فواصل

فرصة لا تعوض

اسامة عجاج
اسامة عجاج


صدقًا، لقد زاد تفاؤلى، بعد أن استمعت إلى كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسى فى قمة بغداد الأخيرة، والتى مثلت عودة بالأمور فى المنطقة إلى مسارها الصحيح، بعد اللغط الذى أثارته جولة الرئيس الأمريكى رونالد ترامب الخليجية، وشهدت أربع قمم مع قادة السعودية وقطر والإمارات، والأخيرة ضمت كل قادة الخليج الستة، ولعل أهم ما جاء فى كلمة الرئيس السيسى أمران، الأول تأكيده إلى أن استقرار المنطقة وخروجها من دوامة العنف، مرتبط بضرورة إنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو ١٩٦٧ وعاصمتها القدس، والأمر الثانى وهو على نفس الأهمية، وقد يزيد، والذى مثل رسالة لمن يهمه الأمر، فى عواصم وجهات مختلفة، وهو قطع الطريق أمام رؤية قاصرة، بالتركيز على مسألة التطبيع بين العرب وإسرائيل، وإعطائها أولوية قصوى، بعيدًا عن جوهو الصراع فى المنطقة، وهو التوافق الدولى على حل الدولتين. 
ولا أريد السباحة عكس التيار، ولا التغريد خارج السرب، وقد يختلف معى الكثيرون، عندما أرى أن ثمة إيجابيات عديدة فى جولة ترامب الخليجية، فى ضوء عدد من الحقائق الغائبة، منها أن دول الخليج قد تغيرت كثيرًا، بعد أن انتقلت القيادة من الأجداد إلى الأحفاد، وانخفضت معدلات أعمارهم إلى الثلاثينات، مع الاعتماد على نخب مثقفة، نالت شهادتها من أرقى جامعات العالم، والاستفادة من استشارات، على أعلى مستوى فى كافة المجالات، ومنها - ثانيًا - الإعلان من جهة الرئيس ترامب عن التريليونات الأربعة، هى ليست (هبات لا ترد)، ولا مساعدات، ولكنها استثمارات خليجية فى أمريكا، تعود بالنفع على الطرفين، خاصة وأنها فى مجالات علوم المستقبل، الذكاء الاصطناعى وصناعة السيارات الكهربائية، مع الحرص على توطين الصناعة، وتعزير القدرات العسكرية لبقية دول الخليج، ويكفى الدور الأمريكى فى تطوير البرنامج النووى السعودى، وتخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، كما أن الاستثمارات المشتركة فى اتجاهين، ففى العام الماضى فقط، تم ضخ ١٥ مليار دولار استثمارات أمريكية مباشرة فى السعودية، ومنها - ثالثًا - انعكاس كل ما سبق، لترسيخ الوجود الخليجى فى إطار خرائط المنطقة الجديدة، التى يتم الإعداد لها ورسمها، وقدرتها على توظيف استثماراتها المالية، فى دفع واشنطن، إلى اتخاذ مواقف تخدم قضايا عربية فى المستقبل القريب. 
وقد ظهر هذا بوضوح، فى التغيير الكبير فى موقف واشنطن من الوضع فى سوريا، حيث نجح ولى العهد السعودى محمد بن سلمان، فى عقد لقاء بين الرئيس ترامب مع أحمد الشرع، وهو اللقاء الأول على هذا المستوى، بعد ربع قرن، حيث التقى حافظ الأسد مع نظيره الأمريكى كلينتون عام ٢٠٠٠ فى جنيف، وبهذا اللقاء انتهت الخلافات داخل فريق ترامب، حول آلية التعامل مع النظام الجديد فى سوريا، بين تيارين، الأول يمثله بعض النافذين فى الإدارة، ويطالب بمنع أى تواصل معه، يتحدث عن أحمد الشرع من منظور (من كان جهاديًا سيظل جهاديًا)، والتيار الثانى، يدعو إلى التعامل مع الحقائق على الأرض، والتعاطى مع القيادة الجديدة، باعتبار أن حقائق الجغرافيا والتاريخ، تمنع من الغياب الأمريكى عن بلد بحجم ودور سوريا، ووضع ثمانية شروط لرفع العقوبات، منها مراقبة وجود الأسلحة الكيميائية السورية، وإبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب الرئيسية فى الجيش، وحل معضلة الأقليات، وجاء ترامب ليتجاوز الجميع، بالإعلان عن رفع العقوبات بشكل فورى، وعلى نفس المستوى، دعونا نشير إلى أن التحالف الجديد، أثمر فى زيادة ضغوط الإدارة الأمريكية على إسرائيل، فى موافقتها على استئناف دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، فى إطار السعى إلى صفقة متكاملة لوقف الحرب.
وفى ضوء كل ما سبق، أجد أن المنطقة العربية أمام لحظة فارقة، وفرصة يجب ألا تضيع، بتحقيق رؤية الرئيس السيسى حول ضرورة تحقيق حل الدولتين، بتوافق عربى كامل، تمت الإشارة إليه فى إعلان بغداد،  والذى استجاب لطلب الرئيس الفلسطينى محمود عباس، بالسعى إلى عقد مؤتمر دولى، واتخاذ خطوات لا رجعة فيها، لتنفيذ حل الدولتين، وفق مبادرة السلام العربية، وقرارات الشرعية الدولية، مع تبنى السعودية منذ سبتمبر من العام الماضى، لتحرك دولى فى هذا الاتجاه، والذى أثمر عدة مؤتمرات آخرها سيكون فى الفترة من ١٧ إلى ٢٠ يونيو القادم  فى نيويورك، بالتنسيق مع فرنسا، وهذا يفسر تصريح ماكرون فى أبريل الماضى، أن بلاده قد تعترف بالدولة الفلسطينية، والأمر يحتاج إلى مزيد من الجهد، واستثمار العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن ودول الخليج، بالذهاب إلى هذا الاتجاه، وقد يغيب عن البعض أنه سبق لترامب فى سبتمبر ٢٠١٨ أثناء ترؤسه لجلسة فى مجلس الأمن، أن ألمح لذلك وقال، يومها (أعتقد أن أفضل خيار للفلسطينيين والإسرائيليين هو حل الدولتين)، ولكن إدارته اشترطت موافقة الطرفين على ذلك، خاصة وأن هناك حوارًا بالفعل بين الجانب العربى والأمريكى، بدأ منذ  فبراير الماضى، أعقاب الاجتماع الذى تم بين وزراء خارجية الدول العربية الست مصر والسعودية والإمارات وقطر والأردن وممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية، والأمين العام للجامعة العربية، وكان الحوار الأهم فى الاجتماع الذى استضافته العاصمة القطرية الدوحة مع  المبعوث الأمريكى للشرق الأوسط ستيف ويتكوف مع نفس المجموعة، حيث تم الاتفاق على إطلاق جهد حقيقى لتحقيق السلام العادل والشامل على أساس حل الدولتين، بما يضمن تحقيق تطلعات الشعب الفلسطينى فى الحرية والعدالة، وتم تبنيه فى البيان الختامى للقمة العربية بالقاهرة فى مارس الماضى، والتى فتحت الطريق أمام تكثيف التعاون مع القوى الدولية والإقليمية بما فى ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل تحقيق السلام الشامل والعادل، وإنهاء كافة الصراعات فى المنطقة، والانخراط الفورى مع الجميع، لاستئناف مفاوضات السلام، لتحقيق ذلك.     
هل أبدو حالمًا أكثر من اللازم، قد يبدو الأمر كذلك، ولكنى على ثقة أننا كعرب، نستطيع اغتنام هذه الفرصة، فى ظل مجتمع دولى، تزداد قناعته يومًا بعد يوم، بأن الطريق إلى السلام، يمر عبر قيام الدولة الفلسطينية.