فى «طلل الوقت» ..أحمد عبد المعطى حجازى.. روح شعرية هائلة

أحمد عبد المعطي حجازي
أحمد عبد المعطي حجازي


د. محمد سليم شوشة

فى ديوان «طلل الوقت» للشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى تسرى روح طاقة شعرية هائلة مقاومة للظلامية، تجعل من قصائد الديوان كما لو كانت ملحمة للذات الشاعرة يناضل ويكافح فيها ضد الجمود والتخلف، وتمثل طاقة جامحة، محملة بكثير من الغضب والشجن والحزن نعم، لكنها برغم كل هذا الغضب والحزن ما زالت تملك الرؤية والبصيرة التى تنفذ عبرها إلى حقيقة وضعنا الحضارى والثقافى وتلك الحال من التصحر والتهدم الإنسانى التى تعيشها مصر فى وقت يغتال فيه الظلاميون الكُتَّابَ والمفكرون والروائيون الكبار.

يصبح نموذج الكاتب والشاعر والأديب فى هذه القصائد عبر تصوير تمثيلى سردى بطلا خارقا قادرا على تبديد هذا الظلام برأيه وإبداعه أو حتى بدمائه التى أريقت ولطخت الجدار الذى يحاصر مدينتنا رمز الحضارة والسموق. فى القصائد الثلاث التى أهداها لكل من طه حسين ونجيب محفوظ وفرج فودة تشكل الرؤية الشعرية نموذجا للبطل الأسطورى الذى يناضل من أجل مقاومة التصحر والجمود وتحويله إلى النبض والحياة والاخضرار. 



صرخة مصرية

دم فرج فودة تحديدا يصبح صرخة شعب بكامله ضد هذا الجمود، صرخة الروح المصرية الأصيلة الكامنة تحت رماد الخراب ورماله التى غطت كل مظاهر التحضر وطمرتها، دمه الذى يصبح هو السر والمدخل السحرى لليقظة والانتفاض ضد الظلام والهمجية التى رمتنا بها الصحارى.

تتشكل صورة مصر وفق هذه الروح الشعرية المنفعلة الغاضبة ووفق تخيلها وشعورها بالأسى والحزن الممتزجين بالأمل وفق نمطين أو صورتين متناقضتين متقابلتين؛ الأولى هى الصورة الحضارية القديمة حيث تكون مصر فى أوج تألقها وسموقها الحضارى الذى يُضرب به المثل باستمرار وذلك عبر صورة مصر الفرعونية المجيدة (أبناء أوزوريس)، مع نهرها الخالد الذى يمنح الحياة ويسرق للشعب العشب ويصبح هو الآخر معادلا للبطل الفكرى أو الرمز الأدبى والثقافى أيا كان شخص من يتجسد فيه، طه حسين أو نجيب محفوظ أو فرج فودة. 

والصورة الثانية هى الراهنة التى يهيمن عليها الموت والجمود والتصحر ومن الصورتين تتشكل مفارقة هى مركز الإحساس بالأسى والحزن، ومن جوهر هذه المفارقة ينبع غضب الذات الشاعرة ومساحة اشتغالها واستنبات مشاعرها كافة وتمزقها بين هاتين الصورتين اللتين هما بالأساس تمثلان حالين حضاريتين متصارعتين أو مشتبكتين بصورة قدرية تدعو للتأمل والمراقبة والانتظار وينتج عن اصطراعهما انفتاح للقصيدة على الأفق المستقبلى الذى ينتظر فيه المتلقى شيئا قدريا جديدا حول حسم هذا الصراع ونبوءة الذات الشاعرة عن هذا الدم الذى يصبح نورا وصرخة وبداية لليقظة وهل ستتحقق هذه النبوءة أم سيظل الجمود والتصحر مهيمنين..

وفى تصورنا أن القصيدة تستمد شعريتها من روح التوتر والصراع القيمى والأخلاقى، وتلك الحال من التداخل بين الحضارتين اللتين هما فى جوهرهما قمة التناقض والتباعد لكنهما اجتمعتا على مصر وشعبها، بحيث أضحت مصر ساحة لتصارع التناقض فى قمة تطرفه، من قمة الرقى الإنسانى إلى قمة الهمجية والبلادة والجمود، وهو ما تبثه القصيدة مكثفا فى هذه الصورة (رمل أهلَّتُها/ منازلُها/ نجومُ سمائها رملٌ/ وأهلوها الذين تصحروا/ صاروا دمًى محشوةً بالرمل ترحل فى اليباب/ تجوبه تيها فتيها).

فهنا شكل من الهيمنة الطاغية على كافة عناصر الوجود ولا أقول كافة تجليات الوطن ومفرداته لأن الوطن يصبح فى رؤية الذات الشاعرة هو كل الوجود ولا وجود خلف الوطن، والحياة كلها مختزلة فى الوطن، بالعناصر الكونية؛ النجوم والأهلة وهى ما يخرج على الانتماء لوطن بعينه أو بلد بعينه تصبح هى الأخرى جزءا من هذا الخراب والتصحر بما يعمق مأساة الذات الشاعرة ويجعلها محاصرة بهما أينما كانت لأن الوطن بالنسبة لها هى كل الوجود. 

تشكل هذه القصائد نموذجها البطولى من شخصيات من أهديت لهم القصائد من الرموز الثلاث؛ طه حسين ونجيب محفوظ وفرج فودة، وتعمد إلى طابع سردى أقرب إلى القصيدة الملحمية التى تجعل من هذا النموذج الإنسانى المحب للحياة نموذجا علويا/ فوقيا/ ساميا أقرب لأن يخرج على الطبيعة الإنسانية المحدودة القدرة بأن يكون نصف إله له فاعليته ودوره بعد الموت، والحقيقة أن هذه الفاعلية ربما لها أساسها المنطقى الذى لا يجعلها ماورائية صرفة لأن الإبداع فى الحقيقة يصبح نورا مستمرا بعد موت كاتبه كما هو الحال بالنسبة للأحياء حتى الآن والخالدين محفوظ وطه حسين وفرج فودة، فهنا لعبة الشعر وساحته التى يصبح فيها قادرا على استيلاد العجائبية من الحقائق ومزجهما على نحو لا يمكن فصلهما بعدها، ويجلل صورة هذا البطل التنويرى الخارق حال من النبل والشفافية والرقة أو العذوبة وكثير من القيم الإيجابية التى تجعل المتلقى قابلا للتعلق بهذا البطل وهنا تسهم القصيدة فى زرع نموذجها فى وجدان المتلقى وعقله كما ترسخه فى مشهد التحول ومحاولة الانتقال من الانهيار والتردى إلى الصورة الأخرى الحضارية.

زاوية خاصة

تبدو الذات الشاعرة هنا صاحبة زاوية خاصة فى الرصد والمتابعة، تتسم هذه الزاوية بقدر من الموضوعية برغم انفعال الصوت وتوتر الإيقاع وارتفاع النبرة إلى حد الصراخ والتبشير أو الهتاف بالحق كما لو أن القصيدة صوت السماء أو حكاية الجدة التى تشحن حكايتها لأطفالها بكل ما هو أسطورى نبيل يرسخ فيهم قيمة هى حريصة كل الحرص على بقائها.

أقول تبدو الذات الشاعرة هنا برغم كل هذا على قدر كبير من القدرة على الوصف والنقل الموضوعيين أو تبدو مشحونة بأمانة التصوير وقادرة على أن تهدئ فى لحظة معينة من نبرتها حين ترصد حركة الشيخ الثمانينى نجيب محفوظ فى شوارع المدينة التى هيمن عليها الجمود والخراب ويبقى هو وحده روحا نابضة مصرّة كل الإصرار على البقاء والاستمرار، روحا ممثلة لجوهر الفن والإبداع بوصفه الأمل الأخير الباقى تحت الرمل ورماد نار الهمج الذين هجموا من الصحراء علينا.


وليكون فى هذه القصائد وفق تلك النزعة الشعرية تفاوت وتنوع فى الإيقاع ولا أقصد الإيقاع بمعناه الحرفى المقصور فى الوزن، بل بمفهومه الأوسع الذى هو تنوع فى النبرات والشحنات النفسية ودرجة الانفعال وتغير وتيرة صوت القصيدة وجموحها واندفاعها مثل ماء نهر النيل أو هدوئها أحيانا وثباتها أو استقرارها أحيانا، وأحسب أن تشريحا يخص ما يعرف بالنبر والتنغيم فى هذه القصائد وربطهما بجماليات هذه القصائد قد يكشف عن الكثير ويؤكد هذا التنوع فى الإيقاع الشعرى لها.

فى قصيدة (شفق على سور المدينة) تصبح الذات الشاعر تحت وطأة القتل مجللة بحال من الشعور بالخزء والعار، تحت وطأة الإحساس بهذا الدم المراق بيد الهمج الظلاميين ونواتج التصحر والتبدل الذى شهدته مصر، الدم هو قائد هذه القصيدة والضابط لحركتها وإيقاعها الجامح، لأنه دم نافر كان يستشعر مصيره ويبتغيه ويقبل به ثمنا للنور الذى يطلبه لمصر، ولهذا كانت القصيدة على قدر عال من البراعة فى تتبعها لروح الجموح لدى هذا البطل الذى بذل دمه ثمنا لحياتنا وللتنوير، كانت القصيدة كأنما تغوص وراء روح مصرية خالصة تمثل امتدادا لكل بنّاء ومُعلِّم وصاحب دور فى حضارتنا الآفلة. ولهذا فإن الجموح والانفعال والغضب فى هذه القصيدة أكبر بكثير من القصيدتين الأخريين (الساعة الخامسة مساء) التى تستلهم بطولة نجيب محفوظ وعطاءه ودوره وفق رؤية شعرية أسطورية كما ذكرت سابقا.

نلمس فى الحالة الثانية أو ما يمكن تسميته فى قراءتنا لقصيدة نجيب محفوظ درجة من تجاوب القصيدة وتفاعلها مع حكمة الشيخ الثمانينى الذى يدرك دوره ويستوعب الظواهر من حوله بهدوء ويبذل ويعطى عن طيب خاطر وكأنه يعرف الغيب ويدرك القدر مسبقا أو كأنه لم يكن متفاجئا أو مصدوما لكمِّ ما فى المجتمع من الجمود والعنف، وكيف يفاجأ وهو الذى شرح وكتب عشرات الروايات التى تجسد هذا الجمود برهافة وفنية وذكاء ويناضل ضد الظلام منذ أول رواية له.

فى قصيدة نجيب محفوظ نصبح أمام نزعة سردية بانورامية توسع حدود المشهد لتلتقط ما فى جوهره من النضال الأبدى للكاتب العجوز الذى شاخ جسده وكبرت سنه لكن روحه وعقله وضميره ما زالت كلها فى أوج الشباب والعطاء والإصرار على أداء الدور التنويرى. 

مدينة الأشجار الشائخة

يرصد السرد الشعرى فى القصيدة صورة المدينة بوصفها رمزا للمدنية والحضارة، ولكنها أصبحت مدينة شجرها شائخ، وأصبح وقتها الثابت الذى تمضى فيه مثقلة هو وقت ما بين القيلولة والمساء. والحقيقة أن هذا الزمن بغبشته وضبابه وضوئه الضعيف أو لنقل غياب الرؤية فيه هو الزمن المهيمن على القصائد الثلاث التى تعكس برهافة بجوهر حالنا الراهنة التى يجللها ظلام التصحر وهيمنة الهمجية. هذه الرؤية السردية البانورامية للقصيدة هى ما تم استثماره شعريا على نحو دقيق أو بحس عال لخلق تبدلات عالمنا وتحولاته وتشويقه وما طرأ على مسيرة هذا البطل الراسخ الثابت الماضى فى شوارعها وكأنه الوحيد الذى احتفظ بحياته بين هذا الموات.

وفق استراتيجية شعرية فائقة الحساسية يتم استثمار هذه الطاقة السردية لخلق حالة من التشويق والتوتر فى القصيدة التى تتبع مسيرة نجيب محفوظ فى شوارع المدينة حين يهجم الغدر فى لحظة كان يجللها السكون، فكأن القصيدة قد عمدت بعد الاستعراض المشهدى المفتوح إلى عملية تقريب «زوم» على نموذجين فقط أحدهما يمثل النور والآخر يمثل الظلام، لم يبقَ فى المشهد غيرهما يصطرعان أيهما يكون أكثر نفوذا وأشد بقاء وتأثيرا فى المدينة؛ أيهما تكون له الغلبة أو النصر؛ صاحب الطعنة الغادرة أو القلم النابض والتجوال الدائب والسعى الذى لا ينقطع فى المدينة كأنه منادى الحياة الذى يبتعث الناس من قبورهم، أيهما الأصيل وأيهما الزائف وابن المكان أو الدخيل؛ نجيب محفوظ أم طاعنه الذى يبدو عبر هذه الرؤية الشعرية الشفيفة أنه كان يطعننا نحن جميعا الطعنة الأخيرة التى قد تقضى على آخر مصدر للضوء والنبض والحياة؟

مفردات الخراب

فى تصوير القصائد لحالنا الراهنة تهيمن مفردات الخراب من الرمل والغبار والغيوم والبوم والغربان والهمج أو الهمجية والليل والعواصف والطعنات الخسيسة والبدائية والأوجه الفظة العابسة وكذلك الدمى المحشوة بالرمل، ويبقى الأمل الوحيد أو مصدر الضوء هو ما استمرّ من نبض المكان/ المدينة وجوهره بجانب الفن والإبداع وما فيهما من روح مصرية تنتصر، وتحنّ إلى فرح غائب بعيد. فالمدينة نفسها تبدو شخصية كما النيل كذلك الذى يتجلى بوصفه شخصا أو بطلا يريد النهوض من تحت الركام والرمل ويعاود دوره وسيرته القديمة. 

تصبح هذه القصيدة برغم بعض الهدوء والحكمة ساحة للحرب، للفعل ورد الفعل بين هذه العناصر المتزاحمة على فضائها وعلى أنفاسها الشعرية ودفقاتها. يتجلى الخراب كما تتجلى إرادة الحياة؛ لأن المدينة لم تمت تماما برغم كل ما هى فيه من خراب وبوار وتصحر طال الجامد والحى. وما زالت المدينة برغم كونها منفية فى مدن أخرى وتبدلت هويتها وملامحها الأصلية ظلت معذبة بحنين إلى فرح هارب وهزائم تعتادها كالكوابيس، فالعذاب برغم قسوته هو نفسه دليل الحياة والبقاء عليها لأنه فى النهاية دليل على الإحساس والاستمرار بل قد يكون هو نقطة التحول إلى النور والاندفاع نحو تصحيح المسار تحت وطأة هذا العذاب أو الألم. 

المزيد من الضوء

فى قصيدة سارق النار يبدو طه حسين ومضة قصيرة فى الزمن لكنها ذات أثر عميق، هنا نحن أمام زمن نفسى وحال من إحساس الذات الشاعرة بضيق وقت هذه الومضة أو انحسار مساحة هذا الضوء، لكونها تطمع فى المزيد من الضوء لم تشعر بوميض طه حسين إلا كبروق نجم خاطف (ما كدت تظهر حتى اختفيت) لتكتنز هذه الصورة مشاعر الغبن والإحساس بالألم تجاه فقد طه حسين الذى تقر الرؤية الشعرية فى لحظة هدوء أو تعقل تناقض هنا جموح الغضب، بأن طه حسين يظل فاعلا ومنيرا على امتداد الزمن، ولكنه يبدو حينها أقرب إلى ضوء كامن فى النفوس والعقول التى اقتبست من بريق نجمه الخاطف.

وتتعمق فى هذه القصيدة حال الصراع والاحتراب الضارى بين الظلام والنور ويتشكل كذلك البطل نموذجا للمحارب الأسطورى الذى يسرق لقومه النار مصدر الدفء والنور والحياة كلها. وتتجلى ذروة هذا الاصطراع وفق الرؤية الشعرية فى سؤال القصيدة عن كون هذا الفقد للبصر لدى البطل هو آفة أم آية وحكمة وسخرية قدرية؟ 

تستنبت القصيدة شعريتها من توتر هذا الصراع بين الظلام والنور ومن عبثية القدر أحيانا ومن تبدلات أحوالنا وصفّ المتناقضات وفق استراتيجية تجعل منها متجاورات أو وشائج دلالية يحيل بعضها على بعض، فالظلام يحيل على النور والعكس، والتردى الحضارى يحيل على النهضة القديمة والعكس، والماضى يحيل على الحاضر والعكس، وهكذا فى رؤية كأنها عزمت على جمع جوهر وجودنا فى لوحات شعرية نابضة ومتحفزة نحو التساؤل الذى لا ينقطع بهمسه المشحون بالشجن، متى نقوم من يقظتنا، متى نرى أبطالنا هؤلاء ينتصرون بنا ونرى نتيجة فعلهم وأثر ضوئهم فينا ساطعا؟ متى نرفض رمل الصحارى وسحق الطغاة ويعم نور إرادة الحياة؟ والحقيقة أن هذا الهمس ليس مقصورا على (متى) وحسب ولكن (كيف) كذلك. فالسؤال الواحد أو ما قد يبدو سؤالا واحدا هو أسئلة عديدة متوالدة ومركبة ومدمجة فى بعضها وفق هذه الرؤية الشعرية الهامسة والمحملة بالكثير من الشحنات النفسية والعاطفية والذهنية كذلك. 

وتبدو هذه الأسئلة وهذه الحال من الجموح والغضب والجنون أحيانا أو ما يشبه تمردات الصبى الحزين هى نفسها التى كانت قصائد الشاعر تنضح بها فى وقت نكسة يونيو 67 ولكنها جاءت بصورة مختلفة وعصرية ونابعة من طبيعة هذه اللحظة الحضارية وإحساس الشاعر بها، فالهزيمة مستمرة ولكنها بتجليات مختلفة، واليأس والظلام مهيمنان، والجمود مستمر ولكن وفق حضور مغاير لما كان عليه فى النكسة، وهذا الأمر فى تقديرى الشخصى ينم على أن الروح الشعرية لأحمد عبد المعطى حجازى متسقة مع نفسها وبعضها نسيج من بعض ويصدر صوته الشعرى عن روح مفعمة بالبراءة والعفوية والجموح والضمير النابض الحى دائما، المضطر لأن يكون مرآة لنا فى لحظات الضيق والانكسار والهزيمة أو هيمنة الظلام والأوقات التى تهفو فيها أرواح المصريين إلى النور.