يحتفى الأدب العربى بذكرى ميلاد الأديب العالمى نجيب محفوظ (12 ديسمبر 1911ـ 30 أغسطس 2006)، وهو الأديب الذى اعترف له الجميع بالنبوغ فى عالم الرواية. وجاء حصوله على الجائزة العالمية خالدة الذكر (نوبل 1988) ليكلل هذا الاعتراف ولكن أديبنا الكبير لم يعدم وسيلة تمكنه من النبوغ أيضا فى القصة القصيرة والمسرحية والسيناريو السينمائي، ما جعل الكثير من الكتاب والنقاد وعامة الجمهور طوال ثمانين عاما مضت يحتفون بدوره المهم فى عوالم الفنون المختلفة ويثمنون مساهماته المتميزة فى كل منها.
ولكننا فى ذكرى ميلاده الثالثة عشرة بعد المائة نحاول أن نلقى الضوء على نبوغه كمؤرخ متفرد، له منطقه وأسلوبه فى استقراء تاريخ الشعب المصرى السياسى والاجتماعى والفكري، وامتلاكه مشروعا تأريخيا متكاملا ومتميزا.
فى كتابه (دروس التاريخ) يبين لنا الكاتب والمؤرخ والفيلسوف الأمريكى الكبير (ويل ديورانت) (1885 ـ 1981) صاحب الموسوعة الشهيرة (قصة الحضارة) رؤيته لأحداث التاريخ قائلا:
« الحضارة هى نهر ذو ضفتين، يمتلئ أحيانا بدماء الناس الذين يقتلون ويسرقون ويصيحون ويفعلون أشياء يسجلها المؤرخون عادة، ولكننا نجد على الضفتين فى الوقت ذاته أناسا لا يحس بهم أحد وهم يبنون البيوت، ويمارسون الحب والجنس، ويربون الأطفال، ويتغنون بالأغانى وينظمون الشعر، بل وينحتون التماثيل، وقصة الحضارة هى قصة ما حدث على الضفتين، ولكن المؤرخون متشائمون لأنهم يتجاهلون الضفاف ويتعلقون بالنهر».
ويبدو أن محفوظ لم يكن بالفعل من أولئك المتشائمين، فهو فى نظرته للتاريخ حرص على تسجيل وتاريخ ما حدث على ضفتى النهر مستعينا بموهبته الأدبية الخارقة فى تطويع الرواية لتكون مرآة صادقة لأحداث حارتنا، ومراهنا ـ فى الوقت نفسه ـ على أن غريزة البقاء لدى الرواية أقوى من غيرها من صنوف الفنون.

الثلاثينيات السوداء ونزول النهر
افتتح نجيب محفوظ مشروعه الروائى الكبير مستعينا بالروايات التاريخية فقد تزامنت بدايات هذا المشروع ـ فى نهاية الثلاثينيات ـ مع حقبة سياسية سوداء، دموية وقاسية للغاية على سكان ضفتى النهر، تلك الحقبة التى بدأت مع صدور دستور 1930 البغيض كمحاولة من الملك فؤاد بمساعدة اسماعيل صدقى ومحمد محمود وآخرين خطف الأحلام الوطنية التى تكونت لدى الشعب المصرى خلال ثورة 1919 وما تلاها من أعوام.
فطوال عقد العشرينيات استطاع المصريون الحصول على مكتسبات حقيقية فى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكل هذه المكتسبات كانت بالطبع من رصيد القصر الملكى وأتباعه، ولكن مع انقسام الساسة المصريين فيما بينهم، وتحول هذا الانقسام إلى شروخ عميقة بعد موت الزعيم سعد زغلول (1927)، انتهز الملك فؤاد الفرصة ليستعيد سلطة القصر ويبدأ ـ بموافقة ضمنية من المستعمر البريطانى فى إعادة الأوضاع إلى ماقبل مارس 1919 بعد أن استقر فى سدة الحكم أكثر من عشر سنوات ، فتجرد المصريون للدفاع عما حققوه فقابلهم (اسماعيل صدقى باشا ) ـ عدو الشعب ـ بأقصى أنواع العنف والقهر والقمع والإرهاب، وهبط الموت على رؤوس المصريين ضيفا يوميا ثقيلا، وانتهت الثلاثينيات السوداء باندلاع الحرب العالمية الثانية، ويصف محفوظ ذلك العصر فى (المرايا) بأنه «عصر الزلازل والبراكين المتفجرة. عصر إحباط الأحلام وانبعاث شياطين الانتهازية والجريمة. عصر الشهداء من جميع الطبقات».
فكان لمحفوظ رأى آخر، بأن شرع فى النزول إلى قاع النهر مستخرجا من تاريخ مصر البعيد لمحات المجد والبطولة والتضحية، فقدم رواياته التاريخية الثلاث (عبث الأقدار 1939، رادوبيس 1943، كفاح طيبة 1944) فى محاولة لمشاركة الشعب المصرى صموده أمام الهجمات الوحشية التى يتعرض لها، علها تعيد إلى الوعى الجمعى للمصريين بصيصاً من نور بطولاتهم الغابرة.
فى منتصف الأربعينيات (1945) قدم أديبنا الكبير رواية (القاهرة 30) والتى رسمت صورة صادقة لضفاف النهر السياسى والاجتماعى إبان عقد الثلاثينيات، فصورت الصعود المشبوه لرجالات السياسة وفسادهم، وتطور الحياة الثقافية ونشأة الأيديولوجيات المختلفة والجديدة فى ذلك الزمان لطلبة الجامعة المصرية، والطموح المشوه لأبطال الرواية فى كفاحهم اليومى لإيجاد مكان لهم بأى ثمن فى مستنقع الفساد.
واتبعها برواية (خان الخليلى) (1946) عن حياة المصريين على ضفاف نهر الحرب العالمية الثانية التى تؤرخ فى طياتها الأضرار المادية والنفسية والاجتماعية التى لحقت بأهل مصر جراء تلك الحرب المخيفة، بداية من الداخلى لسكان القاهرة، وليالى الفزع والرعب بسبب الغارات الألمانية والايطالية فى سمائها، مرورا بنشأة طبقة أغنياء الحرب، وتبدل الموازين الاجتماعية التى صاحبت الحرب العظمى، وحتى تأثير الدعاية الجوبلزية التى تؤكد احترام (هتلر) للإسلام والمسلمين.
وحطت رواية (زقاق المدق) (1947) على ضفاف القاهرة وهى ترزح تحت وطأة الحرب العالمية الثانية والتعاملات اليومية والاقتصادية للمصريين مع الجيش الانجليزي، والتغيرات الطبقية الفجة لبعض الانتهازيين، وعربدة الجنود الاستراليين فى شوارع وأحياء القاهرة.
وتأتى الثلاثية فى النصف الثانى من عقد الخمسينيات، ومع نضج مشروع محفوظ على المستويين الروائى والتأريخي، ليطرح من خلالها صورة بانورامية لفترة زمنية واسعة امتدت من عام (1917) وحتى عام (1944) مؤرخا ـ بجانب الأحداث السياسية للعشرينيات والثلاثينيات وبداية الأربعينيات ـ للتيارات الفكرية الناشئة فى المجتمع المصري، وتأثيراتها على الشباب على وجه الخصوص، مثل ازدهار الأفكار اليسارية والشيوعية وميلاد الأفكار اليمينية التى نتجت عن نشأة جماعة الإخوان المسلمين عام (1928).
وفى رواية (السمان والخريف) (1962) نجد بطل الرواية (عيسى الدباغ) وهو أحد شباب العمل السياسى ما قبل يوليو 1952 وقد انتهى طموحه الكبير فجأة على يد لجان التطهير التى تشكلت بعد الثورة، ويرسم صورة للتباين السياسى الواضح قبل وبعد يوليو 1952، والذى عجز (عيسى) عن فهمه فانحدرت احواله وتدمرت حياته، وروايات مثل (ثرثرة فوق النيل) (1966) و (ميرامار) (1967) حملت أيضا ملامح حقيقية لضفاف نهر الحياة فى ستينيات القرن العشرين.
وتظل رواية (المرايا) (1972) واحدة من أهم الأعمال الأدبية لعميد الرواية العربية التى أكدت نبوغه كمؤرخ عنى بتوثيق فترات مهمة فى حياة المصريين، واستطاع أن يرصد آراءهم على اختلافاتها وتبايناتها حيال المواقف الاجتماعية والسياسية، والتقلبات الاقتصادية العنيفة التى مرت بهم منذ منتصف الثلاثينيات وحتى ما بعد يونيو 1967.

آفة حارتنا النسيان
تضمنت رواية (أولاد حارتنا) (1959) ـ الرواية التى صاحبها الكثير من الجدل منذ صدورها وحتى الآن ـ حكمة بليغة، ذاع صيتها بمحاذاة صيت الرواية نفسها، حتى كادت تتحول إلى مثل من الأمثال الشعبية أو قول مأثور. تلك الحكمة الشهيرة فى ظنى تمثل تشخيصا عبقريا لمرض عضال مزمن، ينخر فى عظام الوعى الاجتماعى والسياسى لتلك الأمة القديمة والضاربة بجذورها فى أعماق التاريخ.
ولأن أديبنا الشعبى لم يكن من أولئك المنظرين الذين يرمون فى وجوهنا بالمشكلات ويهرعون إلى أبراجهم العاجية، بل كان ـ كما يقولون ـ يأكل الطعام ويسير فى الأسواق، فقد حاول تقديم الترياق لذلك المرض المزمن من خلال محاولة إحياء الوعى السياسى.
فقدم رواية :( الباقى من الزمن ساعة) (1982)، وروايتى (أمام العرش) (1983)، العائش فى الحقيقة (1985) ـ اللتين تعتبران نزولا إلى النهر مرة أخرى وتلتهما رواية (يوم مقتل الزعيم) (1985)، ليبرهن أنه ومنذ بداية مشروعه الإبداعى وحتى قرب النهايات ظل يسخر الرواية لما آمن به من ضرورة وحتمية توثيق التاريخ لتكوين وتشكيل الوعى السياسى لدى أبناء حارتنا فيقول فى روايته البديعة (المرايا) «أدركت أنه مهما يكن من علم الإنسان أو أخلاقه فلا غنى له عن الوعى الثقافى المتضمن طبعا الوعى السياسي. وانه مهما يكن من تفوقه وبراعته وفائدته فلن يعتصر من ذاته إمكاناتها الإنسانية حتى ينظر إلى نفسه لا باعتباره جوهرا فردا مستقلا ولكن باعتباره خلية لا تتحقق لها الحياة إلا بوجودها التعاونى فى جسد البشرية الحى».
والملفت أن نجيب محفوظ استطاع أن ينحى جانبا ـ بضمير مؤرخ عتيد ـ انتماءاته السياسية لحزب الوفد، وكونه أحد أبناء الثورة المصرية العظيمة 1919، وهو يرصد كافة التوجهات الفكرية والايدولوجيات التى امتلأ بها نهر السياسة فى القرن العشرين سواء ما قبل أو بعد يوليو 1952، بتجرد تام يحسب له فى تقييمه كمؤرخ لأحوال حارتنا.
فهو كابن من أبناء الحضارة الفرعونية ـ كما قال فى خطابه أمام الأكاديمية السويدية لجائزة نوبل ـ استطاع أن يدرك مغزى التأريخ وحكمته، وسلك مسلك أجداده العظام فى تدوين الواقع، وحفظه للأجيال التالية علها تنتفع به وترتقى درجات على سلم الحضارة والإنسانية.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







