كنوز| العقاد يكتب لـ «المصور» ما لا يعرفه الناس عنه !

الآنسة مى زيادة - العملاق عباس محمود العقاد.. بريشة رسام مجلة «المصور» الفنان التشكيلى «فائق»
الآنسة مى زيادة - العملاق عباس محمود العقاد.. بريشة رسام مجلة «المصور» الفنان التشكيلى «فائق»


كتب العملاق عباس محمود العقاد فى عام 1958 مقالاً نشرته مجلة «المصور» يكشف فيه الكثير من ملامح شخصيته، كتب عن اللحظة التى يبكى فيها، وكتب عن قصتى الحب فى حياته، وها هى التفاصيل فى سطور المقال الذى يقول فيه :

- هل يعرف أحد من أين لى باسم «العقاد» ؟ 

لا أحد طبعاً.. وهناك غير هذا أشياء كثيرة لا يعرفها الناس عني، أذكر أن جد جدى لأبى كان من أبناء دمياط ويشتغل بصناعة الحرير، ثم اقتضت مطالب العمل بأن ينتقل الى المحلة الكبرى حتى يتخذها مركزاً لنشاطه، ومن هنا أطلق عليه الناس اسم «العقاد» أى الذى «يعقد» الحرير، والتصقت الصفة بنا.

اقرأ أيضًا| كنوز| حوار السماء والأرض بين «العقاد» وسعد زغلول

جدنا الأكبر من دمياط، والجميع يعرفون أننى من أسوان، وتضاربت الأقوال فى شأن مسقط رأس أسرتنا، وكتب أحد الصحفيين ذات مرة أن عباس العقاد أمه سودانية اسمها «بخيتة» وأننى أخذت حرارتى وحماستى من أمي، والحقيقة عكس ذلك، فأمى كانت شقراء جميلة، أصلها كردى وأبوها لا يتكلم العربية، وجدى كان من قبائل «ديار بكر»، ويقول الناس عنى إننى قاسٍ عنيف، ولقبنى «سعد زغلول» بالجبار، وهناك فرق بين القسوة وعدم الرحمة، أنا شديد الحساسية، ولا تعجبنى مظاهر عدم الرحمة بالناس، فعندما سُجنت وقع بصرى على جلاد يهوى بسوطه على ظهر السجين، كان المنظر كافياً لأن أقع مريضاً لمدة أسبوع، ظلت صورة الدم على ظهر السجين تشاغل عينى وصراخ الرجل يدوى فى أذني، أرقنى صورة امتهان البشرية الى ذلك الحد. 

أنا لست ناعماً، فالنعومة للنساء وليست للرجال، وقد تعجبون من أننى سريع البكاء، وأثبتت المراجع العلمية والنفسية والطبية أن أقوى الرجال أسرعهم الى البكاء!. 

أنا عاطفى لأقصى الحدود، على خلاف ما يتصور الناس، أحببت فى حياتى مرتين «سارة .. ومى» وكانت الأولى مثالاً للإنوثة الدافقة، ناعمة رقيقة، لا يشغل رأسها إلا الاهتمام بإنوثتها وكانت مثقفة، والثانية قوية الحجة، تناقش وتهتم بتحرير المرأة وإعطائها حقوقها السياسية، وكان بها بعض صفات الرجال من حيث إنها جليسة علم وأدب وفن، وزميلة فى حياة الفكر، أى أن اهتمامها كان موزعاً بين العلم والإنوثة، وأنا أحب الأطفال جداً، ويأسرنى الفن الجميل، حتى إننى أبكى فى مشهد درامى متقن الأداء، وأذكر أننى بكيت فى أول فيلم أجنبى ناطق، كان يمثله «آل جونسون» ومعه طفل صغير يمثل دور الذى حُرم من امه وظل هدفاً للإهمال حتى مات، تأثرت وبكيت، ولم أستطع النوم فى تلك الليلة، إلا بعد أن غسلت رأسى ثلاث مرات بالماء الساخن لإبعاد الأفكار السوداء عندما تتملكني، ومن صفاتى التى لا يعرفها الناس، أننى إذا عُوملت بالتسامح لا أبدأ بالعدوان أبداً، وإذا هاجمنى أحد فلا أرحمه وقد قالت «سارة» عنى ذات مرة : «إن من يُظهِر طرف السلاح للعقاد يا قاتل يا مقتول!». 

اقرأ أيضًا| ذكرى ميلاد «عملاق الفكر العربي» عباس محمود العقاد

وعندى صفة عجيبة أعتز بها، وهى أن لدىّ حاسة سادسة لا تخطئ، ففى أحد الأيام كنت فى أسوان وسألت أخى فجأة عن صديق لم أكن رأيته منذ مدة، وفى المساء جاءتنى برقية تنعى ذلك الصديق، وتبينت أنه توفى فى اللحظة التى تذكرته فيها، وتكررت مثل تلك الحوادث كثيراً.. وعرف عنى أصدقائى هذه الصفة، وأنا أتحدى التشاؤم ولا أؤمن به، فأنا أسكن منزلاً يحمل رقم 13، والرقمان الأولان من تليفونى هما 13، وبدأت بناء منزلى بأسوان يوم 13 مارس، وأقسم ملازم كتبى 13 قسماً، وأحتفظ بتمثال للبومة، أضعه أمامى دائماً، وأنا وفى جداً لأصدقائى الأحياء والأموات ووفى لذكرياتي، وكنت شديد التعلق بوالدتي، وعندما كنت أزور أسوان كان أول ما أفعله هو أن انزل من القطار وأهرع الى غرفتها والتصق بها فلما توفيت لم أدخل غرفتها حتى الآن، كيلا أراها فارغة منها، حتى الشوارع التى كنت أغشاها مع صديقى إبراهيم عبد القادر المازنى لم أستطع أن أغشاها بعد مماته، وهذه هى بعض صفاتى التى لا يعرفها الناس عني، وكثيرون لا يعرفون قصة حياتى والمراحل التى مررت بها، حتى أصبحت عباس العقاد، وإليك.. أنا .. كما أعرف نفسى: 
وُلدت فى أسوان يوم 28 يونيو سنة 1886، ولى أخوة أشقاء وغير أشقاء، كان والدى متزوجاً قبل والدتى ثم ماتت زوجته وبعدها تزوج امي، وكبير أشقائى أحمد كان يعمل سكرتيراً لمحكمة أسوان، وعبد اللطيف وهو تاجر، ولى شقيقة واحدة نحبها جميعاً، متزوجة وتعيش فى القاهرة الى جواري، أما إخوتى غير الأشقاء فهم أكبر منى سناً، بعضهم يعيش فى القاهرة، والبعض الآخر بأسوان، وقد بدأت حياتى الأدبية وأنا فى التاسعة من عمري، كانت أول قصيدة نظمتها فى مدح فى العلوم، وتدرجت فى المدارس حتى جئت للقاهرة للكشف الطبى عندما التحقت بإحدى وظائف الحكومة عام 1904، وكان عمرى 15 سنة وكانت وظيفتى فى مديرية قنا، ولم تكن اللوائح تسمح بتثبيتي، لأننى لم أكن قد بلغت سن الرشد ثم نُقلت الى الزقازيق، وكنت أول من كتب فى الصحف يشكو الظلم الواقع على الموظفين، ثم سئمت وظائف الحكومة، وجئت للقاهرة وعملت بالصحافة، وعُينت عضواً بمجلس الفنون والآداب، كما عُينت عضواً بالمجمع اللغوي، وقد تسألوننى عما دفع بى الى حياة الأدب، وأقول إن والدى كان يكتب فى جرائد عبد الله النديم، وقد فتحت عينى لأرى أسرتى كلها تؤمن بالدين، وتناقش الآراء الدينية، وكان من بين زائرينا فى البيت الشيخ الجداوي، كان حجة فى المطارحة التى تعلمتها منه، ونمت عندى موهبة الكناية فى كثرة ما جلست فى المجالس العلمية التى كان أبى يصحبنى اليها، ومنذ ذلك الحين، لا يشغل وقتى إلا القراءة والكتابة. 

لديّ برنامج يومى لا أحيد عنه، أستيقظ فى الخامسة والنصف صباحاً، احلق لحيتى وافطر، واجلس فى هدوء قبل أن أبدأ القراءة أو الكتابة، ثم اكتب ساعتين فى الصباح، وبعدها أتناول غدائى وأنام، ثم أصحو وأشرب قهوتي، وأكتب ساعتين فى المساء، ثم أبدأ القراءة، وقد كنت قديماً أقرأ منذ السادسة مساء إلى السادسة صباحاً، أما الآن فقد «كبرت العظمة» وأقرأ فى كل العلوم والفنون والكيمياء وعلم النفس والزراعة والطب والفلسفة، وعندى دولابان من الكتب التى تبحث فى علم الحشرات التى علمتنى الشيء الكثير، وساعدنى علم الحشرات كثيراً فى كتاباتى التحليلية، ومن الكُتّاب الذين يعجبوننى الشاعر الألمانى غاينى وتوماس هاردى وكارثيل، وأناتول فرانس، وجوركى أديب موهوب لكن كتاباته فى موضوع واحد جعلته محدوداً، وأقرأ لسارتر ولكننى لا أحترمه، وأحب ابن الرومى والمتنبى والمعرى والشريف الرضى، ومن المُحدثين: توفيق الحكيم، وأقرأ النقد الأدبى للدكتور طه حسين، وأقرأ لمحمود تيمور، وأتوقع أن يكون نجيب محفوظ بعد سنتين سيصبح كاتباً عالمياً، وعبد الحليم عبد الله من أحسن كتُابنا فى الأسلوب العربى، واسمى أدب إحسان عبد القدوس بأدب الفراش، وسمعت عن يوسف إدريس ولم أقرأ له بعد، وتصلح بنت الشاطئ مدرسة لا أديبة، وسهير القلماوى مزيج من أديب وعالم، وصوفى عبدالله كاتبة مجيدة وكذلك جاذبية صدقى، ومن الشعراء الجدد أقرأ لنزار قبانى ويعجبنى شعره كثيراً. 

اقرأ أيضًا| العقاد يسأل: من هو حمزة الذي أحبه التلامذة ؟

وقد يسألنى الكثيرون لماذا لم أتزوج؟ وأقول إننى فى شبابى شُغلت بالسياسة كثيراً، حتى جاوزت سن الشباب، وأنا أعتقد أنه يجب ألا يتزوج الرجل بعد سن الأربعين، لكنى مستعد لأن أغير رأيى عندما تنزل علىّ العروس الجميلة التى ترضى بي، وأنا أكره الشيوعية كراهية التحريم، وأعتقد أن الشيوعية مذهب بهيمى حيوانى يُخضِع الروحانيات للماديات، كما أنها إنكار لكل القيم العليا، ومنها العظمة الإنسانية، ولى رأى مخالف للشيوعيين من حيث إنهم يعتقدون أن الجماهير تغير التاريخ، وأؤمن بأن الفرد هو الذى يغير التاريخ، وأؤمن بكل ما يمجد الفردية حتى إذا كان جان بول سارتر، وأمنيتى فى الحياة أن أضع كتابين، أكمل بهما سلسلة بدأتها بكتاب «الله» و«إبليس» وهما كتابان عن الكون والإنسان، وأتمنى أن أظل أقرأ وأكتب ما دمت حياً.

عباس محمود العقاد «المصور» - أكتوبر 1958

 

مديحة يسرى تستعيد ذكرياتها فى حى الغورية 

دفعتنی قدمای إلى حى الغورية بحثاً عن بعض ما يحتاج اليه عملى الفنى، وما كادت قدماى تدخلان هذا الحى حتى عادت الى ذاكرتى بعض حوادث الطفولة والصبا أيام كانت أسرتى تقيم فى شارع الأزهر قريباً من الغورية، وجدت نفسى أقف أمام دكان صغير لبائع «بسبوسة» كان هذا الدكان ذات يوم يضم بين جدرانه ثروة ضخمة، يوم كان يملكه صائغ خصص جزءاً من ثروته لأعمال الرهونات، وكنت أنا إحدى عميلاته الدائمات، كنت فى ذلك الوقت تلميذة بإحدى المدارس الثانوية، وكان والدى قد خصص لى مرتباً شهرياً لا أتجاوزه مهما كانت الأسباب، ولكننى كنت ضعيفة أمام حلى الزينة أنفق عليها كل ما فى حقيبتى حتى لو كان ثمن القوت، وكان والدى قد أهدانى ساعة ذهبية قيمة بمناسبة نجاحى فى الامتحان، وكانت هذه الساعة هى المنقذ الذى يُنقذنى من الورطات والأزمات التى يسببها لى ضعفی أمام حلى الزينة، فكنت كلما تأزمت حالتى المادية أسرعت إلى هذا المحل أقدم لصاحبه الساعة فيقرضنى النقود ثم أعود لاستردادها فى أول الشهر عندما أقبض من والدى مصروفى الشهرى. 

وذات يوم اكتشف والدى الأمر فعنفنى بشدة وذهب إلى الرجل وسدد له الرهن وأخذ الساعة واحتفظ بها حتى يمنعنى من معاودة الرهن، ومنذ ذلك اليوم لم أعرف طريق الرهونات ولم اقترض مليماً واحداً. 

وخطوت بضع خطوات ووقفت أمام دكان آخر كان يشغله من قبل تاجر أقمشة صغير كان رأس ماله لا يزيد على عشرين جنيهاً، وكان يبيع للأسر المعروفة بالحى على نظام التقسيط، وكان يعرف أفراد كل أسرة ويعلم من أسرارها المالية والاجتماعية الكثير، وكان يقبع فى دكانه طوال النهار، منذ الثامنة حتى منتصف الليل لا يتحرك منه مهما حدث. 
ثم جاءت الحرب، وخرج لأول مرة من حى الغورية ذات يوم ليعود فى المساء.. وفى اليوم التالى فوجئ أهالى الحى بإغلاق دكانه لأول مرة فى تاريخه وهو الذى لم يكن يعترف بالإجازات ولا بأيام الراحة.. وبعد شهر فوجئ أهالی الحى بمفاجأة أذهلتهم، فقد جاء صاحب الدكان وتبرع بكل الأقمشة الموجودة فى دكانه إلى إحدى الأسر الفقيرة فى الحى، وسلم مفتاحها لصاحب البيت.. وكان هذا آخر عهده بالحى كله .. وبعد عامين كان اسمه من ألمع الأسماء بين الذوات، وأصبح يمتلك عدة عمارات ضخمة وسيارات فاخرة وقصراً عظيماً فى حى من أرقى أحياء القاهرة، وسر هذا التطور فى حياته يرجع إلى أنه كان رجلاً بعيد النظر عرف كيف يستغل فرصة الحرب لجنى ثروة كبيرة من عمله الجديد كمتعهد توريد أغذية لجنود الجيوش المتحاربة !.

وعلى بعد خطوات من دكانه رأيت بقايا بيت متهدم، وتذكرت هذا البيت، كان بيت أسرة كبيرة من أبرز عائلات حى الغورية، وكان أفرادها من رجال التجارة، وكانت التجارة عملاً يتوارثه الأبناء عن الآباء، وكان رب الأسرة محسناً كبيراً يفتح أبواب بيته فى شهر رمضان وفى المواسم للفقراء، حيث يجدون المأكل والملبس، وكان السرادق الضخم الذى يقيمه فى حوش البيت فى شهر رمضان يسع كل أفراد الحي، حيث يقضون السهرة التى تُختتم دائماً بتناول السحور. 

وسألت عن أفراد الأسرة وكان هناك رجل واقفاً بالقرب من البيت، فمسح دموعه وهو يروى لى مأساة هذا البيت، لقد مات رب الأسرة. وتسلم أولاده ثروته فبددوها عن آخرها على ملذاتهم، وتنكروا لتقاليد الأسرة فأهملوا التجارة وراحوا يرضون نزواتهم حتى جاء يوم ظهرت فيه النتيجة الحتمية لهذا الإسراف وهى الإفلاس، وانهارت تجارتهم وتراكمت الديون عليهم فذهبت عقاراتهم وفاء لهذه الديون!

مسحت دموعى وأنا أعود بذاكرتى للأيام التى كان فيها هذا البيت مقصداً لكل محتاج، وملاذاً لكل فقير. 

مديحة يسرى «الكواكب» -1 مايو 1956

متى تنتهى فوضى الفتاوى الدينية الشاذة التى تخصص فيها هواة الشهرة والفرقعة الإعلامية فليس كل من تعمم مفتياً، بل إن الدين الإسلامى ليس فيه كهانة وبالتالى ليس فيه ما يُعرف برجال الدين، فقد كفل الدين للمسلم حق الاجتهاد، فإن أخطأ فله أجر وإذا أصاب فله أجران.. إلى هذا الحد احترم الإسلام العقل الذى كرم به الله الإنسان والذى من حقه أن يرفض كل ما هو شاذ وغير منطقى من فتاوى كأن ترضع المرأة كل من يعمل عندها من الرجال حتى تصبح محرمة عليهم، وعُرى الزوجين فى غرفة النوم يُبطل الزواج كما يبطله مناداة الزوجين بيا ماما ويا بابا، والمكوجى الذى يكوى ملابس السافرات كافر، وخلع ملابس الأنثى أمام الكلب الذكر حرام، وباروكة الشعر حرام، والصلاة يقطعها المرأة والحمار والكلب الأسود لأنه شيطان فى صورة كلب، ومصافحة المرأة زنا وجلوس المرأة فى بيتها بالمايوه حرام ولعب الأطفال بالدمى النسائية مثل «باربي» حرام لأن ملابس الدمية تُبرِز مفاتن جسدها !

ولست أدرى لماذا لا يُعالج أصحاب هذه الفتاوى من العقد الجنسية التى تحكمهم تجاه المرأة والتى هى محور فتاواهم أين هؤلاء من عظيم عظماء الفكر الإسلامى الإمام محمد عبده الذى لم يمهله العمر ليتم تفسير القرآن الكريم، والذى أنصف المرأة واحترمها من خلال تفسير النصوص الدينية وكان هذا المفكر الإسلامى الفذ مفتياً للديار المصرية منذ مائة سنة وأفتى بأن تعدد الزوجات حرام، وواجه العاصفة التى قامت فى وجهه بالتفسير المستنير والمنطق.. والحمد لله أن العالم تفرغ لسباق العلم والتكنولوجيا وتفرغنا نحن للفتاوى عن النسوان.

 

سليمان بك وأصول الزمن الجميل

جارى العزيز سالم بك القرنفلى 

تحية طيبة وبعد.. نظراً للقيام بعمل مضيفة جديدة فى حديقة السراية، نخطركم بأنه سيكون هناك بعض الضوضاء بدءاً من الساعة الثانية عشرة ظهراً حتى الساعة الواحدة والنصف، ونأسف شديد الأسف لإزعاجكم،

وأحيطكم علما بأن الأعمال لن تستغرق أكثر من ثلاثة أيام، ونكرر الأسف على ما سيحدث خلالها من أصوات ربما تزعجكم بسبب عمليات الإنشاء.. ويسعدنى بعد الانتهاء من إنشاء المضيفة أن ندعوكم والأسرة الكريمة لحفل شواء فى الحديقة يوم الجمعة القادمة بأمر الله تعالى،

للاحتفال بانتهاء تصوير فيلم «الزوجة السابعة» مع أبطال وبطلات الفيلم وفى مقدمتهم: المطرب الظريف المحبوب محمد فوزى والنجمة الشابة مارى كوينى، والصديق العزيز أبو دم خفيف الفنان إسماعيل ياسين، وأعتقد أنها ستكون فرصة طيبة ولطيفة للقاء طيب وجميل، خاصة وأن الطقس عليل هذه الأيام، ونشكركم على تفهمكم، والسلام ختام.

سليمان نجيب 

 

الولد الشقى يعترف أنه «حمقرى» !

زمان كان مدرس الحساب يعتقد أننى «حمار» وكنت أعتقد أننى «عبقرى»، وبعد فترة طويلة من الزمن اكتشفت أن المدرس كان على خطأ، واكتشفت أيضاً أن العبد لله لم يكن على صواب، فلا أنا عبقرى ولا أنا حمار.. أنا مزيج من الاثنين العبقرى والحمار.. انا «حمقرى» !

ولأننى «حمقرى» فقد كنت أظن أن كل رجل ضاحك رجل هلاس.

ولأننى حمقرى كنت أرفع شعارا حمقريا «أنا أضحك إذاً أنا سعيد»! وبعد فترة طويلة من الزمن اكتشفت أن العكس هو الصحيح !

اكتشفت أن كل رجل ضاحك هو رجل بائس، ومقابل كل ضحكة تفرقع على لسانه تفرقع مأساة داخل أحشائه !.. ومقابل كل ابتسامة على شفتيه تنحدر دمعة داخل قلبه!

واكتشفت أن الحزن رفيق الإنسان، ولكن هناك حزن «هلفوت» وهناك أيضاً حزن مُقدس، وصاحب الحزن «الهلفوت» يحمله على رأسه ويدور به على الناس، التقطيبة على الجبين والرعشة فى أرنبة الأنف، ولكن الحزن المُقدس حزن عظيم نتيجة هموم عظيمة.. والهموم العظيمة لا تسكن إلا نفوساً أعظم. 

محمود السعدنى من كتاب «المضحكون»

 

أحمد حسنين باشا

بقلم: كامل الشناوى

 

أغمض الموت عينى الرجل الذى ظل حياته ساهراً لم ينم، لكنه طوى صفحة عمره، وهكذا يطوى الموت صفحات الناس، وقليل من الأبطال من أتُيح لهم مثل ما أتُيح له، لأن بطولة أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكى كانت مثل نفسه، ففى كل ميدان أحرز نصراً وبقدر ما أثارته أعماله من الضجة والدوى بقدر ما كان هادئاً، زاهداً، فقنع من المجد بالشرف، ومن الغنى بالصيت، ومن المال بالديون وخرج من سلطان المنصب بالعفة والعدالة ! 

كان أحمد حسنين دقيقاً، رقيقاً ليس فى مظهره ما ينم على بطولاته وأمجاده، فإذا اختلطت به ألفيت نفسك حيال أسطورة تسللت من خيال شاعر وتمثلت أمامك بطلاً !

أرأيت المفتاح الصغير متصلاً بسلك رفيع ؟.. إنه ليس شيئاً إذا اكتفيت بالنظر إليه، إن السر فى التيار الخفى الكامن فيه، فإذا لمسته انبثق النور فوراً وأدركت فى الحال مغزاه ! كذلك كان أحمد حسنين تراه فلا تكاد تحس عبقريته، وقوته الكامنة فإذا لمسته انبثقت الأضواء، وارتفعت الأصوات، وتحركت السيارة وانطلقت القذيفة : وحلقت الطائرة ! 
فى كل ميدان كان له بطولة : فى الرياضة، فى العلم، فى التصوف، فى الرحلات، فى الأدب، فى السياسة، وفى كل مرحلة من مراحل جهاده ونشاطه كان المجد وكان هو يذوب يتعقب خطأه، من المجد حياء!..

عمل وجاهد وذاق العذاب بل لقد ركب الموت، ركبه طياراً، ورحالة، وسياسياً، وُلد غنياً ومات فقيراً، مات صاحب مقام رفیع، وصاحب ديون كبيرة !.. فقال المنصفون: لقد غلب حتى نفسه ! وقال الظالمون: ما أضعفه لقد عجز عن أن يجلب لنفسه ثروة وتلك مكانته!.

كان أحمد حسنين وطنياً، ولم تكن الوطنية طارئة عليه فيزهو بها، ولكن كانت غريزة فيه ويعمل بوحيها، وبدافع منها وقلما كان يباهى بعمل، فإذا الناس يعملون إنما يؤدون واجبهم، وكل ما يقتضيه الوطن فهو واجب، حتى الفقر! حتى الموت! 

ولم تكن الصلابة أبرز صفاته ولكن إيمانه بما يعتقد أنه الحق.

كان صلباً عنيداً، وحين انتهى جهاده بإخراج «لورد كلیرن» من مصر قال أقرب الناس منه: لقد انتصرت أخيراً صلابة أحمد حسنين باشا، والواقع أن إيمانه هو الذى انتصر، فقد كان مؤمناً بأن هذا الرجل داس كرامة البلاد، ومزق استقلالها، إذ وطئت دباباته حرم قصر عابدين، وفرض على المليك بقوة الحديد والنار رئيس حكومة بالذات! 

ومنذ ذلك اليوم وحسنين باشا يؤمن بأن إخراج هذا الرجل من مصر يجب أن يكون، وقد كان! ومنذ ذلك اليوم لم يعد لحسنين باشا من أمنية إلا أن يعيش حتى يرى خروج أول جندى بريطانى وآخر جندی بريطانى من مصر.. وقد حقق الله نصف أمنيته فرأی بعينيه أول جندى بريطاني، رأى اللورد «كليرن» وهو يخرج من مصر، وسيتحقق النصف الآخر من أمنية حسنين باشا فترضى نفوسنا، وترضى نفسه فى مقرها الأخير.

كان حسنين باشا مثال التضحية فى حياته، ضحى بماله وشبابه فى سبیل هواياته الرفيعة السامية.

وضحى بصحته فى سبيل مجد بلاده، ومات قتيلاً وكان ضحية بعد موته لأنه لم يكن قطباً لحزب، ولم يشترِ الناس بجاه منصبه، ولهذا خلت حفلات تأبینه من الأشخاص وازدحمت بالمعاني، وسيمر الكثيرون على ذكرى وفاته، فليس الكثيرون هم الأوفياء ! ويا أيها الرجل.. كل ماضٍ إلى فناء، وكل ذكرى إلى نسيان، وكل نارٍ إلى رماد، لكنك ستظل باقياً فى قلبي، والنسيان لا يقوى عليك فى خاطري، ونار حزنى عليك لا يطفئها شيء حتى البكاء! 

«آخر ساعة» - 20 فبراير 1947 

 

يا اللى كان يشجيك أنينى.. كل ما أشكى لك أسايا.. كان منايا يطول حنينى.. للبكا وأنت معايا 

أحمد رامى