إعداد : محمد شعير
فى كتالوج المعرض الثانى للفن الحر (1941)، كتب كل مشارك جملة قصيرة يعرف بها نفسه. كتب فؤاد كامل بإيجاز: «مصور. شاعر عندما لا يكون لديه ما يشترى به ألوانه. دائما صامت».
ربما تكثف العبارات الثلاثة، المكثفة سيرة حياة فؤاد كامل (1919-1973) وتكشف الكثير عن حياته القصيرة.
تزامنا مع ثورة شعبية امتدت فى كل أنحاء مصر ولد فؤاد كامل، وربما كانت حياته واختياراته تمثيلا لهذه الثورة.
كان والده عثمان كامل رساما للخرائط فى مصلحة المساحة المصرية، كما كان بارعا فى عمل تصميمات من الصدف، ورث فؤاد من أبيه الولع بالفن، ومن هنا اختار دراسته للفن. فى المدرسة العليا للفنون اصطدم فؤاد بأساليب الدراسة الجافة والتقليدية، ثار على أساتذته، ليصل إلى يقين بأن الدراسة ليست «الوسيلة المثلى لصنع الفنان، إنما يصنع الفنان نفسه بنفسه، ومسئولية أى فنان أن يضع نفسه فى قلب العصر».
كانت حركة فؤاد كامل ولوحاته وكتاباته التى تقترب من أن تكون شعرا، ومعاركه هى محاولة لأن يكون فى قلب العصر، لا على هامشه.
ربما من هنا وجد فى رفاق الحركة السريالية ما يلبى طموحه. فى سبتمبر 1924 نشر أندريه بريتون البيان السريالي الأول.
كانت الحركة التى اعتبرت نفسها مضادة للعقل والواقع بمثابة رد فعل على ما أصاب العالم من جنون بسبب حرب عالمية أودت بحياة الملايين. ومن ثم سعت إلى تحرير الفكر، والنضال ضد الأفكار والقيم الموروثة، وكان سلاحها لذلك اللجوء إلى الأحلام واللاوعى.. وشعارها تغيير الحياة.
وجدت الحركة صدى فى كل العالم، ومن بينها مصر عندما أعلن مجموعة من المثقفين عام 1938 تأسيس جماعة الفن والحرية التي ضمت: جورج حنين، ورمسيس يونان، وأنور كامل، وكامل التلمسانى، وكان فؤاد كامل واحداً من هؤلاء المثقفين، بل كان أصغرهم.
لم تكن السريالية المصرية نتاج حرب، كما في أوروبا، بل كانت حسب لويس عوض ردا فنيا على معاهدة 1936 التي أدت إلى انفصال السلطة عن الشعب الذى رأى بعد المعاهدة الجمود فى كل شىء، وأن نضاله وكفاحه من أجل التحرر قد تم إحباطهما، فكان لا بد من التحديث، وثورة فى الفكر والفن والحياة تعبر عن الروح المصرية. إنها ليست فقط بشاعة الحرب، ولكن بشاعة الفقر والمرض والجهل.
كان فؤاد كامل في التاسعة عشرة من عمره عندما وقع على بيان «يحيا الفن المنحط» وكان أصغر فنانى الحركة المشاركين فى معرضها الأول، وربما أكثرهم جسارة ومغامرة وقلقا وتمردا وصمتا أيضا فى النقاشات، ولكن صمت التأمل والاستيعاب من أجل وعى جديد. كانت السريالية بالنسبة له «فن جدير بلحظة لم تولد بعد» حاول من خلالها أن يحقق شيئا من رؤى العالم الذي لا يرى، وأن يطأ أرضا لم تلمسها قدم، وأن يحرر – مع رفاقه- ما اعتبروه «خيالا سجينا».
تحرير الخيال السجين اعتبره نقاد الفن وقتها نوعاً من «الشخبطات»، لكن فؤاد دافع عن شخبطاته: «لقد حاولت أن أعبّر عن مشاعر الكرسي عندما تجلس عليه» معتبرا أيضا أن رسالة الفنان التي قد تبقي هى جسارته التى قد يحقق بها -بفضل بقية من ذكاء- شيئًا من رؤى ذلك العالم الذى لا يرى.
لذا عندما شارك فؤاد كامل فى معرض السريالية بباريس عام 1947 جنبا إلى جنب مع بيكاسو وسلفادور دالي وخوان ميرو ومارسيل دو تشامب كتب عنه بول كلى: «إن رؤى فؤاد كامل تمتد من الحاضر عبر الماضي أكثر عمقا، فهو فنان مفتون بتصور أساسى، هو الخلق لذاته، مثله مثل التكوين».
لم تعمر السريالية طويلا، لكنها مهدت طرقا، وحطمت أساطير، وصنعت أساطير أخرى. ظل فؤاد كامل مخلصا- حتى في انتقالاته الفنية- للتجريب، للخروج الدائم بحثا عن المجهول الذي «لايزال» أو لما يسميه الارتجاج، ثم مزيد من الارتجاج: «نعم.. إن الفنان الراهن في حاجة إلى مزيد من الارتجاج» كان يتنقل من أجل استلهام ما يمكن أن نسميه حقائق جديدة.. تختفي في خلايا أو تحت جلودنا.. وتزدهر أحيانًا على هتك النوافذ المغلقة.. فتتيح للعين فضح الفضاء المعتم!
بعد يوليو 1952، فرض الصمت على الجميع، هاجر من هاجر، وبقي فؤاد كامل وحيدا. ظل وحده يمثل «العصر البطولى» حسب تعبير الناقد إيميه آزار.
كان صمته هذه المرة مختلفا عن صمت التأمل.

انتقل الى ما أسماه الفن الأتوماتيكى، تعبيرا عن التداعيات الحرة للأشكال والألوان، ثم إلى التجريد المطلق، جاعلا، كما يقول الناقد عز الدين نجيب «من ضربات فرشاته العريضة الثائرة وبقع ألوانه المتداخلة والمتصارعة بقانون الصدفة، عالما من الصراع الكونى» .. ولكنه حتى فى تجريده المطلق كان يبحث عن نوع جديد من السريالية «ينحو نحو التهويمات الميتافيزيقية فى الكون الخارجى والنفس الداخلية في آن».
حسب إيميه أزار لم يكن هناك انفصام فى كل تحولات فؤاد كامل بل تواصل «تحرر من معوقات الشكلانية كي يختط طريقه في المجال البكر لشاعرية الألوان، ساعيا نحو أسرار الضوء والظل والحقيقة».
كانت عوالم فؤاد كامل الجديدة ضد المعنى، أو ضد البحث عن معنى مباشر، أو موضوع محدد فالمعنى-كما يقول- بداخلنا واللامعنى أيضا.
الفن هنا صراع بين الذات الحرة والعالم الخارجى، ومن هذا الصراع يتوالد المعنى. يكتب في كتالوج أحد معارضه: «عليَّ وحدي أن أنطلق في الظلام، أتضرع إلى الأشكال التي تستيقظ على وحدة نفسية كونية جديدة، لا تحدها مقاييس العقل وأطواق المنطق، تزاوج الطاقة والحركة باختلاجات المادة الصماء، التي تتخلص من الملاحظة الوصفية والمعرفة البصرية».
ولكن لم يكن تحرر فؤاد من المعنى كاملا، ربما لم يستطيع في عالمه التجريدي أن يصبح لا منتميا بشكل كامل، كتب عام 1962 متأملا تجربته الجديدة: «إن كل اتجاه أصيل في كل فن أصيل، يؤدي بطبيعته وظيفته الاجتماعية، سواء اتخذ له موضوعا جاريا واضح المعالم والعناصر ومرتبطا بزمان خاص وبمكان معين، أو لم يسلك هذا السبيل، وعكس الحياة ذاتها عن طريق اللغة الفنية وخلق الصورة في وقت واحد وفي تأثير متبادل، فيقوم العمل الفني ككل بوظيفة إيجاد الوسط الإيقاعي للتعبير المطلق.
هذا، إذا استطاع الفنان والجمهور – بحكم نضج ثقافتهما ووعيهما الفني- التمييز بين التقليد الذي لا يقوم على أسس ابتكارية من التعبير الفني وبين استخدام قوانين البصريات على المظهر الطبيعي للأشياء، دون التضحية بالمبادئ والقيم الدينامية، الخاصة بالعمل الفني الرفيع. ولا يفوتنا أن نذكر أن هذه اللغة الفنية هي أساس الاستجابة والتقدير سواء أكان الفن تجسيديا أم تجريديا».
قبل رحيله بساعات، طلب فؤاد كامل أوراقا وألوانا، تحامل على نفسه وأخذ يرسم، كانت لوحته الأخيرة التي لم تكتمل، كان بالفعل كما عرَّف نفسه «مصورا» حتى النفس الأخيرة.
هذا الملف تحية لـ «فنان الشكل المطلق، والتعبير المجرد الذي تظل لوحاته تصحبنا في رحلة بلا حدود». حسب وصف الناقد الراحل بدر الدين أبو غازي في تقديمه لكتاب «تأملات في الفن» الذي تضمن مقالات فؤاد كامل أو أشعاره التي كان يكتبها عندما لا يجد ثمن الألوان.
محمد شعير
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







