يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: «إذن فوجود النفاق فى المدينة كان ظاهرة صحية تدل على أن الإيمان أصبح قويا بحيث يدعيه مَنْ ليس عنده إسلام. وهؤلاء كانوا يقولون قولًا حسنًا جميلًا، وقد يفعلون أمام من ينافقونه فعلًا يُعجب مَنْ يراهم أو يسمعهم، ولكنهم لا يثبتون على الحق، فإذا ما تولوا، أى اختفوا عن أنظار مَنْ ينافقونه رجعوا إلى أصلهم الكفري، أو إذا ائتمنوا على شيء فهم يسعون فى الأرض فسادًا.
والآية هنا تتعرض لشيء يدل على فطنة المؤمنين، إن الآية فضحت مَنْ نافق وكان الأخنس عمدة فى النفاق، وفضيحة المنافق بهذه الصورة، تدل على أن وراء محمد ووراء المؤمنين بمحمد، ربًَّا يخبرهم بمَنْ يدلس عليهم، وأيضًا ينبههم لضرورة أن تكون لهم فطنة بدليل قول الحق: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم ...﴾
ولا يقال له اتق الله إلا إذا كان قد عرف أنه منافق، وما داموا قد قالوا له ذلك فهذا دليل على أن فطنتهم لم يجز عليها هذا النفاق. ونفهم من هذه الآية أن المؤمن كَيِّس فطن، ولابد أن ينظر إلى الأشياء بمعيار اليقظة العقلية، ولا يدع نفسه لمجرد الصفاء الربانى ليعطيه القضية، بل يريد الله أن يكون لكل مؤمن ذاتية وكياسة.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله﴾ فكأن المظهر الذى يقول أو يفعل به، وينافى التقوى؛ لأنه قول معجب لا ينسجم مع باطن غير معجب، صحيح أنه يصلى فى الصف الأول، ويتحمس لقضايا الدين، ويقول القول الجميل الذى يعجب النبى ويعجب المؤمنين، لكنه سلوك وقول صادر عن نية فاسدة. ومعنى «اتق الله» أى ليكن ظاهرك موافقًا لباطنك، فلا يكفى أن تقول قولًا يُعجب، ولا يكفى أن تفعل فعلًا يروق الغير؛ لأن الله يحب أن يكون القول منسجمًا مع الفعل، وأن يكون فعل الجوارح منسجمًا مع نيات القلب.
إذن، فالمؤمن لابد وأن تكون عنده فطنة، وذكاء، وألْمعِيَّة، ويرى تصرفات المقابل، فلا يأخذ بظاهر الأمر. ولا بمعسول القول ولا بالفعل، إن لم يصادف فيه انسجام فعل مع انسجام نية. ولا يكتفى بأن يعرف ذلك وإنما لابد أن يقول للمنافق حقيقة ما يراه حتى يقصر على المنافق أمد النفاق، لأنه عندما يقول له: «اتق الله» يفهم المنافق أن نفاقه قد انكشف، ولعله بعد ذلك يرتدع عن النفاق، وفى ذلك رحمة من المؤمن بالمنافق.
وكل مَنْ يرى ويلمح بذكائه نفاقًا من أحد هنا يقول له: «اتق الله» فالمراد أن يفضح نفاقه ويقول له: «اتق الله». فإذا قال له واحد: «اتق الله» وقال له آخر: «اتق الله»، وثالث، ورابع، فسيعرف تماما أن نفاقه قد انكشف، ولم يعد كلامه يعجب الناس.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم﴾، وتقييد العزة بالإثم هنا يفيد أن العزة قد تكون بغير إثم، ومادام الله قد قال: ﴿أَخَذَتْهُ العزة بالإثم﴾، فهناك إذن عزة بغير إثم. نعم، لأن العزة مطلوبة للمؤمن والله عز وجل حكم بالعزة لنفسه وللرسول وللمؤمنين: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ «المنافقون: ٨» وهذه عزة بالحق وليست بالإثم. وما الفرق بين العزة بالحق وبين العزة بالإثم؟ ولنستعرض القرآن الكريم لنعرف الفرق.
ألم يقل سحرة فرعون: فيما حكاه الله عنهم: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون﴾ «الشعراء: ٤٤» هذه عزة بالإثم والكذب. وكذلك قوله تعالى: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ «ص: ٢» وهى عزة كاذبة أيضا أما قوله عز وجل:﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ﴾ «الصافات: ١٨٠».
القوة الرشيدة تحمى الأوطان| امتلاك عناصر التقدم توجيه ربانى لحفظ الاستقرار
الولاية أمانة لا وسيلة للتكسب| العلماء: استغلال الأطفال فى صناعة المحتوى الرقمى لا يجوز
التعدى على الممتلكات العامة .. جريمة فى حق المجتمع






