ياسر جمعة
ترى نفسها فى البيت القديم، بين أناسٍ لا تعرفهم، تبحث فيهم عن ابنتها الرضيعة فلا تجدها، تسألهم عنها ولا أحد يجيب.. كأن لا صوت يخرج منها مع أنها تصيح، تنزعج وتطردهم، لا يتوقفون عن الحديث فيما بينهم والضحك، تبكى وتبحث عنها فى كل الغرف، ولا تجد غير الوجوه الغريبة والتى لا تعرف كيف استطاعوا أن يحتلوا البيت فى وجود أبيها القوى، وتدخل المطبخ فتجد إيمان، زوجها، مشمرًا حتى مرفقيه ويصب أرزًا باللبن فى أطباق متوسطةٍ يقوم برصها بعد ذلك فى صوانٍ دائريةٍ كبيرةٍ، يتهلل وجهه ما إن يراها ويدعوها لتعاونه، تنسى بحثها عن رضيعتها والبكاء وتعاونه، يخرجان بعد قليلٍ وكلٌ منهما يحمل صينيةً عليها عددٌ كبيرٌ من الأطباق، يوزعانها على الغرباء فى الصالة والغرف، يتناولونها سريعًا وينصرفون، ويأتى غيرهم، وترى نفسها تقدم الأطباق تلو الأطباق فى سعادةٍ تزيدها الرائحة الشهية وامتنان الوجوه، ولكنها ما إن تمد إصبعها لتتذوقه حتى تلمح صغيرتها وقد صارت شابةً، تترك الطبق من يدها وتطل من البلكونة القريبة، تجدها قد انضمت إلى مجموعةٍ من الشباب والبنات فى مثل عمرها وركبوا سيارةً دون سقفٍ، تناديها فتلوح لها وتنطلق السيارة، تنظر خلفها لتسأل زوجها متى صارت فريدة كبيرةً هكذا، فترى نفسها ملفوفةً بكفنٍ وهى مسجاةٌ على سجادةٍ متربةٍ وحولها وحتى الأركان خيوط عنكبوت كثيفةٍ، فتصرخ.
يوقظها زوجها ويقدم لها كوب ماءٍ، تأخذ منه رشفةً صغيرةً وتعود للنوم، وما تلبث أن تفتح عينيها فى الظلام الشفيف.. ترى دفترها الأحمر، الذى نقله زوجها من السرير إلى الكمودينو وهى نائمةٌ، تعتدل وتضىء الأباجورة المجاورة لها، تجده مفتوحًا على آخر ما قرأته من يومياتها القديمة قبل النوم، تحمله وتمر عيناها على الكلمات:
أخبرت فريدة اليوم أنها تناولت أول رضعةٍ منى بعد ساعةٍ بالضبط من ولادتها، فنظرتْ إلى ثديَى ثم إلى نفسها، وما لبثت أن ضحكت وهى تحرك كفها الصغيرة على صدرها وتقول «فيش» ثم وهى تشب «أنا بابا» بعد ذلك انشغلت بالمكعبات فدخلتُ المطبخ، وعندما عدتُ لم أجدها حيث تركتها فى الصالة، انخلع قلبى حرفيًا وخفتُ أن تكون قد فتحت الباب وخرجت، رغم أنها لا تطال مقبض الباب بعد، واتصلت بإيمان وأنا أبكى، فضحك وقال ابحثى عنها تحت السرير، وكانت فعلاً هناك.
تبتسم وتقلب الصفحة:
أرسلتُ للجريدة هذا الأسبوع، بالخطأ، رسالةً كنت قد كتبتها وأنا فى السابعة من العمر، أطلب فيها من الله قائمةً طويلةً، أهمها أن يزداد حجم رأسى كى أستطيع أن أحفظ فيها كل دروس المدرسة والحكايات التى يحكيها لى بابا، والتى كنت أنساها مباشرةً فلا يبقى منها غير هذا الغموض الذى ما زال يسحرنى حتى الآن، وأن يخلق لى عشرة ألسنةٍ كى أتحدث مع أكثر من واحدٍ فى الوقت نفسه، ونُشر بدلاً من مقالى الأسبوعى قبل أن أتدارك الأمر، الغريب أن الكل أشاد به كما لم يحدث أبدًا مع مقالاتى وقصصى كلها.
تقلب الصفحة وهى تمسك الهاتف كى تتصل بفريدة الصغيرة لتطمئن عليها:
جذبنى من كفى متراجعًا فى خطواتٍ بصيرةٍ، غمرتنى الرغبة من الشوق فى عينيه، قاومتُه، ضحكَ، أخبرته أنى مشغولةٌ، رفع كفى الأيمن وقبله، ذكرته بما يجيب أن يقوم به، قال بحب عينيكِ، ضحكتُ، بحب شفتيكِ، تنهدتُ، بحب عنقكِ، تسارعتْ دقات قلبى، بحب... وعبر بى من الصالة إلى الغرفة، سحبتُ يدى وأطفأتُ النور، دار بى وأضاءه، اعترضتُ، حرر كفى، تراجعتُ خطوةً فوقعتُ على السرير، لم يمهلنى حتى أقفَ مرةً أخرى وتنظر إلى زوجها النائم بجوارها مبتسمةً، وتغير رأيها عندما تلاحظ أن الوقت ما زال مبكرًا، وتركن الهاتف على الكمودينو وتقلبُ الصفحة وتقرأ قبل أن تغرق فى النوم ثانيةً ويسقط الدفتر على صدرها:
الرجل الذى رفضه أبى مرارًا، بعد زواجنا بشهورٍ، صار صديقه الأقرب.. يتصل به إن غاب عنه أيامًا، هو الذى لا يحب حديث الهواتف ويقول عنه ماسخًا، ولا ينتهى بينهما السمر والحكايات، ينعزلان عنا فى البلكونة أثناء زيارتنا الأسبوعية، وإن لم يسمح لهما الجو فى الشتاء، تأخذهما الأحاديث - التى تنير وجه أبى وتبهجه - حتى ينسيا وجودنا.. يفيض أبى فى سرد أحداث عمره التى واكبت ملكًا وأربعة رؤساءٍ حتى الآن، ويجاريه إيمان زوجى ويشتبك معه وكأنه عاش مثله كل التفاصيل، وإن تأخر لسببٍ أو آخر، أو تعذر ذهابه معنا، يغتمُّ، ولا يهتم بفريدة الصغيرة، معبودته والمتميزة عنده دونا عن باقى أحفاده، وكأنه لم يرها، فتنبهه الجدة - أمى- التى أشعر أنها تغار أحيانًا من حبه لزوجى وتقارن دائمًا بينه وبين أخوَى، فيناديها يا جميلتى، كما كان ينادينى صغيرةً، ويندمجان حتى ينسانا بها، وكثيرًا ما ينسى نفسه فيقلد طريقتها العجيبة فى الكلام.
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







