د. رشا الفوال
دراسة وتحليل الشخصيات الروائية من أهم موضوعات منهج النقد النفسي؛ ربما لأن شخصية الإنسان المعاصر تتسم بالاضطرابات النفسية فى ظل الأزمات المجتمعية الضاغطة وسيادة الأعراف القاسية التى تؤثر فى الاتزان الانفعالى للإنسان، وسعادته ومدى رضاه عن حياته، إضافة إلى أن فكرة رصد صورة شخصية المرأة العاملة فى الرواية عملية بالغة التعقيد؛ لأن النص الأدبى يقوم بوصف الشخصيات (دلاليًا) عبر الأحداث والمظهر الخارجي، إضافة إلى أن مفهوم(الشخصية) يُعد واحدًا من أكثر المفاهيم تعقيدًا، ربما لأن الشخصية تنظيم دينامى داخل الإنسان يشمل(الإدراك) و(النزوع) و(الإنفعال) و(المعرفة) و(الدافعية)، وله قدر كبير من الثبات، ذلك الثبات الذى يحدد طريقة الفرد فى الاستجابة للمواقف. فإذا اعتبرنا أن النفس التى تتلقى الحياة لتصنع الأدب، هى النفس التى تتلقىَّ الأدب لتصنع الحياة؛ فإشكالية القراءة الحالية تتمثل فى محاولة الإجابة عن التساؤل الآتي كيف عبرت الروايات العربية المعاصرة عن صورة شخصية المرأة العاملة؟
والإجابة عن هذا التساؤل محكومة بخطاب التلقي؛ فالنص يُعتبر قناة لتمرير اللغة والأفكار التى عبر عنها الكُتاب من خلال الأبعاد التى شكلتها الثقافة (العادات، التقاليد، الأعراف) والتى تمثل تراكمًا معرفيًا ومجتعيًا.
والمحاور التى تناولناها بالدراسة والتحليل هى: صورة شخصية المرأة العاملة وثنائية الاستلاب - الاغتراب. وصورة شخصية المرأة العاملة والمسايرة الآلية لقواعد المجتمع.
الاستلاب الاقتصادى
ترصد لنا رواية: «تاريخ آخر للحزن» (2020م، ميريت للنشر والتوزيع) للكاتب المصري: أحمد صبرى أبو الفتوح التحولات السياسية التى شهدها المجتمع المصري، والتى أدت إلى تحولات اقتصادية واجتماعية كان لها تأثيرات كبيرة على سمات الشخصية المصرية، اعتمدت أحداث الرواية على رصد الكيفية التى يتحدد بها الطابع الإجتماعى للشخصيات فى ضوء الظروف الإقتصادية والسياسية، مع ملاحظة ان الاستلاب الجنسى متصل بالاستلاب الاقتصادى والتفاوت الطبقى فى المجتمع بداية من فشل ثورة: عرابى ودخول الإنجليز، لينتقل بنا الحكى إلى جدل (العبد/ السيد) فى مصر عمومًا وفى قرية: نوسا البحر التابعة لمركز المنصورة بشكل خاص.
الكاتب عرج بنا على (المجتمع الإقطاعي) الذى اتسمت شخصيات السادة فيه بالجمود والتحجر على العادات التى يسود فيها الإيمان المفرط بالسلطة، من خلال الشخصية المحورية فى الرواية والراوية العليمة الخادمة: معالى حلاوية التى تفتحت عيناها على ذكريات جدتها الخادمة: سيادة جبريل والتى ظلت (مكبوتة) فى عقلها الباطن إلى أن بدأت فى تعميمها على نساء السراى من الخادمات.
تأثُر الخادمة: معالى بالذكريات الأليمة كان له دوره الهام فى تحديد اتجاهاتها ومواقفها إزاء مجتمع السادة أولًا، والتعبير عن ميراث القهر الذى تعرضت له جدتها ثانيًا، فإذا كانت جدتها، وأمها قد حُرمن الحب نتيجة (التفاوت الطبقي)؛ فإنها سعت للحب من أجل (تعويض) التصدع الذى تعرضت له شخصيتها، لتكشف للمتلقى عن (الدوافع الإنسانية للقهر) من خلال الحكي.
الاغتراب الذاتى
أحداث رواية: «سيدات القمر» (2010م، دار الآداب للنشر) للكاتبة العمانية: جوخة الحارثى تدور فى مجتمع يُمجد الخضوع باعتباره السبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة؛ تتضح صورة شخصية العبدة: ظريفة التى كانت تعانى الإحساس بالجوع، رغم أنها الوحيدة التى كانت تشارك السيدات فى الأكل، وشخصية العبدة: مسعودة التى تم وصفها بالانحناء، نسبة إلى عملها الدائم فى جمع الأغصان الجافة التى ستتحول إلى حطب، ليدرك المُتلقى فيما بعد أن (الانحناء) كان سمة نفسية أيضًا اتسمت بها؛ لأنها حملت أسرار هذه العائلة من السادة.
الاغتراب الذاتى فى الرواية يعكس التشويه فى علاقة كل شخصية من الشخصيات النسائية العاملة بنفسها، بالشكل الذى تصبح فيه الوحدة النفسية ملاذًا وخبرة انفعالية تنشأ من شعورهن بافتقاد قوة وفعالية العلاقات الاجتماعية مما يُرسخ فى النفس مشاعر البؤس والكآبة والفراغ العاطفي.
بينما تستعرض الكاتبة الليبية: نجوى بن شتوان فى أحداث روايتها: «زرايب العبيد» (2016م، دار الساقى للنشر والتوزيع) صور العبودية وتجلياتها فى المجتمع الليبي، وكيف أن الفوارق الطبقية أدت إلى حالة من الاغتراب النفسي؛ أدىَّ إلى أن تحيا المرأة الخادمة المحرومة وضعية لاتشعر معها بالهوية والانتماء مما يجعلها تعانى من التهميش والعزلة، عبرت الرواية عن فكرة تجريد المرأة الخادمة من حقها فى أن تنسب أولادها لنفسها كما يُنسبون لآبائهم؛ وما يعنيه ذلك من أن المرأة مجرد آلة للتفريخ والإنجاب، إلى جانب العمل كجارية لدى السيد من أجل مُتعته.
ثلاثية التيه والخواء والعجز
تُمعن رواية: «سيدات الحواس الخمس» (2021م، المؤسسة العربية للدراسات والنشر) للكاتب الأردني: جلال برجس فى رصد ظواهر الانحطاط المجتمعي، وتبدأ بالجملة التالية: «إذا أردنا أن نعاين الحياة فى أى مدينة، علينا أن نراقب كيف تعيش النساء فيها». ثم تواجهنا الشخصيات النسائية العاملة التى تبدو نسخًا مكررة اختلفت عن بعضها بالأسماء والملامح الشكلية فقط، وكلها تتنفس أجواء الانكسار النفسى والتناقض بداية من شخصية: وداد مدبرة القصر التى تمارس الانسحاب النفسى كمحاولة للعيش بسلام، وشخصية الإعلامية: ريفال التى مارست الانصياع للجماعة السيكولوجية والإندماج بها (لتخفيف القلق والتوتر) من خلال المسايرة الآلية لاغراءات مجتمع السادة، وشخصية الطبيبة: كندة التى انفصلت عن زوجها عاطفيًا فقط داخل المنزل تحسبًا للمعتقدات الاجتماعية عن فكرة الطلاق. وشخصية الفنانة: سوار التى وصفها زوجها بالمرأة المحنطة، مع ملاحظة أن ارتكاز الرواية على تكرار اختفاء السيدات أدى إلى إحساس المتلقى بالتيه واللاجدوى ويمكننا اعتباره أيضًا_ أى تكرار الاختفاء _ من أجل تنبيه المتلقى إلى تفكك الشخصيات النسائية العاملة من ناحية، وقسوة المجتمع من ناحية أخرى.
مفهوم الذات ومظاهر القلق الأنثوى
تحتل صورة شخصية المرأة العاملة فى رواية: «هبات ساخنة» (2020م، دار روافد للنشر والتوزيع) للكاتبة المصرية: سعاد سليمان مساحات واسعة كأم، وزوجة، ومعشوقة، وضحية ولأن مفهوم الذات متعلم من خلال الاحتكاك بالآخرين تقترن به قيم واتجاهات ورغبات الإنسان؛ فمفهوم الذات الموجب يعبر عن التوافق النفسى والاجتماعي، ومفهوم الذات السالب يجعل الإنسان يعانى من عدم الثقة بالنفس ونقص الكفاءة؛ بالتالى لاحظنا تشوه صورة الذات لدى شخصية: أميرة المتخصصة فى صفحة المرأة والموضة، والتى «تخشى أن يرى زوجها عيوب جسدها» وانخفاض تقدير الذات لدى شخصية: سماهر الفنانة التشكيلية المحبطة دائمًا، وشخصية: راجية الممثلة التى عانت من سوء معاملة زوجة أبيها وسوء معاملة زوج أمها؛ بعيدًا عن الرهانات البائسة لحياة الشخصيات النسائية العاملة فى مجالات مختلفة، قامت الكاتبة بالتأريخ للحاضر ومحاولة الربط بين ثورة يناير والرغبة فى ثورة إنسانية حقيقية _ على مستوى العلاقات _ تُنهى كل أشكال القمع؛ فنحن أمام سلسلة مترابطة من وصف أفعال الشخصيات النسائية، التى تؤدى جميعها إلى تصوير بانورامى لأوضاع المجتمع الثقافية والمجتمعية.
التخلص من التبعات السلبية للأنوثة
تحتل شخصية المرأة العاملة بوصفها صورة مشبعة بالغواية فى رواية: «أرضى و12 دور» (2018م، مطبوعات اتحاد كُتاب مصر) للكاتب المصري: عمرو الردينى مساحة واسعة، وهى مُتهمة دائمًا سواء دخلت حجرة حارس العقار: منسى أم لم تدخل، فهى صورة مُشبعة بالغواية والشك والخديعة، تمثلت فى صورة المرأة الريفية الجميلة: منى التى تعمل خادمة فى شقة الأستاذ: مدحت صاحب العقار، لنرى الكاتب يعرض صورتها كنموذج يختزل مشاكل شريحة كبيرة من المهمشين، فقد أبدت نفورها من حارس العقار ولم تسمح بإقامة علاقة معه، وهذا دليل على حقيقة جوهرية هى أنها تسعى للتخلص من التبعات السلبية للأنوثة التى صاغها المجتمع، وهو الأمر أيضًا الذى يدفعه للتلصص عليها.
ولأن الكاتب اعتمد على السرد الوصفي(غير المباشر) الذى يهتم بتصوير الأحوال النفسية، والتعمق فى عالم المرأة العاملة الواقعى وانفعالاتها؛ فصورة شخصية: منى التى رأيناها اكتست برداء السياق الاقتصادى والنفسى والاجتماعي، كانت قاتمة تعكس قهرها الاجتماعي، ومكانتها ونظرة الآخر لها.
دخل الربيع يضحك..رباعية سينمائية تستحق الاحتفاء
كفه عليها... وبين الاسمين تتفرد تلك المنطقة بسحرها الخاص؛ حيث تمتزج الروحانية بجمال
من مدرجات الجامعة إلى فضاء الثقافة والصحافة:







