موتٌ مؤجل

صورة موضوعية
صورة موضوعية


طارق إبراهيم الشناوى

منذ عدة شهور، لم أخط حرفاً، للدقة، لم أستخدم لوحة مفاتيح حاسوبى الشخصى كى أكتب قصة جديدة. ماذا حدث لى؟ هل نضب المعين؟ اليوم، قررتُ أن أكتب قصة جديدة، ليس من المهم أن تكون قصة جيدة، سأعتبرها نوعاً من تمارين الكتابة. المهم أن أجد فكرة، أى فكرة.

أمارس الطقوس المعتادة؛ انتظرتُ حتى نام الجميع، أعددتُ لنفسى مشروباً دافئاً، وجلستُ على أريكتى المفضلة بغرفة المعيشة، وبحثتُ فى قنوات التلفاز حتى وجدت تسجيلاً لإحدى حفلات أم كلثوم. كانت (الست) تشدو متمايلة فى طرب، وهى تهدد حبيبها بأنها ستتركه للزمن، حتى يقتص لها منه، على يمينها، يجلس عازف القانون، وعلى يسارها يجلس عازف العود، يحدق فى الفراغ الذى أمامه، ولا ينظر إلى (الست) ولا إلى الجمهور.

يحتضن عوده، يضرب أوتاره بطريقة ميكانيكية، ولا يبدو حتى أنه يتابع سير الألحان، يرتدى سترة بيضاء، وعوينات غليظة، وله شارب قصير يذكرنى بشارب هتلر. كان عازف القانون مندمجاً وهو يعزف بعض التقاسيم، ثم يقف ليتلقى تحية الجماهير، يرتدى هو أيضاً سترة بيضاء، وكذلك عازف الكمان، الذى سرعان ما أتى دوره فى العزف المنفرد، وتلقى التحية.

كادت الأغنية أن تنتهى، ويبدو أن عازف العود العجوز لن يأتى دوره أبداً، وفجأة، انطفأتْ كل الأنوار، وتوقفتْ (الست) عن الغناء. هل انقطعتْ الكهرباء؟ بعد لحظات من الصمت، اعتادتْ عيناى الظلمة، وأحسستُ بخطوات بطيئة، منتظمة، قادمة من الممر، دق قلبى فى عنف، ولكننى حدثتُ نفسى بأنها زوجتى، أو أحد الأولاد، فى طريقه إلى المطبخ أو الحمام، لم تتوقف الخطوات، ورأيتُ ما يشبه الطيف، كان هو، عازف العود، قصير القامة، يرتدى ذات السترة البيضاء، وتحتها قميص أبيض، وربطة عنق على شكل الفراشة، اقترب منى، ولم يكن ينظر إلىّ، يبدو أنه يعرف طريقه جيداً، جلس بجانبى على الأريكة، ووضع إحدى قدميه فوق الأخرى، وأمسك عوده بحنو، وبدأ يدندن بالألحان.

كان صوت العود خافتاً، ولكنه مسموع بوضوح وسط هذا الصمت المطبق، كان اللحن مألوفاً لى، لقد سمعته من قبل ولكننى لا أتذكر اسم الأغنية. حاولتُ أن أتكلم، ولكن صوتى لم يخرج، وخشيتُ أن أقاطع العزف، انسابتْ النغمات إلىّ، حزينة، شجية، صادرة من أعماق روح تتعذب، مددتُ يدىّ أتلمس الشىء الجالس بجوارى، ولكننى لم أجد شيئاً. توقف العوَّاد عن العزف، وبدون أن يلتفت لى، سألنى:

ما رأيك؟
هل تعرف، لقد لحنتُ لـ(الست) أكثر من سبعين أغنية، آخرها هذا اللحن، ثم، وأنا فى قمة مجدى الفنى، بدأتْ ترفض ألحانى الجديدة لها، وتأخذ منى كلمات الأغانى وتعهد بها إلى ملحنين آخرين، يرضون رغباتها فى التطريب، والآهات، والليل والعين، ولما عرف الجميع أن (الست) لم تعد تعجبها ألحانى، رفضونى هم أيضاً، ولم يعد أحد يطلبنى، حتى فقدتُ الثقة فى نفسى، ولم أجد ما أتكسب منه، أنا وأسرتي، سوى أن أعمل عازفاً خلف (الست). وأنت، ماذا كنت ستفعل لو كنت مكانى؟ 

أنت كاتب، أليس كذلك؟ هل تكتب أشعاراً مثل رامى؟ أم أنك تكتب قصصاً وروايات؟ أرنى ماذا كتبتَ، إن صفحتك ما زالتْ بيضاء يا صديقى، لم تكتب شيئاً بعد؟ ألا تجد فكرة؟ هل هجرك شيطان الشعر؟ أم جنية الحواديت؟ هل تعرف، الموسيقى أيضاً تأتى من السماء، ويبدو أن السماء التى كانتْ تلهمنى قد هجرتنى. لقد انتهيتُ يا صديقى.

تهدج صوت جليسى، وانسابتْ بعض قطرات الدموع من عينيه، فخلع عويناته السميكة، ومسح دموعه بمنديله القماشى الأبيض، قبل أن يتمالك نفسه، ويهب واقفاً، ممسكاً بعوده، وبدون أن ينظر إلىَّ، وبدون أن يودعنى، ذهب مثلما جاء. حاولتُ أن أنادى عليه، وأن أستبقيه قليلاً، فما زال لدىَّ الكثير لكى أقوله له، فى الحقيقة، أنا لم أقل له شيئاً، ولكننى لم أستطع. ساد السكون، ومع اختفاء سترته البيضاء، عمَّ الظلام مرة أخرى.

غرقتُ فى خواطرى، هل أنا أيضاً..؟ لم أستطع أن أنتزع من تفكيرى اللحن الذى كان يدندن به على العود، وضعتُ يدىّ على أذنىَّ، ولكن بلا فائدة، اللحن يتردد من الداخل.

حاولتُ أن أقوم من مكانى، ولكننى أحسستُ بأننى أزن أطناناً، أو أن شيئاً ما يجثم فوق صدرى، ويمنعنى من القيام، حاولتُ وحاولتُ، وأحسستُ بصدرى يضيق وأنفاسى تختنق، وفجأة، عاد الضوء، وعادتْ (الست) تهدد وتتوعد، بحثت عنه، حتى رأيته يجلس خلفها، هو هو، منحنياً، منكسراً، لا ينظر إلى أحد، يعزف أو ربما لا يعزف، فلا شىء يهم، فلم يعد يأبه له أحد، ولم يعد يسمعه أحد.