خواطر الشعراوى ..«تلك آيات الله»

محمد متولي الشعراوى
محمد متولي الشعراوى


يبدأ الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 252 من سورة البقرة «تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين» بقوله:

ونعرف أن «تلك» إشارة يخاطب الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى الآيات التى سبقت والتى تدل على عظمة الحق وقيومته، فقد قال الحق من قبل :» ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون».

وساعة طلبوا أن يقاتلوا، وأن يبعث لهم ملكاً، وبعثه لهم، وبعث لهم التابوت فيه سكينة، أليست هذه آيات أخرى ؟ ومن بعد ذلك أراد الحق أن يأتى مقتل جالوت العملاق الضخم على يد داود الصبى الصغير.

أليست هذه آية ؟ وآية أخرى هى أن جماعة قليلة بإقرارهم حيث قالوا: «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله» هذه الجماعة القليلة تدخل المعركة وتهزم الكثرة، أليست هذه آية ؟، وهل الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرف الآيات التى سبقت رسالته ؟ لا، ولكنها من إخبار الله له مع إقرار الجميع، وخاصة الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ بأنه لا قرأ ولا كتب ولا جلس إلى معلم، ولا أحد قال له شيئا؛ حتى الرحلة التى ذهب فيها للتجارة كان يصحبه فيها أناس غيره، ولو كانوا قد رأوه جالسا إلى أحد يعلّمه شيئا، لأذاعوا أن محمداً قد جلس مع فلان، وتعلّم منه كذا وكذا.

ولكن هذا لم يقله أحد؛ لأنه لم يحدث أصلا، ولذلك كان إخباره صلى الله عليه وسلم بما يعلمونه هم عندهم هو بعضا من أسرار معجزته، إنه قد عرف الأخبار السابقة رغم أنه لم يقرأ ولم يكتب ولم يتلق علما من أحد. وقد تماحك بعض المشركين وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس إلى فتى عند المروة يعلمه هذه الأخبار، فنزل القول الحق يدحض هذا الافتراء :

«ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلّمه بشر لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين ١٠٣» «سورة النحل».

لقد أثبت الحق أنها حجة باطلة، وزعم كاذب من ناحيتهم. لأن الذى ادّعوا أنه علّم الرسول كان أعجميا.

ويقول الحق سبحانه لمحمد صلى الله عليه وسلم: «تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق». إن كلمة «آيات الله» تعنى الأشياء العجيبة، و«نتلوها» أى نجعل كلمة بعد كلمة، وهى من «ولى» أى جاء بعده بلا فاصل. «نتلوها عليك بالحق» والحق هو الشيء الذى وقع موقعه حيث لا يتغير عنه، فلا يتضارب أبدا.

فهب أن حادثة وقعت أمامك، ثم سُئلت عنها ألف مرة فى طيلة حياتك ستجد أن جوابك لن يختلف عليها أبدا ؛ لأنك تحكى واقعا رأيته، لكن لو كانت الحكاية كذبا ؛ فستجد أن روايتك لها فى المرة الثانية تتغير ؛ لأنك لا تذكر ماذا قلت فى المرة الأولى ؛ لأنك لا تحكى عن واقع يأخذك وتلتزم به، وكذلك الحق لا يتغير، ولا يتضارب، ولا يتعارض.

« تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق « ومادام الحق سبحانه هو الذى يقولها، فسيقولها لك حقيقة، وعندئذ يعرف الآخرون أنك عرفت ما عندهم مما يخفونه فى كتبهم يقوله بعضهم لبعض، هنا يعرفون أنك من المرسلين، ولذلك نحن نجد فى «ماكانات القرآن» التى يقول فيها تعالى: «ما كُنت»، «ما كُنت»، و«ما كنت» ومثل قوله الحق :«وما كنت بجانب الغربيّ إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كُنت من الشاهدين ٤٤» «سورة القصص».
أى ما كنت يا محمد حاضرا مع موسى فى المكان الغربى من الجبل حين عهد الله إليه بأمر الرسالة، ولم تكن معاصرا لموسى ولا شاهداً تبليغه للرسالة فكيف يكذّبك قومك وأنت تتلو عليهم أنباء السابقين ؟