خواطر الشعراوى يكتب : نصر الله للمؤمنين

محمد متولي الشعراوي
محمد متولي الشعراوي


يبدأ الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 250 من سورة البقرة «وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ» بقوله: هذه هى الشحنة الإيمانية لمن يريد أن يواجه عدوه فهو ينادى قائلا: «رَبَّنَآ» إنه لم يقل: يا الله، بل يقول: «رَبَّنَآ»؛ لأن الرب هو الذى يتولى التربية والعطاء، بينما مطلوب (الله) هو العبودية والتكاليف؛ لذلك ينادى المؤمن ربه فى الموقف الصعب (يا ربنا) أى يا من خلقتنا وتتولانا وتمدنا بالأسباب، قال المؤمنون مع طالوت: «رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا».

وعندما نتأمل كلمة «أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا» تفيدنا أنهم طلبوا أن يملأ الله قلوبهم بالصبر ويكون أثر الصبر تثبيت الأقدام «وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا» حتى يواجهوا العدو بإيمان، وعند نهاية الصبر وتثبيت الأقدام يأتى نصر الله للمؤمنين على القوم الكافرين، وتأتى النتيجة للعزم الإيمانى والقتال فى قوله الحق: «فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ الله...».

اقرأ أيضًا | استهزاء بميثاق غليظ والعلماء: الطلاق «الصورى» من أجل المعاش «حرام»

ويواصل فى الآية 251: «فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ» قائلا: إن الحق يبلغنا أنه قد نصر المؤمنين به.

ويجيء الحق بكلمة «هَزَمُوهُمْ» وهى تدل على فرار من كان يجب أن يكون مهاجما.

والمحارب يجب أن يكون مهاجما كارًا دائما، فحين يلجأ إلى أن يفر، هنا نتوقف لنتبين أمره، هل هذا الفِرار تحرفا لقتال وانعطافا وميلا إلى موقف آخر هو أصلح للقتال فيه؟ لو كان الأمر كذلك فلا تكون الهزيمة، لكن إذا كان الفِرار لغير كَرٍ ومخادعة للعدو بل كان للخوف هنا تكون الهزيمة.

وقول الله: «فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ الله» يدل على أن جنود جالوت لم يُقتلوا كلهم، ولكن الذين قُتلوا هم أئمة الكفر فيهم، بدليل قوله بعد ذلك: «وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ». وجالوت هو زعيم جيش الكفار الذى هرب، فطارده داوود وقتله.

ولأول مرة يظهر لنا اسم «دَاوُودَ» فى هذه القصة الطويلة، وهو اسم لم يكن عندنا فكرة عنه من قبل، وستأتى الفكرة عنه بعد هذه القصة فى قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يا جبال أَوِّبِى مَعَهُ والطير وَأَلَنَّا لَهُ الحديد أَنِ اعمل سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِى السرد واعملوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» «سبأ: 10-11». إذن فبداية داوود جاءت من هذه المعركة بعد قتل جالوت، وكان «دَاوُود» أخًا لعشرة وهو أصغرهم، وقال النبى للقوم: إن من يدخل المعركة ضد جالوت لا بدَّ أن يأتى درع موسى على مقاسه، وهنا استعرض والد «دَاوُودَ» الدرع على جميع أبنائه، فلم يأت على مقاس أى واحد منهم إلا على أصغرهم، وهو «دَاوُود». جاء الدرع على مقاسه، ودخل «دَاوُود» المعركة فقتل جالوت قائد المشركين، وشاءت حكمة الله أن يكون أصغر المؤمنين هو الذى يقتل كبير جيش المشركين.

كانت هذه المعركة بداية تاريخ داود، وقد جاءت له هذه المعركة بالفتح العظيم، ثم أنعم الله عليه بالملك والحكمة وجعل الجبال والطير تردد وترجع معه تسبيح الله وتنزيهه، كل ذلك نتيجة قتل جالوت.

وأحب داوود الدرع وصار أمله أن يعلمه الله صناعة الدروع، ولذلك لم يتخذ صنعة فى حياته إلا عمل الدروع. وجعل الله له الحديد لينًا ليصنع منه ما يشاء كما جاء فى قوله تعالى: «وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ» «الأنبياء: 80». وهذا دليل على أن الإنسان يحب الشيء الذى له صلة برفعة شأنه.

ولقد كان قتل جالوت هو البداية لداوود. «وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ الله الملك والحكمة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين» إن الحق يأتى هنا بقضية كونية فى الوجود، وهى أن الحرب ضرورة اجتماعية، وأن الحق يدفع الناس بالناس. وأنه لولا وجود قوة أمام قوة لفسد العالم؛ فلو سيطرت قوة واحدة فى الكون لفسد.

فالذى يعمر الكون هو أن توجد فيه قوى متكافئة؛ قوة تقابلها قوة أخرى. ولذلك نجد العالم دائما محروسا بالقوتين العظميين، ولو كانت قوة واحدة لعم الضلال. ولو تأملنا التاريخ منذ القدم لوجدنا هذه الثنائية فى القوى تحفظ الاستقرار فى العالم.