغزة. كل هذه الملفات يمكن أن تعيد الاشتعال إذا فشلت الهدنة.

ومع أن التوصل إلى اتفاق هو احتمال مطروح جديًا، لكنه ليس مضمونًا. وحسب التسريبات، فإن الحديث هو عن توقيع قريب، وتفاهم أولى على فتح هرمز وبدء 60 يومًا من التفاوض. لكن لا توجد حتى الآن نهاية مؤكدة للحرب.

 

إسرائيل|  خيارات صعبة.. واستراتيجية مزدوجة لإجهاض المســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــار السلمى

إما إجهاض الاتفاق المزمع توقيعه بين طهران وواشنطن، أو الانفراد بعمل عسكرى ضد إيران بمعزل عن قاطن البيت الأبيض.. استراتيجية إسرائيلية تمليها تحولات مفصلية فى المعادلة الأمنية الإقليمية، تجرى خلف كواليس مشهد معقد، وتعكف على تمريرها كوادر المؤسسة الأمنية والاستخباراتية فى تل أبيب، وفقًا لما كشفته آلة الإعلام العبرية، تزامنًا مع دراماتكية الواقع المتغير.

وفور إعلان دونالد ترامب قرب التوصل إلى اتفاق «نهائي» مع طهران، شككت مصادر إسرائيلية فى نجاح الخطوة، مشيرة إلى فجوة هائلة بين سردية ترامب والواقع، ودعمت تحليلها بـ«حالة نفور» لدى بنيامين نتنياهو، حرضت مراقبين فى تل أبيب على تأكيد محاولة ترامب «خلق اتفاق»، خلافًا لما تفرضه معطيات الواقع. ووفقًا لموقع «واللا» العبري، ذهبت المصادر إلى أن الفجوة بين التصريح والواقع هى جوهر الشك، ولا يعود السبب فى ذلك إلى عدم توقيع الاتفاق فقط، وإنما إلى أن الإيرانيين أنفسهم لا يصفون الوضع كما يصفه ترامب، إذ صرحت الخارجية الإيرانية بأن معظم بنود الاتفاق تم صياغتها بالفعل فى السابق، لكن الولايات المتحدة، بحسب الوزارة، أرادت إضافة مطالب جديدة.

وأكدت طهران أن المسئولين عن إدارة شئون إيران حاليًا، ما زالوا يناقشون جميع البنود، ولن يُعلن موقف إيران الرسمى إلا بعد ذلك. وعند الإجابة عن سؤال يتعلق بتصريحات الرئيس الأمريكى حول مكان وتاريخ التوقيع، أكد الإيرانيون أنها «مجرد تكهنات إعلامية». وفى حين لا تنفى طهران إحراز تقدم، وتقر بصياغة معظم بنود الاتفاق فعليًا، ترفض فى المقابل تبنى السردية التى يرسمها الرئيس الأمريكي، والتى يؤكد مفادها موافقة جميع الأطراف على الاتفاق، وأن عملية التوقيع باتت إجراءً شكليًا.

وعزت المصادر العبرية إلى السردية الأمريكية محاولة ترسيخ جبهة دعم إقليمية واسعة عبر ترويج تصريحات «أحادية» خلال اتصالات هاتفية مع قوى إقليمية، وكأن ترامب يمرر رسالة واضحة بالنسبة له، مفادها «لم يعد الأمر مجرد تفاهم بين واشنطن وطهران، بل تحرك إقليمى واسع النطاق».

ومن خلال تلك المعطيات، حصلت تل أبيب على انطباع بأن «ترامب لا يقدم وثيقة موقعة، بل يسوِّق أجواءً عامة، تشى بإحراز تقدم». وأشارت إلى تناقض عزت إليه رجاحة تقديراتها، فمن جهة يؤكد الرئيس الأمريكى مرارًا وتكرارًا أن توقيع الاتفاق وشيك، مستخدمًا مفردات مثل «قريبًا»، و«قريبًا جدًا»، و«ربما فى نهاية الأسبوع»، يرفض فى المقابل تحديد جدول زمنى مُلزم، حتى لا يلام حينها على الالتزام به، وفق تعبيره، لوسائل إعلام أمريكية.

وإلى جانب محاولات تل أبيب الرامية إلى إجهاض الاتفاق المزمع توقيعه، كشفت صحيفة «معاريف» ملامح سيناريو آخر غير معلن، تعتزم إسرائيل من خلاله العمل عسكريًا على الجبهتين الإيرانية واللبنانية بمعزل عن إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب. وتزامن كشف الصحيفة العبرية مع إعلان بنيامين نتنياهو خلال أحد اجتماعات المجلس الوزارى المصغر للشئون السياسية والأمنية «الكابينت»، أن «إسرائيل قد تضطر إلى العمل عسكريًا دون غطاء أمريكى فى إيران، بكل ما يترتب على ذلك من تكاليف تسليح وعزلة دولية»، وفق تعبيره.

وتعد المؤشرات التى ساقتها «معاريف» دليلًا على تفادى تعويل إسرائيل، ولو نسبيًا، على الولايات المتحدة فى مواجهة جديدة مفترضة مع إيران. وألمحت الصحيفة العبرية إلى رجاحة التقديرات، حين قاربت بين انعدام ثقة تل أبيب فى التزامات الإيرانيين، وما وصفته بـ«سطحية تصريحات الرئيس ترامب».

وقالت: «يزعم ترامب أنه سيتوصل إلى اتفاق نهائى مع إيران فى غضون أسبوعين، يشمل الإفراج عن اليورانيوم المخصب الموجود بحوزتها. لكن الحقيقة هى أنه لا أحد يأخذ تصريحات الرئيس الأمريكى على محمل الجد، وبالتأكيد لا يصدق أحد وعود الإيرانيين».
وتدرك إسرائيل أنها بحاجة الآن إلى اتخاذ بعض الخطوات التكتيكية، التى يمكن من خلالها خلق واقع استراتيجى على الساحتين الإيرانية واللبنانية.

وأقرت مصادر الصحيفة العبرية بأن الموساد والجيش الإسرائيلي، لم يعلنا بعد قرارهما النهائى بشأن الرغبة فى إسقاط نظام آيات الله، ملمحة إلى أن الأكراد، الذين يتلقون دعمًا مباشرًا من الموساد حتى الآن، ما زالوا يرصُّون صفوفهم على الجبهة الإيرانية، ولفتت إلى استناد إسرائيل إلى الحصار الذى تفرضه الولايات المتحدة على إيران، مؤكدة أنه «يحقق نتائج جيدة»، وقدَّرت بأنه «إذا استمر الحصار لأسابيع أخرى، فقد يُحقق النتائج المرجوة إسرائيليًا، وهى إسقاط النظام الإيراني». وإلى حين سقوط النظام فى طهران، تعمل إسرائيل على قطع الصلة بين لبنان وإيران، ومنع مواصلة مساعى الأخيرة، الرامية إلى إعادة بناء نفسها عسكريًا وسياسيًا.

وعلى الساحة اللبنانية، زعمت الصحيفة ترتيبات «مباشرة» بين دوائر لبنانية رسمية وأخرى إسرائيلية، لفرض سيادة الدولة اللبنانية على حساب نفوذ حزب الله، داعية إلى «وجوب نزع أى معادلات بين إسرائيل وميليشيا الحزب الشيعي». واستشهدت «معاريف» بتصريحات رئيس الأركان، إيال زامير، على التوجه الإسرائيلي، التى أكد فيها، على أن «محاولة إيران فرض معادلات وتغيير الواقع ستفشل».

وأوضح زامير: «الهجوم الذى نفذناه فى إيران كان تمهيدًا لضربة أشدّ وأقسى. سنواصل العمل على إلحاق المزيد من الضرر بمنظمة حزب الله، وحماية مستوطنات الشمال. الجيش الإسرائيلى فى حالة تأهب قصوى، وسيتحرك بقوة أينما رصدنا تهديدًا»، وفق تعبيره. كما أشارت الصحيفة إلى إدراك الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى ضغط من أجل وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، أن البلدين دخلا فعليًا فى دوامة حرب، ويحاول الآن ممارسة ضغط على بنيامين نتنياهو للتوصل إلى نوع من التسوية على الجبهتين المفتوحتين: إيران ولبنان.

ومهدت الصحيفة لعمل عسكرى إسرائيلى ضد إيران بمعزل عن ترامب حين رجحت أن «الإيرانيين أنفسهم مضطرين فى هذه المرحلة إلى العمل عسكريًا ضد إسرائيل مجددًا، وقد يحدث ذلك قبل فترة طويلة من انتهاء كأس العالم فى الولايات المتحدة»، حسب تقديرات «معاريف».
 

طهران| فرصة لكسب الوقت دون انتهاء الصراع

مــروى حـسـن

فى لحظة تبدو فيها المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة من التهدئة بعد أشهر من التوتر والتصعيد، يبرز الاتفاق المعلن بين الولايات المتحدة وإيران باعتباره أحد أهم التحولات السياسية فى الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. فبينما تسعى واشنطن إلى تقديم الاتفاق باعتباره خطوة تمنع اندلاع مواجهة أوسع وتفرض قيودًا على البرنامج النووى الإيراني، تحاول طهران إظهاره كدليل على صمودها وقدرتها على فرض شروطها والحفاظ على خطوطها الحمراء رغم سنوات من الضغوط والعقوبات. وبين الروايتين، يظل السؤال الأبرز: هل حققت إيران بالفعل مطالبها الأساسية أم أن ما تحقق لا يتجاوز هدنة مؤقتة تخفى وراءها خلافات مؤجلة؟

على مستوى المطلب الأول، والمتمثل فى وقف الحرب والتصعيد العسكري، تبدو إيران الأقرب إلى تحقيق هدفها. فمنذ اندلاع موجات التصعيد الأخيرة كانت طهران تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على الداخل الإيرانى وعلى شبكة حلفائها الإقليميين. ومن ثم فإن تثبيت التهدئة واحتواء احتمالات المواجهة المباشرة يمثلان مكسبًا استراتيجيًا مهمًا يمنح القيادة الإيرانية فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها والتقاط الأنفاس بعد مرحلة اتسمت بالضغوط الأمنية والاقتصادية المتزايدة.

أما فيما يتعلق بالأموال الإيرانية المجمدة، فقد كان هذا الملف أحد أبرز المطالب التى رفعتها طهران خلال المفاوضات. فإيران تعتبر أن أى اتفاق لا يتضمن مكاسب اقتصادية ملموسة سيكون فاقدًا لقيمته السياسية داخليًا. ورغم الحديث عن الإفراج عن جزء من الأصول المجمدة وتخفيف بعض القيود الاقتصادية، فإن الصورة لا تزال ضبابية بشأن حجم الأموال التى سيتم الإفراج عنها وآلية ذلك وتوقيته. وبذلك تكون طهران قد حصلت على وعود بفتح مسار اقتصادى جديد، لكنها لم تحصل بعد على الضمانات الكاملة التى كانت تطمح إليها.

وربما تكمن أهمية هذا الملف فى أنه يعكس تغيرًا فى ترتيب الأولويات الإيرانية خلال السنوات الأخيرة. فبعد عقود من التركيز على الصمود فى مواجهة الضغوط الخارجية، أصبحت الأزمة الاقتصادية الداخلية عاملًا رئيسيًا فى حسابات القيادة الإيرانية. فارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية واتساع الضغوط المعيشية جعلت الحاجة إلى تنشيط الاقتصاد وتخفيف العقوبات أولوية لا تقل أهمية عن الحفاظ على المكاسب النووية والسياسية. ومن هذا المنطلق يمكن فهم استعداد طهران لإبداء قدر من المرونة فى بعض الملفات مقابل الحصول على متنفس اقتصادى يخفف الضغوط الداخلية.

ويبقى ملف اليورانيوم المخصب القضية الأكثر حساسية وتعقيدًا. فمنذ بداية المفاوضات أكدت إيران أن نقل مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد أو التخلى عنه بصورة كاملة يمثل خطًا أحمر يتعلق بالسيادة الوطنية وبما تعتبره حقًا مكتسبًا فى المجال النووي. وبينما تتحدث بعض التسريبات الغربية عن ترتيبات تتعلق بتقليص المخزون أو إخضاعه لرقابة مشددة، تصر طهران على أن أى تفاهم لن يمس حقها فى الاحتفاظ ببرنامج نووى سلمى داخل أراضيها. ولذلك تبدو هذه القضية أقرب إلى التأجيل أو إعادة الصياغة منها إلى الحسم الكامل.

كما أن قضية استمرار التخصيب داخل إيران تظل معيارًا أساسيًا لقياس نجاح الاتفاق من وجهة النظر الإيرانية. فبالنسبة لطهران، لا يتعلق الأمر فقط بالجوانب التقنية للبرنامج النووي، بل أيضًا بمسألة السيادة والكرامة الوطنية. ولذلك تسعى القيادة الإيرانية إلى التأكيد أن أى تفاهم جديد لا يعنى التخلى عن هذا الحق، وإنما تنظيمه ضمن إطار يراعى المخاوف الدولية ويضمن فى الوقت نفسه استمرار النشاط النووى الإيراني.

وفى المقابل، لا تنظر بعض دوائر صنع القرار فى طهران إلى الاتفاق باعتباره نهاية للصراع مع الولايات المتحدة، بل باعتباره فرصة لشراء الوقت وإعادة ترتيب الأولويات. فسنوات المواجهة المتواصلة استنزفت الاقتصاد الإيرانى وأثرت على هامش الحركة الإقليمى لطهران، ما يجعل فترة الهدوء الحالية فرصة لإعادة بناء القدرات الاقتصادية واستيعاب المتغيرات الإقليمية والدولية. ومن هذا المنظور، قد لا يكون الهدف الإيرانى هو الوصول إلى تسوية استراتيجية شاملة بقدر ما هو تثبيت مرحلة انتقالية تسمح بإعادة ترتيب الأوراق.

لكن العقبة الأكبر التى تواجه الاتفاق تبقى أزمة الثقة العميقة بين الطرفين. فالتجربة الإيرانية مع الاتفاق النووى السابق لاتزال حاضرة بقوة فى أذهان صناع القرار، خاصة بعد الانسحاب الأمريكى منه وإعادة فرض العقوبات. ولهذا السبب لا تركز طهران فقط على ما يتضمنه الاتفاق من بنود، بل أيضًا على الضمانات التى تمنع تكرار السيناريو ذاته مستقبلًا. وبالنسبة لكثير من المسئولين الإيرانيين، فإن المشكلة الأساسية ليست فى توقيع الاتفاق، بل فى ضمان استمراره وعدم تحوله إلى ورقة سياسية مرتبطة بتغير الإدارات الأمريكية.

ومن هذا المنطلق، تبدو القيادة الإيرانية أكثر اهتمامًا بالمكاسب الفورية والقابلة للقياس من اهتمامها بالوعود السياسية طويلة الأمد. فالإفراج عن الأموال المجمدة وتخفيف القيود الاقتصادية وتحسين حركة التجارة تمثل بالنسبة لطهران مؤشرات أكثر أهمية من التصريحات الدبلوماسية أو التعهدات النظرية.

ولا يقتصر التحدى الإيرانى على العلاقة مع واشنطن فقط، بل يمتد إلى الداخل الإيرانى نفسه. فالقيادة مطالبة بتقديم الاتفاق للرأى العام وللقوى المحافظة ومؤسسات الدولة النافذة باعتباره نتيجة للصمود وليس نتيجة للضغوط. ولهذا تحرص طهران على التأكيد أن ما تحقق هو اعتراف أمريكى بضرورة التفاوض معها واحترام مصالحها، لا تراجعًا إيرانيًا عن ثوابتها الأساسية. كما تسعى إلى تجنب أى انطباع داخلى بأن الاتفاق جاء على حساب الحقوق النووية أو النفوذ الإقليمى الذى تعتبره جزءًا من منظومة أمنها القومي.

 يبدو أن الاتفاق منح إيران جزءًا مهمًا من أهدافها، وفى مقدمتها وقف التصعيد وفتح الباب أمام تخفيف الضغوط الاقتصادية، لكنه لم يحقق بصورة نهائية جميع الخطوط الحمراء التى أعلنتها طهران، خصوصًا فيما يتعلق بالضمانات الأمريكية طويلة المدى ومستقبل مخزون اليورانيوم المخصب. ولذلك قد يكون من الأدق النظر إلى الاتفاق باعتباره محطة جديدة فى مسار طويل من التفاوض والصراع، لا نهاية له. فالثقة ما زالت غائبة، والخلافات الجوهرية لم تختفِ، لكن الطرفين اختارا تأجيل المواجهة وشراء الوقت، كلٌ لأسبابه الخاصة، بانتظار ما ستكشفه المرحلة المقبلة من قدرة هذا التفاهم على الصمود أمام اختبار الواقع.

 

فيينا| اختلافات جوهرية عن اتفـاق ٢٠١٥ 

سميحة شتا

 

أعاد إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أن الولايات المتحدة «أنهت الحرب مع إيران» فتح النقاش حول مستقبل الملف النووى الإيراني، وأعاد إلى الواجهة المقارنة مع الاتفاق النووى الذى وقعته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما عام 2015.

وتكتسب هذه المقارنة أهمية خاصة لأن ترامب بنى جزءًا كبيرًا من خطابه السياسى على مهاجمة الاتفاق السابق واعتباره «الأسوأ فى تاريخ الولايات المتحدة»، قبل أن ينسحب منه عام 2018 ويعيد فرض العقوبات على طهران. واليوم يجد نفسه أمام احتمال التوصل إلى تفاهم جديد مع إيران، لكنه يختلف فى طبيعته وأهدافه عن الاتفاق الذى سعى سابقًا إلى إسقاطه.

وجاءت تصريحات ترامب فى وقت تتحدث فيه تقارير إعلامية أمريكية وإيرانية عن اقتراب التوصل إلى مذكرة تفاهم تمهد لاتفاق أوسع بين الجانبين، فإن الرئيس الأمريكى أعلن أن إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي، معتبرًا أن هذا الأمر يحقق معظم الأهداف الأمريكية من المواجهة الأخيرة، كما كشف عن إلغاء ضربات عسكرية كانت مقررة ضد إيران، وتحدث عن إمكانية توقيع إعلان تفاهم خلال أيام فى إحدى الدول الأوروبية بحضور نائب الرئيس الأمريكى جيه دى فانس. فى المقابل، تعاملت طهران بحذر مع هذه التصريحات؛ إذ أكد وزير الخارجية عباس عراقجى أن الاتفاق أصبح «أقرب من أى وقت مضى»، لكنه شدد على أن النص النهائى ما زال يحتاج إلى موافقات داخل مؤسسات صنع القرار الإيرانية. 

وتكشف بنود الاتفاق عن اختلاف كبير مقارنة باتفاق عام 2015. فالخطة الشاملة المشتركة التى توصلت إليها إدارة أوباما مع إيران ومجموعة «5 +1» لم تكن مجرد إطار سياسى أو إعلان مبادئ، بل اتفاق تقنى مفصل فرض قيودًا مباشرة على البرنامج النووى الإيراني. فقد حدد الاتفاق سقف تخصيب اليورانيوم عند 3.67%، وخفض مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بشكل كبير، وقلص عدد أجهزة الطرد المركزى العاملة، وأخضع المنشآت النووية الإيرانية لرقابة مشددة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية مقابل رفع تدريجى للعقوبات.

أما التفاهم الجارى التفاوض عليه حاليًا، فإن القضية النووية تبدو مؤجلة إلى مرحلة لاحقة. فالمسودة المتداولة لا تتضمن نصوصًا واضحة بشأن تفكيك أجزاء من البرنامج النووى الإيرانى أو التخلص من مخزون اليورانيوم عالى التخصيب أو فرض قيود تقنية جديدة على عمليات التخصيب. وبدلًا من ذلك، تكتفى بإعادة التأكيد على التزام إيران بعدم السعى إلى امتلاك سلاح نووي، فيما تترك التفاصيل الفنية للمفاوضات التى ستجرى خلال الستين يومًا التالية.

وفى الوقت ذاته، تثير طبيعة البنود المتداولة جدلًا داخل الولايات المتحدة وإسرائيل. فمنتقدو الاتفاق يرون أن منح إيران مكاسب اقتصادية مبكرة، تشمل تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة، مقابل تعهدات عامة وغير مفصلة بشأن البرنامج النووي، قد يمنح طهران فرصة لالتقاط الأنفاس دون تقديم تنازلات استراتيجية حقيقية. فى المقابل، ترى الإدارة الأمريكية أن تثبيت وقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز وإطلاق مسار تفاوضى جديد يمثل نجاحًا مهمًا بعد أشهر من الحرب والتوتر.

ورغم الأجواء الإيجابية التى تتحدث عنها واشنطن وطهران والوسطاء، لا يزال الاتفاق بعيدًا عن الحسم النهائي. فالتصريحات الإيرانية تؤكد أن النص المطروح لم يحصل بعد على الموافقات النهائية، كما أن عددًا من القضايا الحساسة، مثل آليات الرقابة ومستقبل العقوبات والتعامل مع مخزون اليورانيوم عالى التخصيب، لا يزال بحاجة إلى تفاهمات إضافية. لذلك تبدو مذكرة التفاهم الحالية أقرب إلى اتفاق لوقف الحرب وفتح باب التفاوض، أكثر من كونها تسوية نهائية للملف النووى الإيراني.