أبواي من صعيد مصر

صورة موضوعية
صورة موضوعية


منتصر عبد الموجود

أبواي من صعيد مصر. أمي ربة منزل، وأبي منذ عمل صبيًا فى مشروع السد العالي، لم يغادر العمل فى وزارة الأشغال المائية إلا في سن التقاعد.

إداريًا ارتبط مساره الوظيفى بنهر النيل! تنقل قليلًا بين مدن النهر ودلتاه، حتى استقر بنا المقام في دمنهور التي وُلِدْتُ، وعَشْتُ العقدين الأولين من عمرى بها، قبل أن تقرر أسرتنا - كبيرة العدد بمقاييس اليوم- الانتقال إلى مدينة أخرى، لم تكن إحدى مدن الجنوب حيث ينتمي أبواي، بل إلى الإسكندرية، حيث تقطن أغلب أسر العائلة وأقربها إلينا..

لا ثراء يضاهى ثراء النشأة الأولى وسنوات التكوين! ويبقى الأمر مرهونا بدرجة وعيك، واتجاه نظرتك. كلما كانت إلى الداخل، أدركت هذا الثراء، واغتنت منه روحك. وكلما كانت نظرتك فقط إلى الخارج، بددتَ ما لديك من ثروة، واستغرقك الزبد الذاهب جفاءً! 

لم يكن جديرًا بك
دور الثرى السفيه؛
فها هى وقفة الركن الأخير
تُمْلِى عليك أن تجلس فى حضرة الذباب،
وتشتاق..
من قصيدة الخسارات

 فى كل مدن مصر يحدث أن يبنى الوافدون من ذات الإقليم تجمعًا هشًّا، حدوده المائعة ليست أكثر من خليط مربك، يجمع بين المتناقضات، الاحترام والسخرية، التعاطف والشماتة، الدعم والحسد.. لم يكن لنا أقارب فى مدينة دمنهور، لكن جُلَّ معارفنا أُسَرٌ من صعيد مصر.

إحداها أسرة أبوعلاء الذى يعمل فى وزارة الزراعة، وظيفة لبساطتها تمنحه حرية الانصراف وقتما شاء، فيخرج إلى فرشة الخضار فى سوق الرحابية أحد أشهر أسواق دمنهور. لديه ولدان وثلاث بنات. وزوجة سمراء. لها ذلك النوع من الشخصيات.

حضور طاغٍ، يفرض الألفة والبهجة على المكان، مع بساطة تجعلك لا تتذكرها متى غابت! بالإضافة إلى الصفات الجسدية، جسد قوى ممتلئ، نشاط وهمة، وبعض الأسنان الذهبية المتناثرة فى منظومة الفم!

لأبوعلاء أيضًا شخصية ثرية. فى المسامرات التى كانت تُقَامُ فى أى بيت من بيوت المعارف هكذا كيفما اتفق. يدور الحديث حول السياسة، ووضع البلد، والأزمات العامة. لكن أبوعلاء كان حكاءً عظيمًا.

وفى جعبته مغامرات لا تنتهي، وقصص واقعية أغرب من الخيال جميعها ذات مغزى روحى خفي، تصف عالمًا تمنيت أن أدخله ولا أغادره أبدًا. فكان يحكى عن سنوات عاشها فى السودان، ثرية بالمغامرات والأحداث الغريبة والشخوص الأكثر غرابة، وكيف جمع ثروة هناك مشيرًا بطرف إلى الأساور الذهبية فى ساعدى أم علاء!

عمله فى تجارة الخضروات لا يقل غرابة عن سنواته فى السودان! فرش الخضروات البسيط يجذب المتسوقين، يقفون جماعات كل فى انتظار دوره، تفقد عملية البيع معناها، تتحول إلى مناسبة للبهجة، لا يفشل فى إضحاك الزبائن، صوته مجلجل، وعند الحساب يتم الأمر بخفوت وسرية كأنه يعتذر لاضطراره أن يأخذ منك مالًا، وغالبًا ما منح المحتاجين ما يطلبون وقد أعفاهم من الدفع. وفى آخر النهار، يأتى عميل متأنق تبدو عليه آثار النعمة.

يفكر أبوعلاء أن من واجب هذه الطبقة من العملاء أن تعينه فى أعمال البر التى قام بها طوال اليوم مع المحتاجين؛ فيقرر أن يبيع للعميل الثرى خارج التسعيرة، إضافة قرش أو قرشين لن تمثل شيئًا للعميل الذى سيتضح فى كل مرة أنه مفتش من وزارة التموين، يُقْبَضُ على أبوعلاء، وتصير قضية فيها حبس وغرامة.

طوال القضية تغلق أم علاء باب البيت، لا يراها أحد، تتدبر أمرها، وتمنعها كرامتها أن يظن أحدهم أنها تتواصل معه من أجل المساعدة. بل هى قادرة على إدارة البيت وفرش الخضروات أفضل من زوجها. صار الأمر عادة ملازمة لهذه الأسرة. قضايا تافهة مع وزارة التموين تنتهى بسجن الزوج، واختفاء الأسرة حتى عودته.

الابنان -علاء ومحمد- يملكان طاقة كبيرة وانفتاحاً على الحياة والناس من حولهما. نوع من الذكاء العملي، من علاماته التفوق فى المدرسة، وخارجها اكتساب حب الناس، والقدرة أيضًا على كسب المال فى مدينة تبدو فيها مجالات الرزق محدودة مقارنة بمدن مثل القاهرة أو الإسكندرية أو طنطا.

محمد الأصغر ابن الثلاثة عشر عامًا، يقضى عطلة الصيف أمام البيت، يبتكر حيلة للرزق، فيجمع شكائر الأسمنت الفارغة، ويعكف عليها بيدين واسعتى الحيلة، لتخرج من تحت يديه أكياسًا ورقية بديعة المنظر، يقبل أصحاب المحال على شرائها.

كما كان شخصية مبادرة. يقوم على شئون البيت والشارع. يساعد جيرانه متطوعًا فى أعمال البناء والصيانة، يوجه السيارات والشاحنات الكبيرة إلى الحركة الصحيحة لتفادى الاصطدام بالمباني. إحدى هذه الشاحنات، وقد سار سائقها على هدى توجيهات محمد، تراجع للخلف.

كما كان يطلب منه؛ فتطبق مؤخرة الشاحنة الفولاذية على محمد من الأمام ضاغطة إياه فى جدار البيت وتصعد روحه إلى بارئها.

لأكثر من أربعين عاما ولآخر لحظة فى حياتي، لن أنسى وجه أمه، حين رأتنى أنا الطفل ابن السابعة، وكأن هاجسًا سريًا جعلها تستنجد بي، أو لعلها قسوة الحزن التى تفقدنا القدرة على أى شيء إلا التعبير عنه.. جذبتنى إليها كأن بيدى فعل شيءٍ! قربتنى من وجهها كانت تنوح وتبكى بلا دموع، وتقول: محمد مات يا منتصر.. محمد مات. حولها الكثيرون كبارًا وصغارًا ومن هم أقرب إليها مني. واختارتنى أنا لتحفظ فى ذاكرتى صورة وجهها؟!

مع الوقت، حين كنت أستمع إلى كلامها، صرت أعى حكمة مضمرة، تقدمها فى سياق المرأة البسيطة التى لم تذهب إلى المدرسة، والتى لو رآها أحدهم فى الطريق ما أقام لها وزنًا! كانت تواجه قسوة القدر وذلك التهميش بحكمة بسيطة منحتها القدرة على أن تمنح عالمها الصغير بهاء وسعادة.

لم تتوقف لحظة لترثى حظها، وتبكى ظلم القدر، بل عكفت على العمل فى البيت وخارجه، وسرعان ما أخفت أحزانها خلف ظلال من الضحك والرضا.

حكمتها تلك جعلتنى أخمن، لماذا فعلت معى ما فعلته حين مات محمد؟! هل أرشدتها قوة روحها إلى ما لا تستطيع تفسيره والتعبير عنه، فأقدمت تحت نوع حدسى من المعرفة، إلى توجيه ضربة للموت بأن حفظت صورة وجهها الباكى داخل نفسي؟ بسلوك مبهم وقفت فى وجه الموت، وأخبرته أن ثمة أمورًا لا تستطيع أن تأخذها معك. الآن وبعد عقود أتساءل هل أدركت أم علاء قوة ما فعلته؟ وهل كان فى ذلك بعض العزاء لروحها الطيبة؟

أشهد الله أن تلك المرأة التى جاءت من الجنوب، كانت تكرمنى وأنا طفل سواء كنت مع أبويَّ أو كنت بمفردي، هكذا كان سرها مثل علنها بخلاف الآخرين من نساء ورجال ذلك التجمع الهش الذى نأيت عنه بفعل السنين حتى صار غير موجود.

علاء الابن الأكبر، تقدم فى الدراسة متفوقًا حتى أتم دراسة القانون، مع خط الدراسة سار خط موازٍ، كان علاء يعمل فى أحد أفران الخبز بالمدينة، وله شعبية جارفة، امتلك خبرة وسمات شخصية جعلته قريبًا من الجميع، وصاحب الحضور المميز فى جميع الجلسات على اختلافها، تجده النجم بين المثقفين وطلاب الجامعة، كذلك بين العمال والحرفيين، وأيضًا بين الأغنياء وأصحاب الأعمال.

وعلى صغر سنه هو الضيف الأبرز فى حفلات الزفاف، والأعياد، ورحلات الترفيه. على المستوى الشخصى كان ملهما لى ومحفزًا لأقبل على الدراسة وأرى المذاكرة عملا بعيدا كل البعدد عن الملل والكآبة! فأخذت منه الدأب وعادة الانكباب على الكتاب لساعات دون انقطاع. ولقصور ذاتى لم أفلح مثله اجتماعيًا!

فى نفس عام حصوله على ليسانس الحقوق، سقط ضحية مرض غامض، ومات فى المستشفى بعد بضعة أيام. عاشت أم علاء حدادًا أطول زمنيًا من حدادها على محمد. طالما سمعتُ بناتها يبكين ويقسمن أنهن يتمنين أن لو كان الموت أخذهن فداءً لعلاء ورحمة بالأم.

هذه المرة كانت الضربة أشد قسوة، خرجت منها أم علاء بحزن أعظم ومرض السكري.

لكنها الحياة مثلها مثل الموت لا تتوقف ولا تبدل عاداتها؛ لتعود أم علاء إلى حياتها وطباعها الطيبة دون أن يكف الأسى هباته على وجودها محملة بالذكريات البعيدة، والآمال التى ما عاد يحق لها التمسك بها.

عادت لتعتنى ببيتها، وتساعد زوجها على فرش الخضار.. لكن الناس لم يكونوا أقل قسوة معها من الموت! ينظرون إليها بريبة فى حضور أبنائهم، لا تُقْبَلُ أعذارُها إذا أعجزها المرض عن تقديم التهنئة لزفاف أو نجاح أحد أبنائهم! كأن كل ما كابدته لم يكن كافيًا؛ فوجب عليها أن تضيف عبء الحذر والاحتياط قبل أن تنطق بكلمة أو تلوح عنها إشارة؛ فالمؤكد أنه سيُساء فهمها، وتُفسَّر على محمل السوء.

وعليها بعد كل لقاء مع المعارف وأولادهم أن تبتهل إلى الله لكى لا يتعرض الابن لسوء؛ إذ لن يكون له تبريرٌ سوى أحقادها ونفسها الملتاعة الحسود. هكذا كان حال السنوات القليلة التى عاشتها بعد رحيل علاء. فى عام 1994 انتقلت أسرتى إلى الإسكندرية.

زرتها قبل الانتقال، قالت لي:» أمك فاكرة لما تعيش جنب أخواتها هتبقى سعيدة، والغلاوة هتزيد، لا يا بني، القرب بيربى جفوة وحاجات وحشة كتير، واللى قال ابعد حبة تزيد المحبة كان بيقول عن خبرة»، وبهت وجهها قبل أن تبكي.

الآن حين أنظر خلفي، أجدها على صواب فيما قالته. عاشت عمرها تقطع طريقا أطول -من البيت إلى فرش الخضار- فقط  لأنه يمر أمام بيتنا، ومهما كان ثقل ما تحمله، لا بد أن تستدير برقبتها الملوية تحت الحِمل، لتنظر إلى الشرفة، وتحرر يدًا لتلوح لنا بها، ما من فارق سواء كان أحدنا فى الشرفة أم  لا!

زرتها بعد الانتقال إلى الإسكندرية، قالت:  «الأسبوع اللى فات كنت عند عمك أبو علاء على الفرش، بعد ما مشيت من عنده، افتكر أنه نسى يدينى الخضار عشان طبيخ البيت، جرى ورايا وما حصلني.

جه علي البيت بينهج ويشخط، سألني: إيه يا ست الصحة والسرعة دي؟ ما لحقتك على الطريق»! وحين علم أنها قد غيرت مسارها الذى التزمت به طول عمرها، أجابت استفهامه باكية: «سامحنى يا بوي، والله ما أقدر أعدى قدام دارهم وهم مش فيها، وعينى تلمح حد غيرهم سكن هناك». بكت ثانية وهى تحكى لي.

شقتنا الصغيرة،
بعد مغادرتها لم نضع الحنين فى الحسبان، وأن سيدة من معارفنا ستمتنع عن المرور أمامها؛
لتنأى عن شعور قد يفسد عليها متعة الانتظار الهادئ 
لموت يتعكز فى أحلامها على خبرتين فقدت فيهما:
ولديها، وعناية الآنسولين، وبعض البورتريهات المستقبلية
لزوجتين وأحفاد..

من قصيدة «قصاص»

مع الوقت تنامت دوافع الانقطاع، أخذتنى الحياة عبر دروبها. شهور قليلة بعد اللقاء الأخير، بلغنا أنها ماتت. سافرت مع أمى إلى دمنهور حال سماع الخبر.

حكت جارتها أنها بالأمس بدت سعيدة، وبهاء الرضا يكسو وجهها. طرقت باب كل جارة، وأقسمت لكل أم منهن أنها تدعو الله أن يوفق أولادهن، وأن يفرحهن بالأحفاد. ثم عادت متعبة لتنام.

بدأت العمل فى القصيدة متحديًا ذاتي، أنى لقصيدة النثر احتواء كل هذا الحزن، دون أن تفقد شرطها كنص أدبي، ودون السقوط فى فخ المباشرة؟ كنت صغيرًا، قليل الخبرة، وتبهرنى الألعاب الأدبية.

مثل القصيدة عن كتابة القصيدة، ويندمجان فى النهاية، إذ من شروط اللعبة المحافظة على المسافة صفر بين القصيدة وموضوعها. فبدأتُ من تكرار المحاولة بشعور اليأس حتى النهاية. لسبب ما عرفت أن سحر الأدب يكمن فى الوعى بالهزيمة وليس فى المكابرة الزائفة.

لم أكن قد فقدت بعد فضيلة الدهشة فيما أطالعه. لخوليو كورتاثر قصة عن راوٍ لا يستطيع كتابة قصته البوليسية، وهو يحكى عن أسباب التعطيل والتشتت عن الكتابة، نكتشف أن هذه الأسباب هى نفسها القصة!

لسبب لم أعرفه إلا بعد الكتابة، تجنبت القول المباشر عن حكمة المرأة الطيبة، وعن فداحة حزنها، وتمنيت أن يضع القارئ يده على الأمرين دون أدنى انبهار أو سوداوية من ناحية الكاتب!

أيضًا اكتشفت بعد الكتابة أننى طورت لازمة شعرية، اللازمة المستخدمة فى الأغاني، غالبا ما تكون صوتية وذات قافية قوية.. فكم تطربنا يا ليل يا عين! اخترت لازمة تطرب الذهن.

اللازمة تتمنى المستحيل، فنًا يجمع بين مهارة القدر فى خلق مساراتنا، وموهبة مايكل آنجلو (ألم أقل أن كل بهاء الأدب يكمن فى الخسارة؟) لم يكن اختيار مايكل أنجلو عشوائيًا، أو من باب التثاقف كما علق قارئٌ.

ملأتنى وما زالت دهشة فيلم متعة وعذاب. كما انتفض كيانى لعبارة أوردها الشاعر الكبير علاء خالد فى كتابه خطوط الضعف، وهو يصف نافذة غرفة الفندق فى واحة سيوة، حكى علاء خالد أن مايكل آنجلو قال إن كل تمثال موجود داخل الصخرة، فقط ينتظر الضربة الأولى التى إن جاءت صحيحة؛ خرج التمثال إلى النور.

وإن كانت الضربة الأولى خطأ؛ فكل ما يليها هراء لا طائل من ورائه! قال علاء إن نافذة الغرفة هى من روح تلك الضربة الأولى عند آنجلو! فما أن تُفْتَحَ حتى يصير العالم أجمل وألطف داخل الغرفة وخارجها!

ويبقى أعظم تكريم نلته، فى اليوم الأخير من أحد الأعوام 2006 أو 2007 ربما. ما فعله الصديق القاص محمد فرج، فى صفحة الأدب بجريدة الأخبار، كتب ما أجمل أن نودع العام ببعض الشعر الجميل، وأفرد الصفحة لقصائد من شعراء مختلفين، كانت أم علاء إحداهن!