واصل الشيخ الشعراوي خواطره حول الآية 247 من سورة البقرة: «وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» يقول: لقد تناسوا أن القضية التى طلبوها من نبيهم تحتاج إلى صفتين: رجل جسيم ورجل عليم، والله اختار لهم طالوت رجلا جسيمًا وعليمًا معًا.
وعندما نتأمل سياق الآيات فإننا نجد أن الله قال لهم في البداية: «بَعَثَ لَكُمْ» حتى لا يحرج أحدًا منهم فى أن طالوت أفضل منه، ولكن عندما حدث لجاج قال لهم: «إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ» وهو بهذا القول يؤكد إنه لا يوجد فيكم من أهل البسطة والجسامة من يتمتع بصفة العلم.
وكذلك لا يوجد من أهل العلم فيكم من يتمتع بالبسطة والجسامة «إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم». وكان يجب أن يستقبلوا اصطفاء الله طالوت للملك بالقبول والرضى فما بالك وقد زاده بسطة فى العلم والجسم؟
والبسطة فى العلم والجسم هى المؤهلات التى تناسب المهمة التى أرادوا من أجلها ملكا لهم. ولذلك يقول الحق: «والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ» وكأن الحق يقول لهم: لا تظنوا أنكم أنتم الذين ترشحون لنا الملك المناسب، يكفيكم أنكم طلبتم أن أرسل لكم ملكا فاتركونى بمقاييسى اختر الملك المناسب.
ويختم الحق الآية بقوله: «والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ» أى عنده لكل مقام مقال، ولكل موقع رجل، وهو سبحانه عليم بمن يصلح لهذه المهمة. ومن يصلح لتلك، لا عن ضيق أو قلة رجال، ولكن عن سعة وعلم.
لقد استقبلوا هذا الاختيار الإلهى باللجاج، واللجاج نوع من العناد ولا ينهيه إلا الأمر المشهدى المرئى الذى يلزم بالحجة، لذلك كان لابد من مجيء معجزة. لذلك يأتى قوله الحق فى الآية 248: «وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»، لقد أرسل الحق مع الملك طالوت آية تبرهن على أنه ملك من اختيار الله فقال لهم نبيهم: «إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت» أى إن العلامة الدالة على ملكه هى «أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت» وهذا القول نستدل منه على أن التابوت كان غائبًا ومفقودًا، وأنه أمر معروف لديهم وهناك تلهف منهم على مجيئه.
◄ اقرأ أيضًا | خواطر الشعراوي | نصرة الحق
وما هو التابوت؟ إن التابوت قد ورد فى القرآن فى موضعين: أحدهما فى الآية التى نحن بصددها الآن، والموضوع الآخر فى قوله تعالى: «إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ مَا يوحى أَنِ اقذفيه فِى التابوت فاقذفيه فِى اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ على عيني» «طه: 38-39».
إذن فالتابوت نعرفه من أيام قصة موسى وهو رضيع، عندما خافت عليه أمه؛ فأوحى لها الله: «فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى اليم» فهل هو التابوت نفسه الذى تتحدث عنه الآيات التى نحن بصددها؟
غالب الظن أنه هو؛ لأنه مادام جاء به على إطلاقه فهو التابوت المعروف، وكأن المسألة التي نجا بها موسى لها تاريخ مع موسى وفرعون ومع نبيهم ومع طالوت وهذه عملية نأخذ منها أن الآثار التى ترتبط بالأحداث الجسيمة فى تاريخ العقيدة يجب أن نعنى بها، ولا نقول إنها كفريات ووثنيات؛ لأن لها ارتباطًا بأمر عقدي، وبمسائل تاريخية، وارتباطا بالمقدسات. انظر إلى التابوت الذى فيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون وتحمله الملائكة. إن هذا دليل على أنه شيء كبير ومهم.
إذن فالآثار التي لها مساس وارتباط بأحداث العقيدة وأحداث النبوة، هذه الآثار مهمة للإيمان، وكأنّ القرآن يقول: اتركوها كما هي، وخذوا منها عظة وعبرة؛ لأنها تذكركم بأشياء مقدسة. لقد كان التابوت مفقودًا، وذلك دليل على أن عدوًا غلب على البلاد التى سكنوها، والعدو عندما يغير على بلاد يحاول أولا طمس المقدسات التى تربط البلاد بالعقيدة. فإذا كان التابوت مقدسًا عندهم بهذا الشكل، كان لابد أن يأخذه الأعداء. هؤلاء الأعداء هم الذين أخرجوهم من ديارهم وهم ألوف حذر الموت.
وإذا كانوا قد أخرجوهم من ديارهم فمن باب أولى أنهم أجبروهم على ترك التابوت.
والله سبحانه وتعالى يطمئنهم بأن آية الملك لطالوت هى مجيء التابوت الذى تتلهفون عليه، وترتبط به مقدساتكم.
«سيلفى الحج»| علماء: جائز ما لم يشغل عن العبادة
العبادة ليست موسمًا عابرًا| العلماء: الثبات على الطاعة علامة صدق الإيمان
خواطر الشعراوى| فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ







