«زوينة» ورواية الغربة فى الأدب العربى

محمد جبريل
محمد جبريل


د. محمد عبدالحليم غنيم

تنتمى رواية «زوينة» إلى ما يمكن تسميته برواية الغربة، وهى تختلف عما أُطلِق عليه من قبل رواية الصدام الحضارى بين الشرق والغرب، كـ«عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم و«الحى اللاتينى» لسهيل إدريس و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، و«الساخن والبارد» لفتحى غانم، وغيرها، إننا هنا مع «زوينة» أمام نوع آخر من الغربة، وهو غربة العربى فى وسطه العربى، أو الشرقى بين أهله الذين يتكلمون لغته، فالبطل فى رواية «زوينة» ليس طالب علم يسعى إلى شهادة أو كسب معرفة أو تجربة حياتية جديدة، فيصطدم أثناء ذلك بالآخر حضاريا، ولكننا مع بطل تعلَّمَ وتكوَّن فى وطنه الأول، جاء إلى وطنه الثانىـ إذا جاز التعبيرـ ساعيا وراء لقمة العيش أو بحثا عن الريال على حد قول أحد شخوص الرواية.

وتمثل «الغربة» التيمة المركزية المهيمنة على معظم شخوص الرواية، غير أنها تتجسد بشكل مباشر وموسع فى المروية الرئيسية المهيمنة على الفضاء السردى، أى مروية الراوى/ المشارك وزوينة، فالأول شخصية مجهولة الاسم، بيد أنه معروف الهوية، فهو صحفى وروائى معا، ولعل المؤلف قصد من عدم ذكر اسم البطل تنشيط أفق التوقع لدى القارئ، لإحداث نوع من الالتباس بين شخصية الراوى وشخصية المؤلف الحقيقية محمد جبريل الذى عمل لفترة طويلة فى عمان صحفيا فى جريدة «الوطن»، وكان يمارس كتابة القصة والرواية فى نفس الوقت.

أما الشخصية الثانية «زوينة» فهى فتاة عمانية قدمت من زنجبار، تعمل مضيفة أرضية فى شركة طيران الخليج، وكانت أول شخصية التقاها الراوى عند نزوله لأول مرة أرض عمان.

غربة الراوى واغتراب زوينة
 كان الراوى قبل حضوره إلى عمان يعيش حياة شبه مستقرة، حيث يعمل صحفيا فى جريدة كبرى، ويسكن قلب العاصمة فى ميدان الدقى، إنه لا يعيش فى غربة أو يشعر باغتراب، لقد كانت مشكلته الحقيقية فى ضيق ذات اليد، هذا الضيق الذى يجعله يبطئ فى إتمام الزواج من خطيبته مها، إن غربة البطل واغترابه يبدآن فى الواقع من لحظة مغادرته القاهرة والانتقال بعيدا عنها إلى مكان مغاير ومختلف اختلافا قاسيا إنه انتقال من الصخب والحياة والحركة واعتدال الجو إلى الصمت والسكون والرطوبة والحر الشديد، صحيح أن إحساس الراوى بهذا الجو المغاير يتبدل تدريجيا مع تنامى علاقته بزوينة والشروع فى بناء قصة حب أجهضها المؤلف، لكن يظل الإحساس بالغربة مسيطرا على الراوى.

ويبدو لى أن المؤلف كان واعيا وهو يجعل زوينة تتجلى فيها تيمة الغربة، لذلك جاءت هذه الشخصية أعمق وأكثر صدقا من شخصية الراوى، وهكذا كان من التوفيق والذكاء أن يأخذ عنوان الرواية اسم هذه الشخصية «زوينة»، إنها الفتاة الزنجبارية التى تفقد وطنها «زنجبار» فتطرد منه لتعيش فى مسقط وطنها الأول أو الثانى شكلا، ولكنه فى الواقع ليس وطنها أبدا، إنها فى الظاهر مواطنة عمانية، تحمل جواز سفر عمانى، لكنها من داخلها لا تنتمى إلى ثقافة هذا الوطن وتقاليده، من هنا تجتمع الغربة والاغتراب معا داخل شخصية زوينة، ويصير الأمر أكثر تعقيدا عندما تنجذب أو تحب الراوى (وإن كان المؤلف لم يطور هذا الحب) وهو مصرى أو وافد، فى الوقت الذى يفرض عليها الأهل علاقة شرعية، مثل قيد الحديد، تتمثل فى مشروع خطبتها من ابن عمها زاهر، الذى يعد أكثر اغترابا منها ومن الراوى، حيث يدخل عمان بتأشيرة دخول، لأنه وإن كان عمانيا زنجباريا ليس له حق الجنسية، وعليه لكى يحصل على الجنسية أن يستقر فى عمان ويعمل ويتزوج من «زوينة»، وهو ما لم يحدث، بغض النظر عن الأسباب، لذلك يستمر حبل الوصال ممدودا بين زوينة والراوى إلى انتهاء سنوات الإعارة، فيُجبَر على العودة إلى مصر، ومن ثم يترك زوينة، وهنا يزداد اغتراب زوينة، فقد تركها كل من زاهر والراوى.

وإذا كان الراوى، وقد عاد إلى مصر، يستطيع أن يداوى جراحه بالعودة إلى خطيبته مها، فإن زوينة لا تستطيع مداواة جراحها، بعد أن أجبر زاهر أيضا على عدم البقاء فى مسقط والعودة إلى زنجبار، وإلا فقد عمله هناك، وهذه الرغبة فى الحرص على العمل تؤكد أن المشكلة الحقيقية للشخصيات هى الفقر، فالفقر سبب رئيسى فى الغربة، كما قيل الفقر فى الوطن غربة. 

وقد تجلت براعة المؤلف محمد جبريل الروائية فى توزيع هذه التيمة، أقصد تيمة الغربة المسربلة بالفقر على معظم الشخصيات رئيسية كانت أم ثانوية، سواء كانت نازحة (وافدة) إلى عمان أم مقيمة فيها، فمن الشخصيات النازحة عبدالعال الذى يتحدث عن الموت، وتتكشف لنا مأساته الحقيقية، حيث فى الوقت الذى يشعر فيه بالغربة والوحدة ويحرص على العمل وجمع المال يترك امرأة خائنة هناك فى القاهرة هى زوجته، وشخصية الصحفى الذى يوزع راتبه بين شرب الخمر حتى التسمم، والحرص على إرسال المال إلى أهله فى مصر. ومن الشخصيات المقيمة التى تستحق الوقوف، لأن اغترابها ليس سببه المباشر البعد المكانى أو الفقر، إن اغترابها اغتراب روحى ثقافى فى المقام الأول، أقصد شخصية ناصر التميمى الصحفى العمانى الذى يأتى به صاحب الجريدة إلى الراوى كى يدربه على العمل فى الصحيفة، إن ناصر موزع الجهد والوقت والنفس بين قريته البعيدة وبين المدينة التى يعمل بها، بين تقاليد القبيلة وانطلاق المدينة، فوالده يصر على بقاء ابنه ناصر بجواره فى «قريات» ولذلك لا نعجب عندما يموت ناصر بسبب حادث سير، أثناء عودته إلى قريته، وإن كان هذا الحادث يمثل فى الظاهر السبب المباشر فى موت ناصر إلا أنه فى الوقت ذاته يعد المعادل الموضوعى لاغتراب ناصر وغربته.

البناء الدائرى
يعتمد محمد جبريل فى هذه الرواية بناء دائريا فى عرض الأحداث، إذ تبدأ الرواية من نقطة ليست هى البداية الحقيقة فى المتن الحكائى، فنلتقى مع السطر الأول بالراوى وهو فى الطائرة وهى تكاد تحط على أرض مطار السيب: «تنبهت إلى اقتراب الطائرة من مسقط، حيث أضيئت اللوحة فى أعلى «ممنوع التدخين.. اربط الحزام».

بدت من نافذة الطائرة أضواء الشوارع والدوارات وشعلات البترول، أعددت نفسى للجو الخانق، والرطوبة العالية والصهد اللافح، قال الشيخ حمود النبهانى : أنت تستطيع دخول البلد بأية كمية من النقود أو الذهب أو البضائع، لكنك لا تستطيع أن تدخل بالخمر ولا المخدرات ولا الأفكار المتقدمة. إذا علم الضابط على حقيبتك بالطباشير، فإن من حقك مغادرة المطار إلى داخل المدينة.. علا السلم الآلى ثم انفتح الباب..» (الرواية، ص 10). 

إن هذه الفقرة الاستهلالية ليست هى البداية الحقيقية لمتن الأحداث، إن مضمون هذه الفقرة يشير إلى خبرة المتكلم بجو عمان، لقد أعد نفسه للجو الخانق والرطوبة العالية، والصهد اللافح، كما أنه تحدث مع صاحب الجريدة عن المحاذير، إنها ليست المرة الأولى لسفر الراوى، إنها على الأقل السفرية الثانية أو بعد العودة من أول إجازة، إن جمل مثل: التدخين ممنوع، اربط الحزام، تشير بمفرداتها إلى روافد الغربة والاغتراب التى تعيشها الشخصيات الرئيسية والثانوية فى الرواية.

كما أن جملتى «علا السلم الآلى، ثم انفتح الباب» تشيران بشكل قوى إلى استلاب الراوى، فالسلم يعلو وحده ليجبره على النزول، كما أن الباب يفتح آليا أو يفتح ليبدأ الحكى أو الرواية، ثم تقفل الرواية أو تنتهى الأحداث بالفقرة الأخيرة. 

والراوى معلق أيضا فى الهواء، وقد قفل الباب هذه المرة، قفلا نهائيا ليترك جرحا لن يندمل فى عمان هو قلب زوينة الموزع بين زنجبار ومسقط والقاهرة، لنقرأ فقرة النهاية: «أقلعت الطائرة. فككت الحزام من حول وسطى، وتهيأت لأخذ نسخة من الصحف المصفوفة بالقرب من الباب الأمامى.. بدت مسقط فى صعود الطائرة مناطق متناثرة بين الجبال والصحراء والبحر والزراعات القليلة. ميناء قابوس، وكورنيش مطرح، وألق الأمواج، والجبال المتلاصقة، والقلاع، والطوابى، ومساحات الخضرة المحدودة تضاءلت بارتفاع الطائرة، وشحبت، ثم لم يعد إلا الفراغ المحيط وصوت المحركات والطائرة تخترق أفقا من السحاب الأبيض المتكاثف..» (الرواية، ص 154). 

إن جملاً مثل: أقلعت الطائرة، فككت الحزام، تهيأت لأخذ نسخة من الصحف المصفوفة، تشير بوضوح إلى انطلاق الدائرة وعودة الراوى إلى وضعه الأساسى قبل الذهاب إلى مسقط، فالإقلاع يشير إلى الانطلاق، وفككت يوحى بالحرية، وتهيأت يوحى بالاستعداد والبدء من جديد، لقد ترك الراوى غربته واغترابه خلف ظهره فى مسقط، ترك الغربة والاغتراب لتتجرع سمهما زوينة التى استحق أن يوضع اسمها بامتياز فوق غلاف الرواية.