راهبة الزمن الجميل «2 - 2»

أمينة رزق
أمينة رزق


أوضحت أمس أننى رأيت العملاقة أمينة رزق تقف على خشبة مركز الهناجر للفنون بطلة لعرض «الليلة الثانية عشرة» لشكسبير، ورأيت الدموع فى عينيها فى حفل التكريم الذى أقامته لها د.هدى وصفى بمناسبة مرور 78 عامًا على وقوفها لأول مرة على خشبة المسرح فى 14 أكتوبر1924عندما وقفت لأول مرة وهى فى الخامسة عشرة من عمرها أمام يوسف وهبى لتجسد شخصية صبى أعرج فى مسرحية راسبوتين».

فى ليلة الاحتفاء بها فتحت أمينة رزق خزانة الذكريات لتسترجع بداية المشوار، فقالت بحيوية الفتاة التى لا تتجاوز العشرين من عمرها «عندما توفى والدى، تركنا مدينة طنطا واتجهنا إلى القاهرة أنا ووالدتى وجدتى وخالتى أمينة محمد، وأقمنا فى حى روض الفرج الذى كان من أشهر أحياء المسارح والملاهى التى تتراص على ضفاف النيل وتقدم فنونًا متنوعة بين المنوعات والاستكتشات والمسرحيات لكبار النجوم أمثال الريحانى وعلى الكسار، فبدأت أتسلل إلى هذا العالم المبهر الرائع، وحفظت العديد من الأدوار والمواقف وتمنيت أن أكون جزءا من هذا العالم، خاصة بعد أن شاهدت مسرحية «المجنون» لفرقة مسرح رمسيس لصاحبها يوسف وهبى بك، وتمنيت أن أكون ممثلة فى هذه الفرقة وحقق لى يوسف وهبى الحلم عندما أسند إلىّ دور الولد الأعرج فى مسرحية «راسبوتين».
 
وتذكرت الجيل الذى بدأت مشوارها معه فقالت «طبعا كانوا صحبة جميلة، وكان يوسف وهبى حريصًا على أن تكون دعائم فرقته من العناصر المنتقاة بدقة، ليحقق هدفه فى خلق مسرح يحترمه الناس بعد أن دمرت الحرب العالمية الأولى كل تقاليد المسرح، وكان أعضاؤه يقدرون هذا المنهج، وأنا فخورة بأننى كنت إحدى تلميذات مسرح رمسيس، ثم أصبحت من أهم نجماته عندما شاركت يوسف وهبى بك البطولة المطلقة فى مسرحيات من وزن «الذبائح - تيار الملذات- البؤساء- الأغراء- الكونت ديمونت كريستو- البخيل- عطيل - كرسى الاعتراف» وغيرها من روائع المسرح العالمى التى تربى عليها ذوق المتفرج، وكان وقتها يتذوق الحوار الذى نلقيه بالفصحى، بينما الآن يفر الجمهور عندما يسمع أن المسرحية بالفصحى أو أنها مسرحية شعرية، ولابد أن نعترف أن المسرحيين من الأجيال التالية لنا كانوا وراء فساد ذوق المشاهد، والفرق التجارية لعبت الدور الأساسى فى ذلك، وسارت على دربها فرق الدولة غير مدركة أنها فرق صاحبة رسالة!!.

اقرأ أيضًا | «السينما والذكاء الاصطناعي» في صالون ثقافي بالأوبرا

يومها سألتها: ما رأيك فى لقب أم السينما المصرية؟ 
قالت ضاحكة: هذا تكريم لى عما قدمته من أدوار متميزة للأم، أذكر منها فيلم «التلميذة» مع شادية و»بداية ونهاية» مع عمر الشريف و»دعاء الكروان» مع فاتن حمامة، ولكن يجب ألا ننسى أن هناك فنانات أخريات أجدن تجسيد أدوار الأم فى السينما مثل فردوس محمد، وثريا فخرى، وعزيزة حلمى، ويجب ألا نجنبهن حقهن فى حمو حرارة المحبة التى ألقاها منكم، وسألها المخرج جلال الشرقاوى عن الممثلة التى تأثرت بها فى بداية مشوارها فقالت: « تأثرت بلا شك بالفنانة روزاليوسف هى أول من أثرت فى، فهى كانت بطلة فرقة رمسيس وكنت أنا فى بداياتى، فكانت المثل الأعلى بالنسبة لى، على المستوى الفنى والإنسانى.

مازالت المشاهد تتلاحق لتقف بنا عند صالون الأوبرا الثقافى الذى كانت ضيفته، فتركت الحديث عن كل شىء وركزت على ما يكتب فى الصحف والمجلات الفنية على لسان بعض الفنانات اللواتى تحجبن، واعتزلن الفن بزعم أنه حرام ورجس من عمل الشيطان وردة للجاهلية، وانبرت لتفند كل هذه المزاعم بعقلانية وهدوء شديدين، مستندة لما ورد من آيات فى القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وأكد أن الحضارة الإنسانية تقوم وتنهض على رقى ما تبتدعه من ثقافات وفنون تشكل القوة الناعمة لصياغة وجدان الإنسان وتخرجه من جاهليته، ودون أن تتطرق لأسماء، ودون أن توجه اتهامات لأحد ممن روجن ذلك قالت بكل بساطة: «لقد سمعت كلمة هزتنى تقول إن بعض الفنانات تابوا عن الفن، ولا أعرف عن أى شىء يتوبون!!  وللأسف استطاع بعض المتزمتين إقناع بعض الفنانات بالاعتزال، فهل البعد عن الفن توبة؟!

واستطردت تقول «فليسمحوا لى أن أقول لهن جميعا ولمن خرب رؤوسهن بهذا الكلام، لا وألف لا، لأن كل الفنون التى ابتدعها الإنسان منذ فجر التاريخ لم تأت اعتباطًا لأن الإنسان كان يعلم أن لها رسالة تربوية وتنويرية، الفن التنويرى ليس معصية لكى يتوبوا عنه، ويجب ألا نقرن بين الإسفاف والابتذال الذى تقدمه بعض الفرق المسرحية الهزلية التجارية التى تعتمد على مواسم السياحة العربية، ويجب ألا نقرنه أيضا بما نراه من أعمال مبتذلة على الشاشات يسمونها بأفلام المقاولات، الفنون الحقيقية تختلف فى المضمون والهدف والرسالة عن ذلك الغثاء برسالة فنية حقيقية تهذب السلوك والوجدان وتدعو للرقى والانتماء.

كانت كلماتها بمثابة الشرارة التى أشعلت النار، فبدأ فريق من المتزمتين فى مهاجمتها على صفحات الصحف، فلم تصمت، ولم تشعر بالرهبة والخوف، وواصلت الرد للدفاع عن وجهة نظرها، راغبة فى فتح صفحة من الحوار العقلانى، متحدية الجميع بشجاعة المقاتل الجسور، فصمتت الألسنة التى حاولت اختراق صمودها عندما تأكد لها أن أمينة رزق ليس لديها ما تخسره، أو ليس لديها ما تخاف عليه، وبالتالى فمواصلة المعركة معها لن تكون رابحة! وأعتقد أننى أطلت فى سرد المواقف التى تترجم القديرة أمينة رزق كفنانة وإنسانة متواضعة لكنها عنيدة وصلبة وتراكم خبراتها يتيح لها القدرة على المواجهة والتحدى بما تمتلكه من صراحة ووضوح. 

كل الأجيال كانت تنحنى احتراما وتقديرا للقديرة أمينة رزق، كانوا يعتبرونها أستاذة لهم فى فن التمثيل، ومثالا يحتذى به فى الانضباط والتفانى، وبعيدًا عن الفن، كان الجميع يعتبرها أما حقيقية له لما كانت تتمتع به من طيبة قلب وحكمة وخبرة أعوام من الكفاح، وكانوا يطلقون عليها «ماما أمينة» مع أنها عاشت آنسة ولم تتزوج ولم تنجب أولادا، لكنها كانت تتعامل مع الشباب كأم لهم، تنصح وتوجه وتدعم وتساند بكل حب ومودة. 

أسعدتها جائزة الريادة التى نالتها عن مشوارها الفني بعد جائزة الريادة السينمائية، وكانت تفخر وتعتز بوسام الجمهورية الذى حصلت عليه من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والوسام الذى حصلت عليه من العاهل المغربى الملك محمد الخامس، والوسام الذى حصلت عليه من الرئيس التونسى بورقيبة، وشهادة التقدير التى نالتها من المركز الكاثوليكى، وكانت تعتز بوسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من وزارة الثقافة عن دورها فى فيلم «دعاء الكروان»، وكرمها الرئيس محمد أنور السادات بمنحها معاشا استثنائيا، وكرمها الرئيس مبارك بتعيينها عضوًا بمجلس الشورى فى مايو 1991، وكرمتها الحركة المسرحية الكويتية بأن جعلتها رمزًا لإحدى دورات مهرجانها المسرحى، ونالت الكثير من الألقاب التى أسعدتها ومنها «ماما أمينة - سيدة المسرح - عذراء الشاشة - راهبة المسرح» وقالت عندما سألت عن امتناعها عن الزواج «الزواج مملكة كبيرة تريد تفرغاً كاملاً للزوج والأولاد.. وهى مشكلة حيث لا يمكن الجمع بين المسرح والسينما والإذاعة والزواج».
 
بلغ رصيدها الفنى أكثر من ألف عمل منها 200 مسرحية و500 فيلم سينمائى.. والباقى موزع بين أعمال إذاعية وتليفزيونية، ومن أهمها «البؤساء - غادة الكاميليا - الذبائح - كرسى الاعتراف - أولاد الفقراء- عزيزة هانم- مرتفعات وذرينج- أنها حقاً عائلة محترمة- الأرنب الأسود - الليلة الثانية بعد الألف - يا طالع الشجرة»، ومن أهم أفلامها «أريد حلاً - دعاء الكروان - الشيماء- بائعة الخبز- كليوباترا - قلب امرأة - أموال اليتامى - حب وأعداء- نساء محرمات - شياطين الليل - الكيت كات - شارع السد - الشموع السوداء - قنديل أم هاشم - العار - بداية ونهاية - قيس وليلي - الأم - مصطفى كامل - أربع بنات وضابط - الكلام فى الممنوع « ومن أشهر المسلسلات التليفزيونية التى شاركت فى بطولتها «السيرة الهلالية - البيت الكبير- الجدران الدافئة حيث برعت فى أداء أدوار الأم الحنون». 

وغدًا نلتقى بإذن الله مع شخصية جديدة لا تنسى.