جمال الغيطانى عاشق التاريخ

جمال الغيطانى
جمال الغيطانى


د. محمد عفيفى

لا يختلف أحد على مكانة جمال الغيطانى فى الأدب والفكر المصرى منذ نهاية الستينيات من القرن الماضى وحتى الآن وبالقطع لن أستطيع فى مثل هذا المقال التعرض لكل مظاهر حضور الغيطانى فى الصحافة والأدب والإعلام طيلة هذه الفترة، وسيقتصر حديثى على مكانة التاريخ عند الغيطاني.




بدأ تعرفى على الغيطانى فى حقيقة الأمر من خلال التاريخ، وعلى وجه الخصوص مع صدور روايته الشهيرة «الزينى بركات»، وما لفت نظرى من توظيفه للتاريخ فى الأدب خاصةً فى مجال الرواية.

فبدايةً لا يدعى الغيطانى أنه «مؤرخ» وأنه يقدم التاريخ فى وعاء أدبي، وأنه على القارئ أن يستقى التاريخ من رواياته، كما يدعى بعض كُتاب الرواية «التاريخية» الآن. فعلى العكس من كل ذلك يلعب الغيطانى على المسكوت عنه، أو ما تم تهميشه فى التاريخ، فعندما يختار الغيطانى الحديث عن الزينى بركات، فإنه فى حقيقة الأمر يتحدث عن شخصية ليست هى الشخصية المحورية فى ذلك العصر، كما أن التاريخ لم يتحدث عنها كثيرًا.

من هنا يتمثل إبداع الغيطانى فى الارتكاز على التاريخ لخلق مساحات واسعة من «التخييل التاريخي»؛ إذ يدرك جيدًا أن الرواية ليست كتابًا للتاريخ، لأنها لو أصبحت كذلك لفقدت حيويتها، وأصبحت رتيبة، بل ومملة.

كما يلعب الغيطانى جيدًا على مسألة الإسقاط على الحاضر، لأنه يدرك أنه يكتب رواياته فى القرن العشرين، حتى لو كانت أحداثها تدور فى مطلع القرن السادس عشر.

ولقد أثبتت دراسات تيار التاريخ الجديد أنه حتى بالنسبة لباحث التاريخ الذى يكتب عن تاريخ عصور سابقة، فإنه، بشكل إرادى أو لا إرادي، يكون الحاضر «حاضراً» بقوة فى الحديث عن الماضي. لذلك ربط البعض بين رواية الزينى بركات، وبين نموذج «الدولة البوليسية» ومعاناة المفكر والسياسى من ذلك.

ومن ناحية أخرى لا ينبغى إهمال البُعد الإنسانى فى مثل هذه الأعمال، فإذا صح أن الغيطانى يتحدث عن سطوة نموذج «الدولة البوليسية»، فإنه يمكن تصور أن لذلك بُعدًا إنسانيًا عامًا يشمل كل الأماكن والأزمنة، وليس إسقاطًا على عصر معين.

من هنا يمكننا القول إن روايات الغيطانى التى توصف بأنها «تاريخية» لم يكن القصد منها أن يدعى الغيطانى أنه مؤرخ، وأن يلبس عباءة الكهنوت التاريخي، بل بعث رسالة ما من خلال هذا العمل، وأيضًا تشجيع القارئ على العودة إلى المصادر التاريخية لهذا العصر.

لم يكتفِّ الغيطانى برواياته «التاريخية» من أجل توصيل رسائله «التاريخية» و«الإنسانية»، بل أدرك مبكرًا أهمية دور الإعلام وتأثيره فى تشكيل وعى الرأى العام. لذلك قدم الغيطانى العديد من البرامج التليفزيونية التى تهتم بعمارة المكان وتاريخ الزمان.

وحرص الغيطانى من خلال برامجه على تقديم المادة التاريخية بشكل مُبَسَّط وشيِّق، ولفت انتباه المشاهد إلى أهمية العمارة التاريخية، وأنها بمثابة «نص تاريخي»، وبيان مفاتيح قراءة هذا النص.

وكان هدف الغيطانى من وراء ذلك محاولة محو «الأمية التاريخية» لدى قطاع عريض من الجمهور المصرى والعربي، من خلال توسيع دائرة الثقافة التاريخية فى لحظات صعبة ومهمة تمر بها مصر والمنطقة العربية.

هنا لا بُد من وقفة مع التيار الفكرى الذى يمثله جمال الغيطانى ومحورية التاريخ لدى هذا التيار؛ إذ ينتمى الغيطانى إلى تيار الفكر القومى المصري، ولكن الطبعة الجديدة منه التى تتصالح إلى حدٍ كبير مع الفكر القومى العربي، بل وتكاد تكون جزءًا منه. وعندما نبحث فى مسألة الجذور، وأثر ذلك فى تشكيل الوعى القومى التاريخى لدى الغيطاني، لا بُد من تذَكُر انتمائه، بل وميلاده فى صعيد مصر، والصعيد خزانة التراث المصري؛ إذ ولد الغيطانى فى جهينة والتى تمثل فى الوقت نفسه التواصل بين التراث المصرى القديم والوافد العربى الجديد، ولعل هذا بالإضافة إلى المد القومى العربى فى فترة الخمسينيات والستينيات، أدى إلى حالة التصالح لدى الغيطانى بين انتمائه إلى الفكر القومى المصري، والتيار العروبي، واللجوء إلى التاريخ لتأكيد ذلك.

ولا نستطيع تفهم «الحالة الغيطانية» إلا بتتبع مسيرة الغيطانى وانتقاله مع الأسرة للإقامة فى القاهرة التاريخية، فى حى الجمالية، وهنا يتشابه الغيطانى مع أستاذه نجيب محفوظ فى قضاء فترة الطفولة فى هذا الحي، حيث العمارة والتاريخ، ومجد القاهرة الإسلامية. ويتشابه الاثنان فى الانتماء إلى الفكر القومى المصري، مع تباين السياق التاريخى لكل منهما؛ فبينما يبدأ محفوظ كتاباته بما عُرف بالفترة «الفرعونية» فى أدب محفوظ، يبدأ الغيطانى بانحياز إلى الفترة المملوكية فى تاريخ مصر، وإن عاد محفوظ بعد ذلك إلى القاهرة التاريخية عبر ثلاثيته وخان الخليلى وزقاق المدق.

وربما يرجع ذلك إلى السياق التاريخى الذى شبّ فيه كلاهما؛ إذ شبّ محفوظ فى أعقاب ثورة 19 وعلو المد القومى المصرى وتأسيس المملكة المصرية، واكتشاف مقبرة توت عنخ أمون.

بينما شبّ الغيطانى فى سنوات الخمسينيات وعلو المد العروبي، وسنوات الصراع العربى الإسرائيلي. من هنا يأتى التصالح بين الفكرة المصرية والفكرة العربية لدى الغيطاني، لذلك سيولى الغيطانى اهتمامًا خاصًا بالعصر المملوكي، نظرًا لأهمية هذا العصر لدى التيار القومى المصري، لأنه العصر الأخير لـ«مصر المستقلة» من وجهة نظر هذا التيار، حيث دولة سلاطين المماليك التى تمتد من مصر إلى بلاد الشام والحجاز واليمن، وعاصمتها القاهرة. ويرصد الغيطاني، والتيار القومى المصرى وأهمهم فى هذا المجال حسين فوزى فى «سندباد مصري»، زوال هذا «الاستقلال» مع «الغزو»/ «الفتح» العثماني، وتحول مصر إلى ولاية عثمانية. ربما من هنا يأتى ربط هذا التيار والغيطاني، لزوال استقلال مصر مع نهاية المماليك، ثم الإشادة بعصر محمد عليّ وعودة مصر المستقلة، بل والربط بين تجربة محمد عليّ وجمال عبد الناصر.

من ناحية ثانية يمثل العصر المملوكى نقطة التقاء لدى الغيطانى بين الفكر القومى المصرى «مصر المستقلة»، وبين التيار العروبي، حيث القاهرة فى ذلك العصر كما يصفها ابن خلدون، والذى عاش فى مصر آنذاك، بأنها: إيوان العالم وحاضرة الإسلام. وهى التى دافعت عن «العروبة» ضد التتار والصليبيين.

وهنا أتذكر لقائى مع الغيطانى فى برنامج يدور حول التاريخ كان يقدمه فى قناة النيل للأخبار، كان الغيطانى يوجه لى الأسئلة حول العصرين المملوكى والعثمانى فى مصر، وكانت إجابتى أن لكل عصر تاريخى إيجابيات وسلبيات، وأنه ليس هناك قداسة لعصرٍ ما، ورحت أسرد بعض إيجابيات الفترة العثمانية فى مصر، وأشهد أن الغيطانى لم يقاطعنى أثناء الحديث، وترك لى المجال لشرح وجهة نظري، بينما فى الفواصل كان يناقشنى بحمية حول هذه الآراء، ويدافع عن محبوبه «العصر المملوكي»، ولكن بأدب الحوار. وسألته لماذا لا يطرح ذلك أثناء البث الحيّ؟ وهنا تلقيت من الغيطانى درسًا مهمًا: «أنت يا دكتور عفيفى ضيفى فى البرنامج ومهمتى أن أجعلك تطرح وجهة نظرك، لا أن أطغى أنا على الحوار».  يا ليت مقدمى البرامج الآن يعون هذا الدرس المهم.

الأمر الآخر الذى يحضرنى من ذكرياتى مع جمال الغيطاني، وخاصةً فيما يتعلق منها بالتاريخ، هو دوره الغيطانى فى صناعة الوثيقة المعروفة إعلاميًا بوثيقة الأزهر الأولى. ويعود ذلك إلى الفترة الصعبة التى مرت بها مصر فى أعقاب ثورة 25 يناير 2011، والصعود الكبير لنجم جماعة الإخوان المسلمين، وحالة التوجس التى سادت قطاعات عريضة من المجتمع المصرى من أحلام بعض الجماعات السلفية فى تحويل مصر إلى أفغانستان أخرى.

فى ظل هذه الأجواء المضطربة هاتفنى جمال الغيطانى متحدثًا معى عن الحالة التى وصلت إليها مصر آنذاك واصفًا إياها بأنها حالة «ضد التاريخ».

ورأى الغيطانى أنه فى أوقات الأزمات لا بُد من تجاوز الخلافات بين شتى القوى السياسية، ومختلف التيارات الفكرية المدنية من أجل مواجهة الحالة التى وصلت إليها مصر.

وراح الغيطانى يستفيض فى شرح وجهة نظره، مؤكدًا على أن الأزهر يمثل الوسطية فى الإسلام، وأنه إحدى أهم المؤسسات التاريخية فى الحضارة المصرية، بل والإسلامية. وكان من رأيه أنه فى الأوقات الصعبة يلعب الأزهر دورًا وطنيًا ملحوظًا فى الحفاظ على الهوية المصرية.

وأخبرنى أنه من خلال علاقته الوثيقة بالشيخ الطيب، شيخ الأزهر، ومع بعض المستنيرين من علماء الأزهر تم الاتفاق على الانفتاح على التيارات السياسية والفكرية المدنية، وعقد اجتماعات مشتركة فى رحاب الأزهر من أجل وضع خارطة طريق، قد تتطور إلى إعلان مبادئ، أو وثيقة حاكمة لتطور الأوضاع القادمة، مادام لم يوضع دستور حتى وقته.

وصرح الغيطانى بأنه تم ترشيح عدد محدود من الشخصيات العامة للمشاركة فى هذه الاجتماعات، وأن هناك حرصًا شديدًا على تمثيل مختلف ألوان الطيف السياسى والثقافى المصري، وكذلك مراعاة مسألة الأجيال.

وبالفعل كان فى استقبال المشاركين على باب مشيخة الأزهر ومعه الدكتور العزب الأستاذ بجامعة الأزهر، وترأس شيخ الأزهر الاجتماعات. وكان من اللافت للنظر حسن اختيار المشاركين، فقد وجدت من بينهم الناصريين والوفديين وبعض قدامى الشيوعيين، والمسلمين والمسيحيين، والرجال والنساء، والشيوخ والشباب نسبيًا، والسياسيين والمثقفين.

وإذا لم تخُنى ذاكرتى حضر معنا الغيطانى الاجتماعات الأولى، ثم أعلن أنه مسافر إلى أمريكا لاستكمال العلاج، وأيضًا لمتابعة مرض زوجته الصحفية الكبيرة ماجدة الجندي، على أمل أن يلحق بنا فى الجلسات الأخيرة، وهو ما حدث بالفعل.


ما يهمنا فى هذا الموقف هو القراءة الواعية للتاريخ لدى جمال الغيطاني؛ إذ أدرك مبكرًا، بعد ثورة 25 يناير، صعوبة ومخاطر ما تمر به الأمم أثناء الفترة الانتقالية. من هنا رؤية الغيطانى بضرورة حدوث «تجمع» كبير من مختلف القوى السياسية والتيارات الفكرية من أجل عبور الفترة الانتقالية.

ومن قراءة التاريخ يدرك الغيطانى مدى خطورة صعود جماعات الإسلام السياسي، ذات الخطاب المضاد لحركة التاريخ. كما يؤمن الغيطانى ابن القومية المصرية، ببُعدها العربي، وعاشق التصوف، المكانة الخاصة لمؤسسة الأزهر فى التاريخ المصرى والعربى والإسلامي، من هنا خطوته المهمة، بالاشتراك مع آخرين، فى محاولة لعودة مصر إلى مسارها التاريخى المعتاد.
تحية للغيطانى عاشق التاريخ.