مع العلماء

شروط الإمام المجدد عند الإمام السيوطى

 د.محمد إبراهيم العشماوى
د.محمد إبراهيم العشماوى


بمناسبة حديث السيد الرئيس، عن الإمام السيوطي، ودعوته الأئمة إلى استلهام مسيرته، وقد أطلقت وزارة الأوقاف-فى وقت سابق- وصف (الإمام المجدد) على بعض أئمتها .. فلتنظر هذه الشروط!

أستاذ الحديث الشريف وعلومه فى جامعة الأزهر الشريف

قال الإمام السيوطي-رضى الله عنه-فى منظومته الشهيرة «تحفة المهتدين .. بأسماء المجددين»: والشرطُ فى ذلك أن تَمْضِى المِئَةْ وهْوَ على حَياتِه بين الفِئَةْ

يُشارُ بالعِلْمِ إلى مَقامِهِ ويَنصُرُ السُّنَّةَ فى كلامِهِ

وأن يكونَ جامعًا لكلِّ فَنّ وأن يَعُمَّ عِلْمُهُ أَهْلَ الزَّمَنْ

وأن يكونَ-فى حديثٍ قد رُوِيْ -مِنْ أَهْلِ بَيْتِ المصطفى، وقد قَوِيْ

وكونُه فَرْدًا هو المشهورُ قد نَطَقَ الحديثُ والجُمْهُورُ

واشترط فيه أيضًا الاجتهاد، حيث قال:... عالمًا يُجَدِّدُ دينَ الهُدَى لأنه مجتهدُ وحاصل هذه الشروط: أن يكون المجدد حيا قبل انصرام القرن، وأن يشار إليه بالعلم، وأن يكون من أهل السنة، ناصرا لها على مُحْدَثات الأمور، وأن يكون موسوعيا، بحيث يجمع أكثر العلوم والفنون، وأن يَعُمَّ علمه فى زمانه سائر الناس، من جميع الأجناس، وأن يكون من آل البيت-عليهم سلام الله-كما رُوى فى حديث قويٍّ، وأن يكون فردا لا جماعة، وأن يصل إلى درجة الاجتهاد، ولا يكتفى بالتقليد.

وقد نوزع السيوطى فى بعض هذه الشروط، ككون المجدد من آل البيت، وكونه فردا، وكونه جامعا لكل فن، فقد يكون من غير آل البيت-كما فى سيدنا عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه-وهو مجدد المئة الأولى باتفاق-وقد يكون المجدد جماعة انتهى إليهم التجديد، وقد يكون مجددا فى فن دون آخر.

وقد نادى الحافظ السيوطى على نفسه بأنه مجدد القرن التاسع، فقال فى منظومته المذكورة: وهذه تاسعةُ المِئينَ قَدْ أَتَتْ ولا يُخْلَفُ ما الهادى وَعَدْ

وقد رجوتُ أنَّنِى المُجَدِّدُ فيها وفضلُ اللهِ ليس يُجْحَدُ

وهو حقيق بذلك؛ فالرجل كان يخوض فى كل معترك، ويضرب فى كل مضرب، وينزل فى كل ميدان، ويدلى بكل دلو، شعرا ونثرا، وتأليفا وتدريسا وإفتاء، وكان معتزا بنفسه، مقبلا على شأنه، يقول ما يعتقد غير هيَّابٍ، وإن خاصمه المخاصمون، وناوأه المناوئون!

وقد دخل فى خصومات كثيرة مع علماء عصره، واشتبك معهم فى معارك علمية خالصة، وأخرى شخصية ذات صبغة علمية، وكان صوفيا ربانيا، جامعا بين الشريعة والحقيقة والطريقة.

قال عن نفسه فى كتابه «التحدث بنعمة الله»، والذى طبع بتحقيق اليزابيث مارى سارتين: «إنما ذكرت مناقبى اقتداء بالسلف الصالح، وتعريفا بحالى فى العلم ليأخذه الناس عني، وتحدثا بنعمة الله عز وجل، لا افتخارا على الأقران، ولا طلبا للدنيا ومناصبها وجاهها، معاذ الله أن أقصد ذلك، وأى قدر للدنيا حتى يطلب تحصيلها بما فيه ذهاب الدين واللعنة والطرد عن حضرة الله تعالى، وقد ظهر شيبي، ومضى أطيب عمرى وعيشي، ودنا رحيلي؟!».

وقال أيضا فى ترجمته المختصرة لنفسه، فى كتابه «حسن المحاضرة فى أخبار مصر والقاهرة»: «وقد كملت عندى الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول ذلك تحدثا بنعمة الله علي، لا فخرًا، وأى شيء فى الدنيا حتى يُطلب تحصيله بالفخر، وقد أزف الرحيل، وبدا الشيب، وذهب أطيب العمر؟!».

وقال عنه الإمام الشعراني: «وكان يُظهر كل ما أنعم الله عليه به من العلوم والأخلاق، ولا يكتم منها إلا ما أُمِرَ بكتمه، عملا بقوله تعالى: «وأما بنعمة ربك فحدِّث»، وكان من لا يعرف مقصده يقول: فلان عنده دعوى عظيمة!».

وقد صنف السيوطى كتبا كثيرة، عدَّها حاجى خليفة فى «كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون»، فبلغت نحو «٥٧٦»، وبلغ بها ابن إياس نحو « ٦٠٠»، ما بين رسالة صغيرة الحجم إلى عدة مجلدات، وقلما تجد فنا من الفنون إلا وله فيه كتاب أو عدة كتب، وكلما عَنَّتْ له مسألة؛ صنف فيها كتابا!

رحم الله الإمام السيوطي، الذى لم يَرْضَ لنفسه أن يعيش عالة على السابقين، حتى زاحَمهم، ثم صار منهم، لِعُلُوِّ هِمَّتِه، وسُمُوِّ أَنَفَتِه، وجلالِ شخصيَّتِه، وكان يقول:

لَسْنَا وَإِنْ كُنَّا ذَوِى حَسَبٍ يومًا على الأحسابِ نَتَّكِلُ!

نَبْنِى كَما كانتْ أَوَائِلُنَا تَبْنِى ونَفْعَلُ مِثْلَمَا فَعَلُوا!.