يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 247 من سورة البقرة بقوله: لقد كان لنبيهم حق فى أن يتشكك فى قدرتهم على القتال، ويقول لهم: «هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلاَّ تُقَاتِلُواْ». ولكن هل أعرضوا جميعا عن القتال؟ لا؛ فقد كان فيهم من ينطبق عليه قول الشاعر:
إن الذى جعل الحقيقة علقمًا
لم يخل من أهل الحقيقة جيلا
لقد كان منهم من لم يعرض عن التكليف بالقتال لكنهم قلة، وهذا تمهيد مطلوب، حتى إذا انحسرت الجمهرة، وانفض الجميع من حولك إياك أن تقول: (إنى قليل)؛ لأن المقاييس ليست بكثرة الجمع، ولكن بنصرة الحق سبحانه وتعالى.
وقد يكون عدوك كثيرًا لكن ليس له رصيد من ألوهية عالية، وقد تكون فى قلة من العدد، لكن لك رصيد من ألوهية عالية، وهذا ما يريد الحق أن يلفتنا إليه بقوله: «فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلا». كلمة «إِلاَّ قَلِيلا» جاءت لتخدم قضية، لذلك جاء فى آخر القصة قوله تعالى: «كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله». أى أن الغلبة تأتى بإذن الله، إذن فالشيء المرئى واحد، لكن وجهة نظر الرائين فيه تختلف على قدر رصيدهم الإيماني.
أنت ترى زهرة جميلة، والرؤية قدر مشترك عند الجميع، ورآها غيرك، أعجبتك أنت وحافظت عليها وتركتها زينة لك ولغيرك، بينما رآها إنسان آخر فقطفها ولم يبال مِلْكُ من هي، وهكذا تعرف أن العمل النزوعى يختلف من شخص لآخر، فالعدو قد يكون كثيرًا أمامنا ونحن قلة، وكلنا رأى العدو كثيرًا ورأى نفسه قليلا، لكن المواجيد تختلف. أنا سأحسب نفسى ومعى ربي، وغيرى رآهم كثيرين وقال: لا نقدر عليهم؛ لأنه أخرج ربه من الحساب.
«فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلا مِّنْهُمْ والله عَلِيمٌ بالظالمين» إذن فالتولى ظلم للنفس؛ لأن الظلم فى أبسط معانيه أن تنقل الحق لغير صاحبه، وأنت أخرجت من ديارك وظللت على هذا الحال، إذن فقد ظلمت نفسك، وظلمت أولادك الذين خرجوا منك، وفوق ذلك كله ظلمت قضيتك الدينية. إذن فالجماعة الذين تولوا كانوا ظالمين لأنفسهم ولأهليهم ولمجتمعهم وللقضية العقدية.
وقوله الحق: «والله عَلِيمٌ بالظالمين» هو إشارة على أن الله مطلع على هؤلاء الذين تخاذلوا سرًا، وأرادوا أن يقتلوا الروح المعنوية للناس وهم الذين يطلق عليهم فى هذا العصر (الطابور الخامس) الذين يفتتون الروح المعنوية دون أن يراهم أحد ولكن الله يعرفهم. لقد طلب هؤلاء القوم من بنى إسرائيل من نبيهم أن يبعث لهم ملكا، وكان يكفى النبى المرسل إليهم أن يختار لهم الملك ليقاتلوا تحت رايته، لكنهم يزيدون فى التلكؤ واللجاجة ويريدون أن ينقلوا الأمر نقلة ليست من قضايا الدين. ويقول الحق بعد ذلك فى الآية 247 : «وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قالوا أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» هم الذين طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكا. وكان يكفى إذن أن يختار نبيهم شخصا ويوليه الملك عليهم. لكن نبيهم أراد أن يغرس الاحترام منهم فى المبعوث كملك لهم. لقد قال لهم: «إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا». والنبى القائل ذلك ينتمى إليهم، وهو منهم، وعندما طلبوا منه أن يبعث لهم ملكًا كانوا يعلمون أنه مأمون على ذلك.
ويتجلى أدب النبوة فى التلقي، فقال: «إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا». إنه يريد أن يطمئنهم على أن مسألة اختيار طالوت كملك ليست منه؛ لأنه بشر مثلهم، وهو يريد أن ينحى قضيته البشرية عن هذا الموضوع، فقال: «إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا». فماذا كان ردهم؟ «قالوا أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال». وهذه بداية التلكؤ واللجاجة ونقل الأمر إلى مسألة ليست من قضايا الدين. إنهم يريدون الوجاهة والغنى.
وكان يجب عليهم أن يأخذوا المسألة على أن الملك جاء لصالحهم، لأنهم هم الذين طلبوه ليقودهم فى الحرب. إذن فأمر اختيار الملك كان لهم ولصالحهم، فلماذا يتصورون أن الاختيار كان ضدهم وليس لمصلحتهم؟.
«سيلفى الحج»| علماء: جائز ما لم يشغل عن العبادة
العبادة ليست موسمًا عابرًا| العلماء: الثبات على الطاعة علامة صدق الإيمان
خواطر الشعراوى| فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ







