بريطانيا| صعوبات تواجه مخطط زيادة الإنفاق العسكرى

رئيس الوزراء البريطانى أثناء زيارة إحدى غواصات البحرية
رئيس الوزراء البريطانى أثناء زيارة إحدى غواصات البحرية


تسابق الحكومة البريطانية الزمن لوضع اللمسات الأخيرة على «خطة الاستثمار الدفاعي» الجديدة، فى خطوة تعكس تحولًا عميقًا فى أولويات لندن الاستراتيجية مع اقتراب قمة حلف شمال الأطلسى المقررة فى تركيا يوم 7 يوليو المقبل.

غير أن هذه الاستعدادات جاءت فى ظل أزمة سياسية لافتة بعد استقالة وزير الدفاع البريطانى جون هيلي، الذى وَجَّه فى رسالة استقالته انتقادات مباشرة لرئيس الوزراء كير ستارمر، متهمًا الحكومة بعدم توفير الموارد المالية التى تحتاجها القوات المسلحة لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.
وقال هيلى إن الحكومة أخفقت فى تقديم التمويل المطلوب لتنفيذ خطط إعادة بناء القدرات العسكرية، معتبرًا أن التسوية المالية المصاحبة لخطة الاستثمار الدفاعى «أقل بكثير مما هو مطلوب».

وأشار إلى أن الحكومة كانت قد تعهدت فى فبراير 2025 برفع الإنفاق الدفاعى إلى 2.5% من الناتج المحلى الإجمالى بحلول عام 2027، مع تعديل طريقة احتساب بعض النفقات بما يرفع النسبة فعليًا إلى 2.6%، فضلًا عن إعلان طموح للوصول إلى 3% خلال الدورة البرلمانية المقبلة.
وسارع ستارمر إلى تعيين دان جارفيس وزيرا جديدا للدفاع خلفا لهيلي، ويملك جارفيس خلفية عسكرية وسياسية فى آن واحد، إذ خدم سابقا فى الجيش البريطانى قبل انتقاله إلى الحياة السياسية.

كما تولى مناصب مرتبطة بالأمن القومى ، ويأمل رئيس الوزراء أن يسهم تعيينه فى طمأنة الحلفاء داخل الناتو وإظهار قدرة الحكومة على تجاوز الأزمة ومواصلة تنفيذ خططها الدفاعية دون تعطيل غير أن تعيين الوزير الجديد لم ينه الجدل الدائر داخل المؤسسة العسكرية، فقد تزامنت من مسئولية عسكريين وبرلمانيين يرون أن التمويل المقترح لا يواكب حجم التحديات التى تواجهها بريطانيا، خاصة مع تزايد الضغوط الأمريكية على الدول الأوروبية لرفع مساهماتها الدفاعية وتحمل نصيب أكبر من أعباء الأمن الجماعى داخل الحلف.

كما التزمت بريطانيا ضمن أهداف حلف الناتو بالوصول إلى مستوى إنفاق يعادل 5% من الناتج المحلى الإجمالى على الأمن القومى بحلول عام 2035، يتوزع بين 3.5% للإنفاق الدفاعى المباشر و1.5% لحماية البنية التحتية الحيوية وتعزيز الجاهزية المدنية.

ورغم هذه الخلافات، يبدو أن ستارمر مصمم على دخول القمة الأطلسية بخطة واضحة لتعزيز القدرات الدفاعية البريطانية ورفع الإنفاق العسكري، فى وقت تواجه فيه أوروبا ضغوطًا أمنية متزايدة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التوتر مع موسكو، وتزايد المطالب الأمريكية للدول الأوروبية بتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع الجماعى داخل الحلف، وتدفع واشنطن منذ سنوات باتجاه زيادة الإنفاق الدفاعى الأوروبي، لكن الحرب فى أوكرانيا أعطت هذه المطالب زخمًا غير مسبوق.

وكانت التقديرات الأولية تشير إلى أن قيمة الخطة الدفاعية الجديدة قد تصل إلى نحو 18 مليار جنيه إسترليني، إلا أن الخلافات داخل الحكومة بشأن قدرة الاقتصاد البريطانى على تحمّل هذه الزيادة الكبيرة دفعت إلى تقليص الرقم إلى نحو 15 مليار جنيه، ويعكس هذا التقليص حجم الصراع القائم بين وزارة الخزانة، التى تسعى إلى ضبط الإنفاق العام، ووزارة الدفاع التى تؤكد أن البيئة الأمنية الحالية تفرض استثمارات أكبر وأكثر سرعة.

وأكد ستارمر فى أكثر من مناسبة أن خطة الاستثمار الدفاعى ستصدر قبل انعقاد قمة الناتو، موضحًا أنها تمثل خطوة إضافية فى مسار رفع الإنفاق العسكرى وربط الأهداف الاستراتيجية بالتمويل اللازم لتحقيقها، وتسعى الحكومة من خلال هذه الخطة إلى طمأنة الحلفاء بأن بريطانيا ما تزال ملتزمة بدورها التقليدى كواحدة من أبرز القوى العسكرية داخل الحلف.

وتأتى هذه التحركات فى وقت تواجه فيه الحكومة انتقادات متزايدة بسبب التأخير المتكرر فى إصدار الخطة الدفاعية حيث فكان من المفترض الإعلان عنها خلال العام الماضي، لكن الخلافات بين وزارة الدفاع ووزارة الخزانة أدت إلى تأجيلها أكثر من مرة، واعتبرت لجنة الحسابات العامة فى البرلمان البريطانى أن هذا التأخير أضر بمصداقية بريطانيا أمام شركائها وأوجد حالة من عدم اليقين داخل القوات المسلحة وقطاع الصناعات الدفاعية.

ويعكس هذا الجدل عمق التحوّل الذى تشهده بريطانيا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، فبعد عقود من تقليص الإنفاق العسكرى فى مرحلة ما بعد الحرب الباردة، عادت قضايا الأمن القومى إلى صدارة المشهد السياسى البريطاني، وأصبحت الحاجة إلى إعادة بناء القدرات العسكرية وتطوير منظومات الردع والدفاع جزءًا أساسيًا من النقاشات الحكومية والبرلمانية.

وفى هذا السياق، تعطى الخطة الجديدة أولوية للاستثمار فى برامج التسلّح والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، وعلى رأسها مشروع «برنامج القتال الجوى العالمي» الذى تطوره بريطانيا بالتعاون مع اليابان وإيطاليا لإنتاج مقاتلة شبح متطورة من الجيل القادم، كما تشمل الخطة تحديث البنية التحتية العسكرية وتعزيز القدرات البحرية والجوية وتسريع عمليات صيانة وتطوير أسطول الغواصات النووية البريطانية.

غير أن التحدى الأكبر أمام الحكومة لا يتمثل فى تحديد الأولويات العسكرية، بل فى إيجاد الموارد المالية اللازمة لتنفيذها، فالتقارير البريطانية تتحدث عن احتمالات تقليص بعض أوجه الإنفاق المدنى فى مجالات مثل الطاقة والتعليم والصحة والبنية التحتية من أجل توفير مليارات الجنيهات الإضافية لوزارة الدفاع.

وقد أثار هذا التوجّه خلافات داخل الحكومة نفسها، حيث يحذر وزراء ومسئولون عن الخدمات العامة، من أن أى اقتطاعات جديدة من ميزانياتهم قد تؤثر سلبًا على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وعلى خطط التنمية طويلة المدى، كما تخشى النقابات وبعض الأحزاب السياسية، من أن يؤدى التوسع فى الإنفاق العسكرى إلى عودة سياسات التقشف بشكل أو بآخر.

وتزداد حساسية هذا النقاش فى ظل استمرار الضغوط المعيشية التى تواجهها الأسر البريطانية بسبب ارتفاع تكاليف السكن والطاقة وتباطؤ النمو الاقتصادي، ويرى منتقدو الخطة أن توجيه موارد إضافية إلى القطاع العسكرى يجب ألا يتم على حساب الملفات الاجتماعية والاقتصادية التى تمس الحياة اليومية للمواطنين.

فى المقابل، تنظر الحكومة البريطانية إلى الملف الدفاعى باعتباره فرصة لإعادة ترسيخ دور البلاد على الساحة الأوروبية والدولية بعد سنوات من الارتباك السياسى الذى أعقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فالأمن والدفاع يمثلان أحد المجالات القليلة التى ما تزال لندن تمتلك فيها نفوذًا كبيرًا وقدرة على التأثير فى القرارات الأوروبية والأطلسية.

ويرى مراقبون أن توقيت الإعلان عن الخطة قبل قمة الناتو ليس مصادفة، بل جزء من استراتيجية سياسية ودبلوماسية تهدف إلى توجيه رسائل متعددة، فمن جهة تريد لندن طمأنة الولايات المتحدة بأنها لا تزال شريكًا أمنيًا موثوقًا ومستعدًا لتحمل مسئوليات أكبر داخل الحلف، ومن جهة أخرى تسعى إلى طمأنة الصناعات الدفاعية والأسواق المالية بأن لديها رؤية واضحة ومستمرة للاستثمار العسكري.

كما تحاول الحكومة مواجهة الانتقادات الداخلية التى تتهمها بالتردد فى ملف الدفاع، وتقديم نفسها باعتبارها قادرة على قيادة مرحلة جديدة من إعادة التسلح تتناسب مع حجم التحديات الدولية الراهنة، وتراهن لندن على مكانتها النووية وعلاقاتها الخاصة مع واشنطن وخبرتها العسكرية الطويلة لتعزيز موقعها داخل منظومة الأمن الغربي.

ويبدو أن المزاج العام داخل أوروبا يميل حاليًا إلى إعطاء الأولوية للإنفاق العسكرى، بعد أن أعادت الحرب الأوكرانية إحياء المخاوف التقليدية المتعلقة بالأمن القومي، ولهذا لم تعد زيادة الميزانيات الدفاعية قضية هامشية كما كانت خلال العقد الماضي، بل أصبحت جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل السياسات الاقتصادية والاستراتيجية فى معظم الدول الأوروبية.

ومن المُرجَّح أن تحمل قمة الناتو المقبلة، ضغوطًا إضافية على الدول الأعضاء للإسراع فى رفع الإنفاق الدفاعى وتعزيز الجاهزية العسكرية، خاصة مع تصاعد الدعوات إلى بناء «أوروبا أكثر تسلّحًا» وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات والصراعات المحتملة خلال السنوات المقبلة.
وهكذا فإن «خطة الاستثمار الدفاعي» البريطانية لا تمثل مجرد زيادة مالية فى ميزانية الجيش، بل تعكس تحوّلًا أوسع فى التفكير الاستراتيجى البريطانى والأوروبي.

كما تكشف استقالة وزير الدفاع عن حجم الخلافات القائمة حول كيفية تمويل هذا التحول وسرعته، فى وقت بات فيه الأمن العسكرى يتقدم على كثير من الملفات الأخرى..

وبينما تستعد حكومة ستارمر لقمة الناتو المقبلة، تبدو بريطانيا أمام معادلة صعبة تجمع بين تلبية متطلبات الأمن القومى والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، فى مرحلة يعتقد كثيرون أنها تؤذن بنهاية حُقبة ما بعد الحرب الباردة وبداية عصر جديد من إعادة التسلح والاستعداد لمنافسات وصراعات طويلة الأمد.