خواطر الشعراوي .. التفضيل ليس محاباة

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 253 من سورة البقرة بقوله: ولما كانت « وإنك لمن المرسلين « تفيد بعضيته صلى الله عليه وسلم لكلية عامة، كأنه يقول: إياكم أن تظنوا أنهم ما داموا قد اتفقوا فى أنهم مرسلون أو أنهم رسل الله، أنهم أيضاً متساوون فى المنزلة، لا، بل كل واحد منهم له منزلته العامة فى الفضلية والخاصة فى التفضيل.

إنهم جميعاً رسل من عند الله، ولكن الحق يعطى كل واحد منهم منزلة خاصة فى التفضيل. فلماذا كان قول الله:«وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين»َ «البقرة: 252» يؤكد لنا أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الرسل فلا تأخذ هذا الأمر على أساس أن كل الرسل متساوون فى المكانة، وتقول إنهم متماثلون فى الفضل. لا. إن الله قد فضل بعضهم على بعض.

اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوى ..«تلك آيات الله»

وما هو التفضيل؟ إن التفضيل هو أن تأتى للغير وتعطيه ميزة، وعندما تعطى له مزية عمن سواه قد يقول لك إنسان ما « هذه محاباة « ، لذلك نقول لمن يقول ذلك: الزم الدقة، ولتعرف أن التفضيل هو إيثار الغير بمزية بدافع الحكمة، أما المحاباة فهى إيثار الغير بمزية بدافع الهوى والشهوة، فمثلاً إذا أردنا أن نختار أحداً من الناس لمنصب كبير، فنحن نختار عدداً من الشخصيات التى يمكن أن تنطبق عليهم المواصفات ونقول: «هذا يصلح، وهذا يصلح، وهذا يصلح» و «هذا فيه ميزات عن ذاك» وهكذا، فإن نظرنا إليهم وقيمناهم بدافع الحكمة والكفاءة فهذا هو التفضيل، ولكن إن اخترنا واحداً لأنه قريب أو صهر أو غير ذلك فهذا هو الهوى والمحاباة.

إن التفضيل هو أن تؤثر وتعطى مزية ولكن لحكمة، وأما المحاباة فهى أن تؤثر وتعطى مزية، ولكن لهوى فى نفسك. فمثلاً هب أنك اشتريت قارباً بخارياً وركبته أنت وابنك الصغير، ومعك سائق القارب البخاري، وأراد ابنك الصغير أن يسوق القارب البخاري، وجلس مكان السائق وأخذ يسوق. ولكن جاءت أمواج عالية واضطرب البحر فنهضت أنت مسرعاً وأخذت الولد وأمرت السائق أن يتولى القيادة، وهنا قد يصرخ الولد، فهل هذه محاباة منك للسائق؟ لا، فلو كانت محاباة لكانت لابنك، لكنك أنت قد آثرت السائق لحكمة تعرفها وهى أنه أعلم بالقيادة من الولد الصغير. إذن إذا نظرت إلى حيثية الإيثار وحيثية التمييز لحكمة فهذا هو التفضيل، ولكن فى المحاباة يكون الهوى هو الحاكم. وكل أعمال الحق سبحانه وتعالى تصدر عن حكمة لأنه سبحانه ليس له هوى ولا شهوة، فكلنا جميعاً بالنسبة إليه سواء. إذن هو سبحانه حين يعطى مزية أو يعطى خيراً أو يعطى فضلية، يكون القصد فيها إلى حكمة ما. وحينما قال الحق: «وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ» «البقرة: 252» جاء بعدها بالقول الكريم: « تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ» «البقرة: 253» وأعطانا نماذج التفضيل فقال: «مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ» «البقرة: 253». وساعة تسمع « مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ» «البقرة: 253» يأتى فى الذهن مباشرة موسى عليه السلام، وإلا فالله جل وعلا قد كلم الملائكة.

اقرأ أيضًا| رشوان توفيق يكشف عن أسراره مع الشيخ الشعراوي

وبعد ذلك يقول الحق: « وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ» «البقرة: 253». ثم قال: « وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ» «البقرة: 253» إنه سبحانه قد حدد أولاً موسى عليه السلام بالوصف الغالب فقال: «كَلَّمَ اللَّه»ُ «البقرة: 253» وكذلك حدد سيدنا عيسى عليه السلام بأنه قد وهبه الآيات البينات. وبين موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام قال الحق «وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَات»ٍ «البقرة: 253» والخطاب فى الآيات لمحمد عليه الصلاة والسلام. إذن ففيه كلام عن الغير لمخاطب هو محمد صلى الله عليه وسلم. وساعة يأتى التشخيص بالاسم أو بالوصف الغالب، فقد حدد المراد بالقضية، ولكن ساعة أن يأتى بالوصف ويترك لفطنة السامع أن يرد الوصف إلى صاحبه فكأنه من المفهوم أنه لا ينطبق قوله: « ورفعنا بعضهم درجات « بحق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم وحده. وجاء بها سبحانه فى الوسط بين موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت فى الوسط، وإنما جاء آخر الأنبياء، ولكنك تجد أن منهجه صلى الله عليه وسلم هو الوسط.