شاء القدير أن يُطفئ الماء النار وأن ينتصر حُسن الظن على المكر، وأن يكون الطريق القصير أقرب من الطرق الملتوية.
الضلال فى اللغة هو العدول عن الطريق القويم سهوًا أو عمدًا، وهناك مثل شعبى عجيب لدينا يقول (انصح صاحبك من الصبح للعصر وبعد العِشا ضِلوا)، بمعنى أن تبذل جهدك فى نصحه فإذا رأيت منه إصرارًا وعنادًا لا يلين، فعليك أن تسايره فى اختياره الخاطئ وهو مَثل رغم قوة مَنطقه إلا أنه يفتقد إلى الحس الأخلاقى، لأن مسايرة الضلال لا تعنى إلا مزيدًا من الضلال والفساد.
الأكاذيب
والضلال يقودنا إلى الضلالى وهو وصف تم اختصار فيه الكثير من النقائص، يتحرك (الضلالى) بخفة وهدوء ويزين وجهه بابتسامة صفراء مُربكة ومُرتبكة ويتحدث بالأكاذيب وكأنه ينطق بالحق المبين، يُربت على كتفك بحنان بالغ، يهمس فى أذنك بود وأُبوة وهو يقنعك بترك حقك.
يمتدحك بكل أنواع المدح وهو يُدخلك الخية والفخ ويُزين لك كل قبيح، ستظن فى طفولتك أنه الشخص القريب الذى يزوركم أحيانًا ويهمس بكلمة تجعل أباك ينتفض من مكانه ويكاد يفتك بك، وكلما أمد الله فى عمرك وخطوت من الطفولة إلى المراهقة والشباب وحتى الكهولة والشيب، ستجده شخصًا لا يخلو منه زمان ولا مكان، موجود فى كل مدرسة وأسرة ومؤسسة وجامعة ومعهد ومطعم ونادٍ، يكاد أن يكون جزءًا من طبيعة الحياة نفسها.
عسل الكلام
ستجده تمامًا كما تجد الطيب وحسن السلوك والمندفع والمتهور والحكيم، سيكون مُندسًا بينهم لكنه ظاهر دائمًا بحركته الخفيفة حتى ولو كان سمينًا وروحه القلقة حتى لو ادعى الهدوء، ستجد لسانه مدهونًا بعسل الكلام يتحرك بين المكاتب هامسًا ضاحكًا ويجلس فى الصفوف الأولى وهو يُمسك بذراع أحدهم بحميمية مبالغ فيها ويُحكم وضع فمه فى أذن الرجل لـــ (يبخ) بالكلمات المقصودة، وستجده على السلم صاعدًا يجرى خلف قيادته مُحافظًا على مسافة النفاق بينما هو يشى بزميله، ثم تراه بعدها وهو يهبط على نفس السلم خلف الذى وشى به وهو يحاول إقناعه كم كانت خطوة ظالمة من الإدارة تلك التى اتخذوها معه، السلم هو منطقة نفوذه والرقص عليه هو أداؤه الخالد، لم يعد (الضلالى) نمطًا إنسانيًا فقط بل صار مهنة يمتهنها الكثيرون، ولكل (ضلالى) الكثير من الداعمين أيضًا الذين (يتمصلحون) منه كل يوم وليلة، تربط بينهم أواصر قوية من الضلال وصلة رحم قوية بالفساد والمجاملات، تقاسموا معًا لقمة الضلال والتدليس.
الحقانى
وكما أن هناك (الضلالى) هناك بالطبع (الحقانى) وهو ذلك الشخص الذى خلقه الله ليقيم الميزان ويحكم به ويضيق الخناق على كل (ضلالى)، ولأن طبع (الضلالى) الجُبن وسُنة أهل الضلال الخذلان فإنهم يسارعون بالتخلى عنه إذا أُكتشف أمره ويقررون بيعه فى أقرب سوق وبأبخس الأثمان ويتجهون إلى من حل محله لتبدأ رحلة بحثهم عن نسبة الضلال فيه ونوعها، هل هو من أهل المال وزينته؟ أم إنه من أهل الكيف والمزاج؟ أم أنه من أهل النفخ بالمنفاخ؟.
العبودية
وهو ذلك النوع الذى يملأون ذاته كل يوم بمنفاخ المدح والثناء حتى يشعروه أنه كاد أن يكون إلهًا ضل طريقه إلى العبودية نظرًا لتواضعه الشديد، فإن فشلت كل جهودهم ولم يكن من أهل هذا ولا ذاك فتحوا جراب الإساءة والتشهير وتلطيخ السمعة حتى (يغور) من وجوههم ويأتى من هو أضل وأخبث.
تكمن خطورة (الضلالى) فى وجوده المزدوج فى كل منظومة يحل بها، وجودًا مُعلنًا وآخر خفى، وجود يظهر فيه بمظهر الناصح الآمين ووجود آخر يكون فيه مرضًا يأكل فى عظام وأرواح المكان ويمد خيوط العنكبوت بينه وبين من يُشبهه حتى ينقسم كل شيء إلى وجهين، وجه ميت وآخر قبيح.
التكنولوجيا
وتظل مقاومة (الضلالى) فرض عين على كل (حقّانى)، لأن (ضلاليًا) واحدًا كافيًا لإفساد جهود ومخططات آلاف (الحقّانيين) وذلك لأن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعى وإيقاع قلوب هذا العصر تميل إلى دعم وتصديق (الضلالى) ولا تحتفى ولا تساند (الحقّانى) لأن (الضلالى) عبد للقطة عالى الزينة، بينما (الحقّانى) هادئ النبرة لا تعنيه اللقطة، وربما لا يجيد التعامل مع (السوشيال ميديا)، ويبدو أن العولمة والرأسمالية أفكار صنعها (ضلالية) حاذقون بالأساس.
حُسن الظن
أما النجاة من أهل الضلال فهى حكم إلهى لا شك فيه، فقد شاء القدير أن يُطفئ الماء النار وأن ينتصر حُسن الظن على المكر، وأن يكون الطريق القصير أقرب من الطرق الملتوية وجعل صفحة وجه وفلتات لسان (الضلالى) تفضحانه.
وجعل لأهل الحق فطنة وقلب سليم تنكسر عليه نصال اللؤم والخبث والمكيدة، ولأن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب فإن (الضلالى) لا يدخل من أبواب القبول ولا ترى عيناه إلا الأسوار والأقفال والدروب الضيقة والمتاهات، بينما أهل البناء والرحمة والطيبة يمرحون فى حدائق حسن الظن لا يضرهم كيد الكائدين ولا ضلال (الضلالية).
وتظل هزيمة (الضلالى) حتمية كلما واجه خصمًا نبيلًا شريفًا واضحًا، صحيح أن التاريخ يروى لنا كثيرًا من المعارك التى انتصر فيها أهل اللؤم والضلال على أهل المروءة والصدق لكنه كان انتصارًا ظاهريًا يغتصب فيه (الضلالى) حقًا ليس له بينما ينتصر (الحقّانى) لتخليد الناس له بالذكرى الطيبة وتسكينه فى قلوبهم وجعل قبره مقامًا مُضيء القبة حتى يوم الدين، بينما يندثر ذكر وقبر الضلالى إلى الأبد.
والضلالات فى علم النفس هى تلك الأوهام التى تسيطر على المريض مثل وهم الاضطهاد ووهم العظمة والوهم الجنسى والكثير من الأوهام التى تسيطر على النفس البشرية وتضلها ضلالًا بعيدًا فالضلال بمعانيه اللغوية والنفسية هو انحراف عن الفطرة وبعد عن السواء ويأخذ الضلالى عند العوام معنى الماكر الخبيث وكلها معانٍ تبعدنا عن الطريق القويم وتميل إلى الظلمة لا النور وبصف القرآن الكريم فى بلاغته المطلقة من ضل سعيهم بالأخسرين أعمالًا (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا.
الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا) ويبدو أن ذلك هو أشد أنواع الضلال مطلقًا حينما تظن أنك تحسن الصنع وتفعل أفضل وأجمل الأعمال بينما سعيك هذا سعى يحركه ضلال باطنى كبير، هنا كان الخسران المبين لأن الضال فى سعيه يقود إلى الضلال مهما تظاهر بالمظهر الأنيق والأداء الحسن.
وخطورة الضلالى فى قدرته على أن يضل الآخرين ويبدو هنا أن الضلال له منطق ما وبهذا المنطق يضل الآخرين ويصف الله عز وجل ذلك أيضًا فى قصة السامرى حينما صنع عجلًا من ذهب لبنى إسرائيل وأقنعهم أن ذلك التمثال صورة من صور الإله.
(قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامرى) إن السامرى فرد واحد استطاع أن يضل قومًا من الناس حتى يكتمل مراد الله فيهم بالفتنة فى غياب نبى الله موسى لنعلم أن الضلالى أيضًا هو وقود الفتنة وحطبها، حفظ الله مصر وحماها من كل ضلالى.

علاء عبد الهادى يكتب: اعتراف
حُسن الخاتمة !
ثلاث عشرة سنة على الثلاثين من يونيو






