القوة الرشيدة تحمى الأوطان| امتلاك عناصر التقدم توجيه ربانى لحفظ الاستقرار

د. محمود الهوارى - د. فودة السيد - د. عمرو شاويش
د. محمود الهوارى - د. فودة السيد - د. عمرو شاويش


أكد الرئيس عبد الفتاح السيسى، خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية، أن امتلاك الدولة لعناصر القوة ليس غاية فى حد ذاته، وإنما هو وسيلة لحماية الأمن القومي، وصون مقدرات الوطن، والحفاظ على السلام والاستقرار فى منطقة تموج بالتحديات والمتغيرات، ويأتى هذا التوجه متسقًا مع الهدى القرآنى فى قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾،

حيث يدعو الإسلام إلى الأخذ بأسباب القوة والإعداد الشامل، بما يحقق الردع ويحفظ الحقوق ويمنع العدوان، دون أن ينفصل ذلك عن قيم الرحمة والعدل والسلام، ومن هنا يبرز التساؤل حول الرؤية الدينية والوطنية لمفهوم القوة الرشيدة، ودورها فى حماية الأوطان وترسيخ الأمن والاستقرار..

عن هذا يؤكد د. محمود الهوارى، الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، أنه فى كثير من آيات القرآن الكريم أسرار تحتاج إلى نفس رقيق ونظر دقيق ليدركها، ومنها قول الله تعالى فى سورة الأنفال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. فالناظر المتعجل إلى ظاهر الآية قد يرى فيها أمرًا إلهيًا بإعداد القوة فحسب!

ولكن من دقق النظر يرى أن المقصود من الآية أن يعد المسلمون قوة، ولكنها ليست كأى قوة، وإنما قوة رشيدة، وقوة محاطة بسور من الآداب والأحكام، فهذه القوة الرشيدة المطلوبة شاملة، وأعنى بشمولها أنها تشمل إلى جنب القوة العسكرية القوة العلمية والاقتصادية والثقافية والدبلوماسية، وتتجاوز قوة الرمح والسيف فى الزمن القديم لتشمل قوة الدبابة والصاروخ وقوة التقنية والتكنولوجيا وقوة المعرفة فى زماننا هذا.

وهذه القوة الرشيدة التى يجب على الأمة أن تسعى لامتلاكها ليست مظهرًا من مظاهر الفخر فحسب، بل هى قوة ردع لمن تسول له نفسه الاعتداء على الأمة، فكأنها قوة تسعى لصناعة السلام وإقراره، ولا تطلب الحرب ولا الاعتداء، وفى قوله سبحانه وتعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾، بيان لهذا المعنى، فعندما يرى الطامعون أن الوطن يمتلك قوة تحميه وتصون مقدراته، يتراجعون عن فكرة الاعتداء، وبذلك تكون القوة أداة لحقن الدماء وحفظ السلام، لا لإشعال الحروب.
ويضيف أنه فى أحوال رسول الله  وغزواته وتوجيهاته ما يؤكد أن الحرب فى الإسلام كانت حربًا رحيمة، فالقوة ليست اعتداء، ولكنها نوع من الردع النفسي؛

وهذه القوة المطلوبة لا تنتهى عند أدوات أو منتجات معينة، فقول الله تعالى: ﴿مَا اسْتَطَعْتُم﴾ يؤكد أن الأمة مطالبة دائمًا وفى كل زمان باستفراغ الجهد والاعتماد على العلم والتخطيط المنظم لإنتاج القوة، مما يخرجها من العشوائية إلى الرشاد.

ومما ينبغى أن يذكر أن الإسلام فى الوقت الذى يأمر فيه الأمة بأن تكون لها قوة تحميها، يؤكد أن الغاية الكبرى إقرار السلام لا صناعة الحرب، لذلك يقول سبحانه وتعالى عقب آية الأمر بإعداد القوة: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يعنى إذا مال الطرف المحارب إلى إنهاء الصراع فالواجب ترك الحرب واللجوء إلى السلام.

يضيف د. فودة السيد، من علماء الأوقاف، أن الإسلام لم يجعل القوة وسيلة للعدوان أو الهيمنة، وإنما جعلها وسيلة لحماية الأوطان وصيانة الإنسان وحفظ الأمن والاستقرار، ومن هنا توظف الوزارة جميع منابرها الدعوية، من خطبة الجمعة والدروس والقوافل الدعوية والندوات والملتقيات الفكرية، لتصحيح المفاهيم المغلوطة التى حاولت جماعات التطرف أن تروج لها، وتبين أن القوة فى الإسلام قوة منضبطة بالأخلاق والقيم والرحمة والعدل.

ويشير إلى أن المنابر الدعوية تؤكد دائمًا أن الدفاع عن الوطن واجب شرعي، وأن الحفاظ على مؤسسات الدولة وحماية مقدراتها من مقاصد الشريعة، وأن الجندى الذى يرابط دفاعًا عن وطنه يؤدى رسالة عظيمة، كما أن المعلم والطبيب والعامل والباحث كلهم شركاء فى بناء قوة الوطن، وتقدم وزارة الأوقاف مفهومًا رشيدًا للقوة، يجمع بين حماية الأوطان وبناء الإنسان، ويجعل من القوة طريقًا لتحقيق الأمن والاستقرار وصناعة السلام، لا وسيلة لإشعال الصراعات أو نشر الفوضى.

ويوضح د. عمرو شاويش، الأستاذ بجامعة دمنهور، أن الإعلام الوطنى والتكنولوجيا الحديثة يمثلان خط الدفاع الأول فى بناء الوعى العام، خاصة عند تناول المشروعات القومية والمؤسسات الاستراتيجية التى تمثل ركائز الأمن القومى والتنمية الشاملة. فالتغطية المهنية لا تقوم على الترويج، وإنما على نقل الحقائق بالأرقام والوثائق والصور الميدانية، مع إتاحة المعلومات الصحيحة للرأى العام فى توقيت مناسب،

بما يعزز ثقة المواطنين فى مؤسسات دولتهم، كما أن توظيف المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعى وتحليل البيانات يسهم فى كشف الشائعات والرد عليها بسرعة واحترافية، مع إنتاج محتوى مبسط يشرح للمواطن أهداف هذه المشروعات وعوائدها الاقتصادية والاجتماعية.
حسام بركات