د. جليلة القاضى
كان جمال الغيطانى فى باريس عام 2002، لفت نظره اثناء توقفه أمام فاترينة مكتبة ابن سيناء الواقعة فى محيط معهد العالم العربي، بالحى الخامس بالعاصمة الفرنسية، غلاف أزرق لكتاب باللغة الفرنسية بعنوان «مدينة الموتى بالقاهرة»، لمؤلفين، أحدهما مصرية والآخر فرنسي.
اشترى الغيطانى الكتاب مباشرة على الرغم من عدم اجادته للغة الفرنسية إلا أنه قرر أن يستعين بزوجته الصحفية ماجدة الجندي، خريجة ليسيه الحرية بباب اللوق، لمعاونته على فهم المضمون.
هكذا تم أول تعارف بين كاتبنا الكبير وبيني، دون أن نلتقي، فقد كنت أحد مؤلفى الكتاب، من جانبى كنت بالطبع أعرفه حق المعرفة، فقد كان أديبى المفضل، العارف بالمدينة ومقريزى أو جبرتى العصر الحديث، المتصوف المبدع عاشق القاهرة والمدافع عن تراثها.
لم يكتف الغيطانى باقتناء الكتاب، بل سأل عني، وعرف أننى ابنة أخ أحد أصدقائه، الكاتب الصحفى فاروق القاضى ادام الله فى عمره، فدعانى عن طريق محمد شعير للحديث عن كتابى فى برنامج «تجليات مصرية» الذى كان يقدمه على قناة دريم الفضائية. تناول حديثنا جبانات القاهرة التاريخية والتحديات التى تواجهها والمخاطر التى تهددها.
كانت التصريحات الخاصة بضرورة إزالتها والتى أطلقها وزير الإسكان الراحل حسب الله الكفراوى عام 1989، قد هدأت أو لنقل دخلت فى طى النسيان، مؤقتا.
كما لم يكن مخطط القاهرة خمسين الذى نشر عام 2009، ويتبنى إزالة المنطقة بالكامل، قد ظهر للوجود بعد. لذا تركز الحديث على الكنوز التى تحويها الجبانات وتركها فى حالة من الإهمال الشديد، وزحف الجزر السكانية على المدافن؛ والقى جمال الغيطانى بشكل خاص الضوء على الفصول التى تناولت أضرحة آل البيت جنوب ضريح الامام الشافعي، وفى شارع الخليفة المؤدى إلى جامع السيدة نفيسة، وأيضا مناطق مدافن الصحابة وأولياء الله الصالحين وأضرحة المتصوفة فى القرافتين الكبرى والصغرى، حيث تضمان معا، أضرحة ثلاث من الأربعة متصوفة الكبار عند المسلمين: ضريح عمر ابن الفارض «سلطان العشاق» المتصوف الشاعر وعلى مقربة منه فى جبانة الإباجية، قبر ابن عطاء الله السكندرى صاحب «الحكم العطائية»، يحوط بهم ضريح المقرئ العظيم الأمام الشاطبي، والمجموعة الجنائزية الخاصة بالسادات الوفائية، وهى محاطة بعدد من مدافن الشاذلية. أما ثالث المتصوفة، ذو النون المصري، فضريحه يقع فى رحاب ضريح الأمام الليثى فى القرافة الصغرى بجانب رابعة العدوية والصحابى بن عقبة.
وجود كم كبير من الاضرحة والمقامات للمتصوفة والمشايخ والقضاة وأيضا الفقهاء والشيوخ وأولياء الله يضفى على القرافة قيما روحية ومعنوية كبرى تضاف إلى القيم التاريخية والمعمارية والرمزية؛ لا يقدرها أو يشعر بها سوى شخص فى قيمة جمال الغيطانى بإحساسه الراقى ونزعته التصوفية وتجلياته ومعارفه الغزيرة عن المدينة وتراثها ومسالكها ودروبها ومن عاش فيها ومن مات فيها ودفن فى جباناتها العريقة.
ثم توطدت علاقتى بالأستاذ جمال، كما كنت أناديه، عندما اختارنى كعضوة فى مجلس أمناء مكتبة القاهرة الكبرى التى ضمت الراحل حسام إسماعيل وشهيرة محرز وأمنية عبد البر ودليلة الكردانى وهالة غنام. وكانت فترة توليه لرئاسة الأمانة من أزهى فترات المكتبة حيث عقدنا الندوات والمعارض وأطلقنا خلالها حملة لإنقاذ تراث القاهرة التاريخية بالتعاون مع جريدة أخبار اليوم إثر عمليات الهدم الواسعة التى طالت قاهرة المعز أثناء ثورة يناير وغياب الأمن وسيطرة مافيا المضاربين العقاريين على كل ربوع المحروسة.
كان الأستاذ جمال مدافعا عتيدا عن التراث المعمارى واللامادى وكنا نعتبره وبحق حارسا له، ومعرفا به، ولم يكن لأحد أن يستجرى فى حياته استباحة تراثنا بالشكل الذى يحدث اليوم.
ما زال الأستاذ جمال حيا يعيش فى قلوبنا ونتذكره مع كل طلعة بلدوزر، وكل مدفن يدنس، وكل حائط يدمر، وتدهس حجارته ويساوى بالأرض، وكل وفاة ثانية لرمز من رموزنا الوطنية ورواد نهضتنا الثقافية والعلمية مع إزاله مدفنه ونقل رفاته إلى مكان لم يختره. نتذكرك يا جيمي، ونقول لو كنت عايش ما كانش حصل كده.
ربما هناك حكمة فى مغادرتك لعالمنا مبكرا، حتى لا تموت قهرا وغما لما يجرى بالفعل فى أرض الوادي، تنبأت بالكثير منه فى رواياتك وقصصك القصيرة، لكن الواقع أكثر شططا وعبثية وعنفا، فاق خيالك.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







