ابتسامة تتسع لتختفى

صورة موضوعية
صورة موضوعية


غـادة نبيـل

من يستطيع وضع تاييس وشويكار ومادونا وسعاد حسنى وعلكة تشيكلتس ومسنجر وحدوتة روميو وجولييت (دون تسمية الأخيرة، لكن بدموية مغزى القدر فيها) وبازولينى ومستر كيرميت وبوذا ومِنَّة شلبى ومونيكا بيلوتشى ولاو تزو وياسين التهامى والسيكلوب وتالوشا وشالوشا وثالوثا فى رواية واحدة سوى شريف صالح؟

اخترْ كيف تريد استقبال وفهم «ابتسامة بوذا» لمؤلفها الروائى شريف صالح، الصادرة عن دار خطوط وظلال (عمّان، الأردن، 2023).. فمثلا يمكن رؤيتها كرواية رحلة كما يمكن عدم تصنيفها.

كيفما كان، سترى بوضوح حرص لغتها على صرامة عدم الزخرفة، والنقطة الأهم التى راقت لى كقارئة هى عدم تفخيخ السرد بما يخلق متاهات يتعذر تفكيكها للقارئ المستسلم تماما لإرادة الكاتب (بتواطؤ منه طبعا)، أو استدراج القارئ لمنطقة تتجاوز اللعب وتكشُّفاته الحكيمة بما يخلق ضجرًا محتملا للقارئ نفسه، أو قد ’يعتدى’ عليه كما قد يحدث لرهينة مختطَفة، بدفع سيكولوجية ذلك القارئ وأعصابه إلى هاوية من أرض غير مستوية أصلا، والهاوية التى أعنيها هى تقريب بطل العمل أحيانا من نموذج البطل الضد أو ليحيله إلى ما قد نستشعره كذلك. 

المراوغات الفنية تظل متسيدة بلا حبس للقارئ حد الاختناق بحيث لا تشعر فى الرواية بتعليق أو إجهاض كل المعانى (هذه إحدى تقنيات الزعزعة النفسية والانقلابية التى قد يستهدفها البعض).

يمكن، كما نرى رموزا دينية يتم إبعاد دلالتها برفق عن مدارات الاستفزاز والسخرية والخدش- مع الاكتفاء بالإلماح لذلك- لكى يمضى الكاتب فى مسرودته بتفريعاتها دون تلغيم مسار البطل « مار». 

لا يعرف مار أنه لا يريد تسمية ما يحتاجه، أو أنه يبحث عن تورية ومسمى آخر له. هذا يؤجل اكتشافنا لجوهر مار ومبتغاه. مطلوب من القارئ إذن تصديق السطح الذى يبدو أن بطل العمل لا يريد تجاوزه رغم تخطيه، فى حيز جَدليّ، يبثه الكاتب ويُسرِب بعض ملامحه فى ثنايا حوارات المتن، وهى حوارات يعرف شريف صالح متى يبدأها ومتى ينهيها وينتقل منها عائدا بنا لسرد رواية متحركة يرى أنها - ككل رواية - لا تبين عن نهايتها لمؤلفها ذاته من البدء، لكن متى بدأت فمساراتها وعلاقات شخوصها وتشابكات الأحداث أو تفكيكها تبنى صيرورة إلزامية حينها لمآل وشكل تلك النهاية، التى تبدأ شيئا فشيئا تتكشف للراوى (والذى لا يشترط أن يكون عليما ولا أن يكون موجودا ، بعدما تمت سرقة وظيفته بأساليب تتحدى ذلك الوجود)، أو تتكشف لبطل العمل الروائى وكاتبه والقارئ فى آن.

شىء غير قليل من النُسك يصاحب البطل والقارئ طوال العمل، فى حوارات، فى ظهورات متبوعة باختفاءات، فى فانتازيا عروقها شفيفة بِحسّيَّتها، وفى سرد يبتغى لَعِبًا، بِلطفٍ وخفة.
 
تمتد الرموز والحكم الدينية البوذية وتنشر ظلالها القوية على سماء ما سأسميه «الوقائع» المتشبثة بفانتازيتها، ليس لخلق توازن مع الخط الحسيّ الذى سنعود إليه لاحقا، بل لاستكشاف ممكنات اللعب الفنى حين «تمط» ككاتب قدرات اللعب اختبارا لحمولته الجمالية، كم من السخرية، ومن العمق الفلسفى، ومن الوضوح، ومن المعانى، ومن الدفع الأسلوبى لحركة النص ومن الحالات النفسية سيستطيع ذلك اللعب أن يمنحنا؟

قد تختلف الإجابة باختلاف القراء، وليس هذا تحديا ينفرد شريف صالح بالتعامل معه، يمكن لبطل العمل أن يجرب الصراخ ضد كل شىء. ومجرد محاولة حصر الأشياء المصروخ ضدها يستغرق من السرد أكثر من صفحة، بعضها يتكرر ذكره، لكن حالة الصراخ المكبوت تأتى، سرديا وأسلوبيا ليمرر الكاتب غضبه الجنونى فى لحظة متدفقة ضد كل ما يكره، وتبدو كدعوة لنا للمشاركة فى ذات الصرخة!

 من «المعانى» ما قد يتخير المؤلف إيضاحه عبر حوارات تستدعى حيلا وأمثلة ثقافية وتراثية، ومنها ما يُسبِل عليه غطاء رقيقًا لكى يحكى المعنى نفسه بلا تدخل، مثلما فى حوارية قصيرة بين شخصية «كنداكة» وبين البطل فى فصل عنوانه بالإنجليزية عن مغادرة الفندق cast away ، ويحل كذلك عنوانا فرعيا بعده «لا شيء يضيع يا مهراجا»، وهو أمر التزم به الكاتب بامتداد فصول الرواية، ربما ليقول إن هناك أكثر من عنوان دائما، وهى حقيقة حتى وإن كرهناها، أو ليمنحنا حرية الاختيار بين بديلين، اقترابا من الواقع أو القدر الذى حين يكون كريما قد يقدمهما لنا، أو ليجلو غموض الجرعة الفانتازية منعا لهيمنتها واستغلاقها الكاملين، أو كأنما لم يطمئن كفاية لشرح بعض الشفرات الخاصة بأديان أخرى فأراد تكييف العناوين مع بعض محتوى تلك الفصول. 

عمومًا، فى الفصل الذى عنوانه الفرعى «لا شىء يضيع يا مهراجا»، قد نجد كل المعانى، البوذية والإسلامية والطاوية والمبتعدة عن الدين. فى حلم البطل بكنداكة، هى تشير إلى شجرة كرز فوقهما فيبدى تعجبه، حينها تسأله ماذا تراها؟ فيقول:»برقوق». وفى فصل آخر يزخر بتبسيط لبعض أهم ركائز العقيدتين البوذية والطاوية كمثال، نجد جملا فى حوارات تخبرنا ببساطة « لا الفراشة هى الفراشة ولا أنا أنا ولا أنتَ أنت»، و«السرعة لا تهم. المهم ألا تقتل وردة وأنت تعزق». 

لكنْ، يتم منح البطل « كشف حساب» بأعماله السيئة لدى مغادرة الفندق قرب آخر العمل، لنتعرف على مخزون من التأويلات التى قد تُصَنَّف كذنوب وخطايا ضمن مايشبه عملية جَرد شبه إلهية حيث الحساب يُبنى على رؤية ومنطق مغايرين تماما.

المُرعب فى حالة الجرد هنا هو علمنا بأن الحكم ليس إلهيّ المصدر، رغم وفرة أقنعة البوذا (رمز إلهى) حيث البوذا فى الرواية قد يكون الباكستانى، خادم الفندق المدعو بودى أجابا، الذى يدفع البطل فى مونولوج ذاتى قرب النهاية إلى التفكير: «أجابا هو الشيطان نفسه! لا أحد أكثر منه براعة فى التنكر وقوة الإقناع والتلاعب بالقصص والشهوات»، وقد يكون أى أحد. 

ونحن نعلم- بحسب العقيدتين الهندوسية والبوذية- يمكن لأى أحد التحول إلى إله أو أن يترقى حتى يصبح بوذا، ما سمح بتوظيف شريف صالح لمعلومات ومقولات تنتمى للفكر الآسيوى الدينى المرتبط بالشك فى من هو البوذا(الإله) فتقول شخصية تسيبا للبطل مار: «احذر من شخص يعرف عنك كل شيء. وقديما قال حكيم: إن صادفت البوذا، اقتلْ البوذا».
 
وهكذا يسحق الروائى شريف صالح وردات كثيرة بيديه، يفرك واقعًا ليستحلب أحلامه، يناغم ذكرياته مع بحر التأملات كى يغوص فى سرد يناوئ استقرار واستنامة قارئه لزمن ومنطق أُحاديين، مُستعينًا على ومُخترِقًا ’الواقعى’ بالغرائبى وحتى بالعجائبى كمحاولة لنسفهما وربما لنسف الواقع معهما أو الإبانة عن سيولته، لا معقوليته، عدم حقيقيته، وهذه، بعيدا عن توصيفات قد تندرج تحت ديانات منها الإسلام، فكرة صوفية بامتياز.

منذ الصفحات الأولى تقريبا تكاد تلازمنا زعزعة المألوف، كما أن كثافة الكتل شبه الفلسفية والملأى بأناشيد الروح العطشى لما لا تراه وربما تهدره (أو ما تظن أنها رأته) يخففها كثيرا حرص الكاتب على اللعب، والإمتاع قبل التقرير والقول. كل هذا يتواشج مع ومضات استعارية تمنحنا الجمال الذى يكاد يكون شعريا فى لحظات، رغم ابتعاد اللغة عن غيوم الشِعر وأدخنته. وحين تبلغ نهاية العمل تلتفت كقارئ مرة أخرى إلى ما ظهر كعنوان فرعى له، بعد عنوان « ابتسامة بوذا» فنجد: «ناديتُ باسمكِ فى الماء».

تمنيتُ حينها لو ما سرَّب الكاتب جملة الختام فى عنوان الرواية، حتى لو كان ذلك التسريب سيدعم ما قد يريده، وأعنى إيماءة لعدم انقضاء شيء/فناء شىء، نظرا لعدم بدء شىء (الركيزة أو الفكرة البوذية والهندوسية الرئيسة) ... أو معنى العود الأبدى.

لكنْ، أناه الساردة ضللتنا بما يكفى لنبتعد عن التنبه لمغزى عنوان الرواية الفرعى قبل القراءة، والذى بنظرة للوراء (عكس فلسفة البطل «مار»، الموحى اسمه بنصف كنية قديس، أو بمرور وعدم ديمومة شىء، ولأن مناداته ’مهراجا’ يقود إلى تعليق إحدى الشخصيات «الأسماء لا تهم») بتلك النظرة منا، يضحى ذلك العنوان الفرعى كتلاوة شعرية. 

يُحرِّض الكاتب القارئ على تأمل معنى الزمن بلا ميلودرامية. يفقأ ثآليل نفسية متتالية وعديد من الأوهام لبطله الظمآن إلى ما يُحيره. وإن طغى إلحاح  الاشتهاء الشبقى للأنثى المُطلَقة أو المِثال، إلا أن هذا لا يجر اللغة خارج مدار الاحتشام التعبيرى، ثم إن إناث البطل يتنوعن بين المُتخيَل وبين شخصيات فنانات من لحم و دم بعضهن مات والبعض يحيا.

كسر الإيهام وصدمات الإحالة للواقع المصرى والأوروبى يقومان بهدفهما، محاولة تهشيم انتفاضات روح السارد (لكن بشكل لم يشعرنا أننا نحن أيضا نتهشم معه ولا بطله الذى يحاول الانتصار لقيمة المرح، حتى فى سياق تقديم سعاد حسنى كنادلة فى مطعم بيتزا تخدم البطل مار).
 
تبدو روح السارد باحثة إما عن معنى تحتاج بشكل مُمِض إلى الالتصاق به، أو عن وهم  لحظة سعادة نقية من الندم ومن الذكرى. وفى تلاطم تلك الاستحالة، يبرعم التوق لما وراء كل ذلك، ما وراء الفانتازيا التى لا تكتمل أبدا، وما وراء الحِسّيِّة التى تشبه صعقات خاطفة من عصا كهربائية، ما وراء قطبين هما الحياة واللُغة أو تكَشُّف الثانية عن عدم قدرة الإحاطة بالأولى، ناهيك عن إمكان الكتابة عن شىء واحد فيها، وليكن الحب ! وهى استحالة كتبت عنها الناقدة جوليا كريستيفا تحديدًا بشأن الحُب على أساس أنه ضرب من الجنون.  

لكنْ، ما يرجح أن ذلك الجنون بالضبط ربما هو حلم الكاتب، هو تأخير بزوغ كلمة ’الحُب’ لتظهر بوصفها الحل فى السطور الأخيرة من العمل، ولو كان الطلسم والتعويذة هما الأذرع الأخطبوطية الثمانى لفنانة راحلة يستدعى اسمها «شويكار» (غير العربى، كالكثير بل كأغلب أسماء نساء الرواية) وشكلها وصوتها الذى حفظناه من الأفلام القديمة، كرمز إغراء ولكنه كطاقة أنثوية عملاقة، يقترح تعاملا مختلفا وآخر مع تلك الطاقة أو الأنموذج، عن الطريقة التى حاول بها البطل مار التعامل بها معها. فحتى حين لقنته درسًا بضربه بين فخذيه لوقف تحرشه، لن يفهم سبيلا لفك شفرة أذرعها إلا مع آخر صفحات الكتاب، وأن التعويذة المضادة الوحيدة ليست سوى الحب. فهل اقتربنا هنا كثيرا من قبلة الحياة للأميرة النائمة أو التى تم مسخها فى قصص الفلكلور الشعبى الأوروبي؟ (حيث تم امتساخ أمراء ذكور أيضا) والتى لا يملك تقديمها سوى البطل أو الأمير الشارد الذى تسوقه الأقدار إلى حبيبة مسحورة؟ 

«ابتسامة بوذا» معنية بتبخر الأشياء. هى رواية تُسطِّر لحقيقة الفوات، بجماليات خاصة، كأن كل شيء هو الحالة التى تظهر فيها الكف التى تسرب منها الماء... وحين تتلاشى الكف، لا يعود أى أثر لما كانت الكَف وصاحبها يظن أو يحس أنه حدث.... ماء فى اليد (ذات حياة) كان موجودًا، ثم مُنسابًا ثم مُختَفيًا، لأنها يد إنسان كان موجودًا.