مسرحية تبحث عن الفصل الأخير

صورة موضوعية
صورة موضوعية


تبارك الياسين

التصفيق كان عاليًا عندما غادرت المسرح عائدة للبيت دون أن تبالى بأن هذا هو العرض الأخير للمسرحية. قادت سيارتها الصغيرة القديمة، وأدارت أغنية فرنسية.لا رغبة لديها اليوم بأن تذهب للمقهى الذى اعتادت الجلوس فيه بعد انتهاء العرض. توقفت عند محل صغير يملكه صديقها جورج، لم يكن موجودًا، تناولت زجاجتين «امستل» وغادرت، وصلت إلى بيتها الذى يقع فى وادٍ صغير. شقة صغيرة بصالة واسعة مع مطبخ وحمام صغير وغرفة نوم، خلعت حذاءها فقد تورمت قدماها بسبب الكعب العالى، وحملته وسارت حافية على الرصيف دخلت شقتها متعبة.. رمت الحذاء على الأرض ثم تناولت كأسًا من المطبخ واتجهت لغرفتها.

ما زلت هنا؟! 
كنت أنتظرك؟ 
أنتَ تنتظرنى منذ ستين عامًا ألم يحن وقت المغادرة؟ 
ضحك: 
لم تكملى حكايتك بعد. 
كررتها لك ألف مرة ولكن يبدو أنك لا تستمع جيدا.. 
مسحت المكياج الثقيل عن ملامحها، تبدو مثل مهرج بالصبغة الحمراء على خديها، التجاعيد قاسية.. وجهها يبدو مثل كيس من الخيش. خلعت ملابسها ورمتها أرضا وارتدت قميصا ورديًا فاخرًا وسكبت لنفسها كأسا من البيرة شربته دفعة واحدة. هكذا اعتادت أن تشرب أول كأس بينما تمضى ليلتها بالتلذذ ببطء حتى إنهاء الزجاجة كاملة، عدلت ميلان صورة لها على الحائط، وتأملت باقى صورها، صور من أفلام شاركت بها. 

كيف كان العرض؟ 
لم يكن جيدًا رغم التصفيق الحار من الجمهور، وأديت دورى ببراعة. 
وضحكت ساخرة: قلت الجملتين بكل إتقان. 
وأفرغت فى جوفها ما بقى فى الكأس الثانية: 
«آآآآآه يا للهول لقد احترق الطعام» «سيدى هل أعجبك الطعام المحروق أم أننى لم أحرقه جيدا؟ 
تبدو جملا مهمة. 
أنت تسخر منى مجددًا. أردت أن أكون ممثلة.. كان هناك وقت للتفكير لأتخلى عن حلمى.. وتحقق ما كنت أخشاه.. أن أنتهى فى خمارة بعد أن تكتسى وجهى التجاعيد.. أو أن أموت وحدى فى شقة تكدست فيها كل صور أفلامى. دائماً هناك نهاية مأساوية كلما رددت «أريد أن أكون ممثلة». بدأ الحلم منذ الصغر أدركت عند وقوفى على مسرح المدرسة أن هذا هو ما أريده، كنت زنوبيا وقتها أحببت سماع التصفيق، عدت للبيت فرحة ووجدت صيوانا للعزاء منصوبا فى الساحة. ثم بعد عرضى فى الثانوية لمسرحية توفى جدى، وفى الجامعة توفيت عمتى وخسر والدى عمله وحياته بعد أن تخرجت، وما زلت مصرة على حلمى.. هل تعلم كم مضى على هذا الحلم؟!

أربعون عاماً وأنا وحيدة فى خمارة، أحاول طمس التجاعيد بضحكات هستيرية.. أقوم بأدوار لا معنى لها ولا قيمة، من فتاة تجيد الرقص والغناء إلى عجوز تبكى عمرها.. لا أحد كان معى فى هذا الحلم رحلوا جميعهم.

هناك جورج، إنه يحبك منذ زمن. 
جورج رجل جبان على الرغم من أنى أحبه أيضًا.. لكنه كان لا يرى حلمى، أخبرنى منذ سنوات طويلة أنه لا يمانع أن أعيش معه، وأمثل الحب عليه، وفى عيد ميلادى الثلاثين أحضر لى هذا، أمسكت صحنا خزفيا كتب فى داخله: 

‏‏«لم أفهم بعد لِمَ يرغب الإنسان بالتمثيل على خشبة المسرح بينما لديه العالم كله ليمثل فيه». برنارد شو. وتلك الصورة. وقفت أمام صورة لها كبيرة بتسريحة شعر قصيرة وقد صبغته باللون الأسود وقالت: كنت هنا فى الأربعين من العمر، أهدانى جورج صورتى هذه. وضحكت: 

اسمع ماذا كتب تحتها: «كل شخص فى الدنيا لديه قصة ليرويها»  نينا لابوت. 

-يبدو أن جورج مغرمٌ بالأقوال. 

أجل، هو بارع بالأقوال وحسب، هل تعرف أين هو الآن؟ هو مع زوجته يحتفل بعيد زواجهما الأربعين، جورج أحبنى لكنه لم يعرض علىَّ الزواج! 

هل كنت ستوافقين؟ 
ربما، لا أعلم لكنى بعثت له قصيدة صغيرة لا أعرف من كتبها لكنها أعجبتنى 

ماذا تقول القصيدة؟ 
هزت رأسها ثم استلقت على سريرها: 
سأغدو طفلة فى الخمسين من عمرى 
أجثو على ركبتّى 
أحبو، ألتقط فتات العابرين 
وأنظر فى المرآة لأرى ظلاً لعجوزٍ 
ألقت شبابها فى بئر النسيان 
وسرحت تجاعيد وجهها لتشبه صورتها 
المرمية على رفٍ أمتلأ بالغبار والحنين 
كطفلة خمسينية سأجمع قصاصاتى الورقية 
ألقى بها من شرفة بيتنا القديم 
وأقفز فرحة 
جاء العيد، جاء العيد قبل أن يتقوس ظهر القمر 
وأفتح يدى، أستقبل عيدية الرب 
وأقتلع غيمة، وأزرعها فى قلبى لأحلق 
كطائرة ورقية تدغدغها الريح 
وأسقط منتشيه فى بحرٍ 
كمرساة لسفينة أضاعت ربانها
 
لماذا لم ترحل بعد؟ 
سكبت كأساً آخر ودعته لشرب كأس معها.
 
أنا لا أشرب وأنت تعلمين ذلك تمامًا. 
مرة واحدة لن يضيرك شىء.
المبدأ هو أننى لا أشرب أثناء العمل، وكما تعلمين أنا فى عمل دائم. قصيدة جميلة لم أسمعها من قبل. أظنه فرّ منك بسبب هذه القصيدة. 
ما الذى يبقيك هنا؟ قالتها بنبرة غاضبة من سخريته. 
لأننى أشعر بالملل. 

لم أكن أعلم أن عملك ممل لهذه الدرجة. 
بل أكثر مما تتخيلينه. أحيانا أحبه وأحيانا كثيرة أخرى لا أطيقه. عملى يجبرنى على أن أكون رحيمًا، ولكننى مهما بدوت رحيمًا تظل يداى مثل مخلب ذئب. لكن لا مفر منه كما يحدث معك تماما عندما تقبلين دورًا سخيفًا كدورك فى هذه المسرحية.
أنت قاس جدًا. 
طبيعة عملي؛ فجزء كبير منه يحمل القسوة. لماذا قبلت هذا الدور؟ لم أسألكِ من قبل.
لماذا قبلت دور خادمة عجوز بمساحيق تجميل لا تليق بعمرى! أنا من سعيت للدور، وطلبت من سهير أن تقدمنى للمخرج، سهير نجمة النجوم، معبودة الجماهير. ثم بصقت على الأرض وأكملت: 
إنها لا تتقن التمثيل، هى لا تتقن سوى التلاعب بمؤخرتها وهزها بطريقة مقرفة أمام الجمهور ليصفق إعجابا، إنها مصطنعة، لعبة بلاستيكية لا حياة فيها، تحفظ الجمل وتقولها بلا إحساس. 
وأنت لا تملكين مؤخرة، بل جسدا مترهلا يهتز كلما غضبت، تبدين من قبيلة الرخويات. 
ترميه بالوسادة وتصرخ فى وجهه:
أنت وقح، فى الماضى كنت أكثر جمالًا وشبابًا ولكنى لم أستخدم مؤخرتى فى التمثيل. 
بحثتْ بين الوسائد عن جهاز التحكم للتلفاز وهمستْ: 
لنحضر فيلم «إفطار فى تيفاني» أعشق هذا الفيلم.
لقد شاهدته ألف مرة معك! 
أحب أودرى هيبورن كثيرًا..  
فقط لأنها تشبهك، لا أظن أن هناك سببًا آخر. 
تبًا لك.. كنت أود لو أننى مثلها.. لماذا لا ترحل، أو أرحل أنا؟  
وأفقد لذة رفقتك والاستماع إليك؟
لا أعلم ما اللذة فى الاستماع لعجوز لم تحقق شيئا، وحكايات لا معنى لها، ستنسى بمجرد أن أغمض عينى، من سيتذكر ممثلة هامشية، حتى أنت لن تتذكرها، ولن تتذكر الحكايات التى أحكيها لك كلها، عجوز ثملة أغلب وقتها فى حانة جورج أو هنا فى البيت.. لكن يبدو فعلا أنك فى حالة ملل شديد أخبرنى أنت، هل عملك مجد؟  
لماذا لا تتذكرين هديتى التى قدمتها لك! أنت لا تتذكرين غير هدايا جورج؟ وأعلم أنك أحببت هديتى جدًا.
تشعر بالغيرة؟
ربما، لم تخبرينى لماذا بكيت كثيرًا عندما حصلت عليها؟  
لماذا لم تسألنى وقتها، مر وقت طويل ثلاثون عامًا أم أكثر! 
ثلاثة وثلاثون عاما أتذكر جيدًا.
لكنها لم تكن هدية منك، أنا من دفعت ثمن الجرام فون أنت فقط أرشدتنى للمكان.
المكان هو الهدية، وكنت أعلم أنكِ تريدينه هدية منى أيضا قالها ساخراً. 
نهضت عن سريرها، وتوجهت إلى الطاولة التى بجانب النافذة، سحبت قرصًا كبيرًا، ووضعته فى الجرام فون لتبدأ موسيقى هادئة تتسلل فى المكان كنسمة هواء باردة. راقبت الإبرة الصائتة وهى تضع رأسها برفق على الأسطوانة القديمة فارتجفت وبشجن قالت: 
بكيت وقتها عندما جلبتُ الجرام فون لأنه ذكّرنى بذلك الرجل الذى اشتريته منه، كان يبكى والده كثيرا. والده توفى فى حادث سير. تذكّرت أنى لم أبكِ والدى عندما توفى وكأن موته خبر عادى، كأن يقول لى واحد: والدك سافر أو ذهب للعمل وسيعود. 
مارست حياتى اليومية بكل هدوء وكأن موته لم يعنِ لى شيئا. 
ذلك الرجل أشعرنى بمعنى الفقدان الحقيقى أدركت وقتها أن والدى قد مات فعلاً، ولن يعود أبدًا.

لكنّك بكيت قبلها أمَّك وعمتك، فلماذا لم تبكِ والدك؟  
كنت أظنه لا يموت؟ وأنت لم تجب، هل عملك مجد؟  
أحيانا نعم وأحيانا لا ، ولكننى أستمر به. لست المسؤول عما يحدث فى عملى من تجاوزات عن القتل والدمار والحروب والمرض لكننى موجود دائمًا..  أنا مثل ساعى البريد على إيصال الآخرين للطرف الآخر لا أكثر من ذلك..
والانتحار؟ 

ابتسم: 
لم تبرع فى الانتحار. أنقذناكِ بسرعة. وأتبعها بضحكة طويلة، وأذكر كيف ترنحتِ على المسرح بعد شربكِ لعلبة الدواء كلها وخرجتِ للمسرح لتسقطى أرضا.. أردتِ أن تموتى على المسرح كشهيدة للفن، ولكنهم أنقذوكِ وطردوك من عملك. وأكمل ضحكه. أثار كلامه غضبها فقالت بحزن: 
أريد أن أموت .. متى سأصل إلى الطرف الآخر؟ 
وجدت هذه الورقة وأنا أعبث فى أشيائك القديمة.
ماذا فيها؟ 
تساؤلات كثيرة تخطر على البال تحت خيمة الكآبة التى أجلس بداخلها الآن، أسئلة ساذجة، وأحاول جاهدة نزع أوتادها لعلها تنزاح عنى لأستقبل شمس الغد بروح جديدة، لكن لا مجال للهروب من علامات الاستفهام التى تطوقنى. 
ماذا لو أننى لم أركب تلك الحافلة ذلك الصيف، 
وانتعلت قدمى، وسرت وحدى فى الطريق، واتجهت غرباً؟ 
ماذا يشعر ذلك الممثل الهندى وهو يتقلد وسامًا عن فيلم لم يتوقع له إلا الفشل؟ 
ماذا يقول جارنا العجوز الوحيد الآن فى غرفته للصورة المعلقة على الجدار؟ 
ماذا قال ذلك الصرصار الذى فر جريحًا بعد أن أخطأه الحذاء، ماذا أقول أنا وأنا أكتب كل هذه الترهات. 
حقًا أريد الموت.
أنا أريد أن أنام.
تبًا لك فى كل مرة أقولها لك تتركنى وتنام. 
لأنكِ ممثلة جيدة، منذ وقت طويل وأنا أحاول أن آخذك معى، وفى كل مرة تقصين علىَّ حكاية غريبة، فأسمعك جيدا، أصغى إليك بكل اهتمام وكأنك شهرزاد. 
كنت مستعدة دوما لأن أذهب معك، وكنت أنزعج من نومك بعد انتهاء الحكاية، كنت أصرخ «انهض من تحت سريرى أيها الموت».