خواطر الشعراوى| تمحيص المدافعين عن الحق

 الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 251: «فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ « قائلا: فى بداية الإسلام كانت الدولتان العظيمتان هما الفرس فى الشرق، والروم فى الغرب. وإن قول الله تعالى: «وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض».

جاء تعقيبا على قصة الصراع بين بنى إسرائيل وبين أعدائهم الذين أخرجوهم من ديارهم وعندما نتأمل هذه القصة من بدايتها نجد أنهم طلبوا أولا من الله الإذن بالقتال، وبعث الله لهم ملكا ليقاتلوا تحت رايته؛ وكانت علامة هذا الملك فى الصدق أن يأتى الله بالتابوت. ثم جاءت قضية اجتماعية ينتهى إليها الناس عادة بحكيم الرأى ولو بدون الوحي، وهى أن الإنسان إذا ما أقبل على أمر يجب أن يعد له إعداداً بالأسباب البشرية، حتى إذا ما استوفى إعداده كل الأسباب لجأ إلى معونة الله، لأن الأسباب كما قلنا هى من يد الله، فلا ترد أنت يد الله بأسبابها، لتطلب معونة الله بذاته، بل خذ الأسباب أولا لأنها من يد ربك.

اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوى يكتب : نصر الله للمؤمنين

ويعلمنا الحق أيضا أن من الأسباب تمحيص الذين يدافعون عن الحق تمحيصا يبين لنا قوة ثباتهم فى الاختبار الإيماني؛ لأن الإنسان قد يقول قولاً بلسانه؛ ولكنه حين يتعرض للفعل تحدثه نفسه بألا يوفي، وقد نجح قلة من القوم فى الابتلاءات المتعددة. وفعلا دارت المعركة؛ وهزم هؤلاء المؤمنون أعداءهم، وانتصر داود بقتل جالوت.

إذن فتلك قضية دفع الله فيها أناسا بأناس، ويطلقها الحق سبحانه قضية عامة «وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض»، فالدفع هو الرد عن المراد، فإذا كان المراد للناس أن يوجد شر، فإن الله يدفعه. إذن فالله يدفع ولكن بأيدى خلقه، كما قال سبحانه:»قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ» «التوبة: 14».إنه دفع الله المؤمنين ليقاتلوا الكافرين، ويعذب الحق الكافرين بأيدى المؤمنين.

اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوى | المقدسات مصدر سكينة

وعندما نتأمل القول الحكيم: «وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض» فإننا نجد مقدمة سابقة تمهد لهذا القول، لقد أُخرجوا من ديارهم وأبنائهم، فكان هذا هو مبرر القتال. وتجد آية أخرى أيضا تقول: «الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» «الحج: 40».

والسياق مختلف فى الآيتين، السياق الذى يأتى فى سورة البقرة عن أناس يحاربون بالفعل، والسياق الذى يأتى فى سورة الحج عن أناس مؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم المستضعفون من مكة لينضموا إلى أخوتهم المؤمنين فى دار الإيمان ليعيدوا الكرة، ويدخلوا مكة فاتحين.

صحيح أننا نجد وحدة جامعة بين الآيتين. وهو الخروج من الديار. إذن فمرة يكون الدفاع بأن تَفِرَّ لَتِكِرّ.. أى أن تخرج من ديار الكفر مهاجراً لتجمع أمر نفسك أنت ومن معك وتعود إلى بلدك مقاتلاً فاتحاً، ومرة يكون الدفاع بأن تقاتل بالفعل، فالآية التى نحن بصدد خواطرنا عنها هنا تفيد أنهم قاتلوا بالفعل، والآية الثانية تفيد أنهم خرجوا من مكة ليرجعوا إليها فاتحين، فالخروج نفسه نوع من الدفع، لماذا؟ لأن المسلمين الأوائل لو مكثوا فى مكة فربما أفناهم خصومهم فلا يبقى للإسلام خميرة، فذهبوا إلى المدينة وكوّنوا الدولة الإسلامية ثم عادوا منتصرين فاتحين: «إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح» «النصر: 1».

إن السياق فى الآيتين واحد ولكن النتيجة تختلف، هنا يقول الحق: «وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض» لماذا تفسد الأرض؟ لأن معنى دفع الله الناس بعضهم ببعض أن هناك أناساً ألفوا الفساد، ويقابلهم أناس خرجوا على من ألف الفساد ليردوهم إلى الصلاح. ويعطينا الحق سبحانه وتعالى فى الآية الثانية السبب فيقول: «وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً» «الحج: 40».

والصوامع هى ما يقابل الآن الدير للنصارى وكانوا يتعبدون لله فيها، لأن فيه متعبداً عَمِلَ بالتكليف العام؛ ومتعبداً آخر قد ألزم نفسه بشيء فوق ما كلفه الله به. فالذين يعبدون الله بهذه الطريقة يجلسون فى أماكن بعيدة عن الناس يسمونها الصوامع، وهى تشبه الدير الآن. والمعنى العام فى التعبد للنصارى هو التعبد فى الكنائس وهو المقصود بالبيع، والمعنى الخاص هو التعبد فى الصوامع.

إذن «لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ» هذه لخاصة المتدينين، وكنائس أو بيع لعامة المتدينين. وقول الحق: «وَصَلَوَاتٌ»، من صالوت، وهى مكان العبادة لليهود، و»وَمَسَاجِدُ» وهى مساجد المسلمين..

إن قوله تعالى: «لَفَسَدَتِ الأرض» فى هذه الآية، وقوله تعالى هناك «لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ» أى أنه ستفسد الأرض إذا لم تقم الصوامع والبيع والصلوات والمساجد؛ لأنها هى التى تربط المخلوق بالخالق. وما دامت تلك الأماكن هى التى تربط المخلوق بالخالق فإن هدمت.. يكون الناس على غير ذكر لربهم وتفتنهم أسباب الدنيا.