يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 253 من سورة البقرة فى قوله تعالى: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ ..» بقوله: إذن الحق سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل يحملون منهج الله لمَنْ يريد أن يعلن حبه لله، وأن يكون خليفة فى الأرض بحق، وأن يُصلح فى الكون ولا يفسده، ونعرف أن الإصلاح له مرتبتان: أن تترك الصالح بطبيعته فلا تفسده، أو أن تزيد الصالح صلاحًا، فلا تأتى على عين الماء التى تتدفق للناس وتردمها، ولكنك تتركها على صلاحها إن لم تستطع أن تزيدها إصلاحًا.
اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوى :معجزة النبى
وقد تستطيع أن تزيد عين الماء صلاحًا؛ فبدلا من أن يذهب الناس متعبين إلى العين ويحملون منها الماء، قد تصنع لهم مضخة عالية لها خزان ترفع إليه الماء وتمد (المواسير) وتوصل المياه إلى منازلهم، فأنت بذلك تزيد الأمر الصالح صلاحًا، وهذه خلافة وعمارة فى الوجود، فإن لم تستطع أن تزيد الصالح صلاحًا فجنبنا شر إفسادك، ودع الحال كما هى عليه، واقعد كما أنت عالة فى الكون.
ولو أن الإنسان كان منصفًا فى الكون لسأل نفسه: مَنْ الذى اهتدى إلى صناعة الرغيف الذى نأكله الآن؟ وسيعرف أنه قد أخذ تجارب الناس من أول آدم حتى وصل إلى صناعة هذا الرغيف، فهناك إنسان زرع القمح، وهناك إنسان آخر هداه الله أن يطحن هذا القمح، وهو سبحانه هدى الإنسان أن يصنع منخلا ليفصل الدقيق عن النخالة، ثم هداه أن يعجن الدقيق حتى يجد له طعمًا أفضل. ولا شك أنه ترك مرة قطعة من العجين ثم شُغل عنها بأى شاغل أو بأى سبب ثم رجع لها مرة أخرى فوجدها متخمرة، فلما خبزها خرج له العيش أفضل طعمًا، إنه سبحانه قدر فهدى، وإلا كيف تأتى هذه التجربة الطويلة؟
ومثال آخر: إن الإنسان حين ينظف ثوبه، لو أنه استعرض أعمال من سبقوه فى هذا الموضوع منذ آدم، لعلم أن كل واحد سبقه فى الوجود أعطاه مرحلة من النفعية إلى أن وصل للغسالة الكهربائية التى تغسل له بدون تعب، كل هذه الأشياء جاءت له بهدايات من الله.
وقد قلت مرة: لماذا طبخت الناس (الكوسة) ولم تطبخ (الخيار)؟ إن هذه دليل على أن هناك تجارب كثيرة مرت على الإنسان حتى يميز طعم الكوسة المطبوخة عن الخيار، وكذلك طبخ الناس الملوخية ولم يطبخوا النعناع، مع أن النعناع أحسن منها، حدث ذلك؛ لأن هناك تجارب وصلتنا بأن النعناع لا يُستساغ طعمه مطبوخا.
اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوي .. التفضيل ليس محاباة
وأنت لو نظرت إلى أى شيء تستفيد به اليوم، وقدرت الأعمال التى تداولته من يوم أن وُجد، ستجد أن الحق قد قدر لكل إنسان عملا ومجالا، وظل يخدمك أنت. وما دمت قد خُدمتَ بهؤلاء الناس كلهم من أول آدم وحتى اليوم، فلابد أن تنظر لترى ماذا ستقدم لمن يأتى من بعدك، فلا تكن كسولا فى الحياة؛ تأخذ خير غيرك كله فى الوجود، وبعد ذلك لا تعطى أى شيء، بل لابد أن يكون لك عطاء، فكما أخذت من بيئتك لابد أن تعطى هذه البيئة، ولو لم يوجد هذا لما ارتقت الحياة؛ لأن معنى ارتقاء الحياة أن إنسانًا أخذ خبرة من سبقوه، وحاول أن يزيد عليها، أى أن يأخذ أكبر ثمرة بأقل مجهود.
فلو قدر الناس جهد الإنسان الذى ابتكر (العجلة) مثلا التى تسير عليها السيارة لكان عليهم أن يستغفروا الله له بمقدار ما أراحهم، فبعد أن كان الإنسان يحمل على أكتافه قصارى ما يحمل، وَفَّر عليه مَن اختراع هذا أن يحمل ويتعب، وجعله يحمل أكبر كمية وينقلها بأقل مجهود.
إذن لابد أن تنظر إلى النعم التى تستفيد بها الآن وترى كم مرحلة مرت بها، وهل صنعها الناس هكذا أم تعبوا وكدوا واجتهدوا منذ بدء الوجود على الأرض، وعرف الإنسان جيلا بعد جيل كيفية تطوير تلك الأشياء، وقد يحدث خطأ فى مرحلة معينة فيبدأ الإصلاح أو التحسين وهكذا. فأنت عندما تجد أن العالم قدم لك كل هذه المنتجات، لابد أن تسأل نفسك: ما الذى ستقدمه أنت لهذا العالم، وبذلك تظل الحلقة الإنسانية مرتقية ومتصلة.
الأزهر نموذج للحوار والتعايش ودوره اليوم أهم من أى وقت مضى
الزواج ميثاق غليظ| العنف الأسرى خطر يهدد استقرار الأسرة والمجتمع
لماذا أعاد المنشاوى تسجيل ختمته المرتلة؟







