قضية ورأى

الاحتفال باليوم العالمى «لملائكة البشر»

د. عادل مبروك
د. عادل مبروك


إسهامات ذوى الهمم مساهمات عبقرية وليست مساهمات هامشية

ونحن فى مطلع الشباب وكنا نتعجب أيما عجب من أحد ذوى الهمم، كيف يستطيع أن يُحمل «الحمار» رطشا وكيف يستطيع أن يخرط الشونة لينظف أماكن المواشى، ثم يحملها على الحمار، وكيف يذهب إلى حقله ويعود بالحمار ويلاغى كل من يقابله كل باسمه وهويته، وهو الذى رزق حرمان نعمة البصر، وكان من أشد الرجال فى العمل، ونتعجب أيضاً من أحد معارفنا وأحبائنا الذى كان يدرس اللغة العربية، وكان يجيد العزف على العود إجادة كاملة، وكانت كل ليالى السمر الصيفية يعزف فيها كل الألحان الصعبة على العود لكل أساطير التلحين والموسيقى، فضلاً عن حفظه لكتاب الله القرآن الكريم، فضلاً عن سماحته وكان حكايا لا ينشق له غبار، وكنا لا نصدق سلوك أحدهم من سيطرته الكاملة والذهاب والإياب من المنزل إلى الحقل بجمل كبير الحجم، لا يستطيع غيره القيام بهذه المهمة الجبارة.

أسرد هذا بمناسبة اليوم العالمى لذوى الهمم، بل وأزيد وأعترف أن أول من علمنى شخصياً كان شيخنا وأحد مساعديه وكان كلاهما من ذوى الهمم ولهما كل الفضل فى حفظ ما حفظته من قرآن وبداية تعلم الحروف الأبجدية.

كل هذا لأقول وأؤكد أن ذوى الهمم فضلاً عن أنهم ببركاتهم وملائكيتهم نرزق ونسعد من الرحمن الرحيم، فإن لديهم ما يقدمونه ويتفوقون فيه، ولديهم ما ليس لدينا بكثير، ولنا دائماً أن نتذكر أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يناديه صلى الله عليه وسلم فى الذهاب والإياب تعالى يا من عاتبنى فيك الله.
وكان لديه ما ليس عند بعض صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم المقربين رضوان الله عليهم جميعاً، وكذلك الصحابى الجليل /عبدالله بن مسعود، وكان أيضا من ذوى الهمم وكانت الملائكة تسمع وتتعجب من تلاوته للقرآن الكريم، وعندما مزح معه أحد الصحابة كان النهى عن ذلك الفعل.

ولنا فى العصر الحديث من دعاة وأئمة التنوير الدكتور/ طه حسين الذى قاد سفينة التنوير وحارب كثيراً وحمل لواء التنوير الحقيقى، رغم الحروب التى شنها خصومه عليه، وظلت كتاباته ومؤلفاته رغم تلك الحروب مجالاً خصباً للتنوير وقيادة لوائه، وأخيراً هل جاء مثل العبقرى سيد مكاوى فى ألحانه التى سبقت عصره، وكذلك ارتباط اسمه بالمسحراتى فى رمضان أو الليلة الكبيرة، وهل ننسى عمنا عمار الشريعى ومؤلفاته وإبداعاته الموسيقية مثل تترات مسلسل رأفت الهجان وغيرها. ومن لا يعرف الفنان عمرو سليم وإبداعاته التى لا تغيب عنا أبدا.

وأختم هذا بقيثارة السماء والصوت الملائكى الشيخ محمد رفعت الذى يعد رائد مدرسة التلاوة، والذى لا يختلف على صوته أحد، وهو أحد عباقرة مدرسة التلاوة.

أقصد من هذا كله أن إسهامات ذوى الهمم مساهمات عبقرية وليست مساهمات هامشية، أو يمكن التقليل منها، بالعكس إسهاماتهم فى بعض الجوانب غيرت وجه التاريخ العلمى والاحتماعى والاقتصادى والفنى.

ومن هنا فقد أمرنا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن نتعامل معهم بكل رفق وحنان، وأنهم هم فعلاً ملائكة البشر، بهم نسعد ونرزق وتُعمر بيوتنا.
وقد حث القرآن على مخالطتهم ومجالستهم فى المأكل والمشرب، فقد كان النفور منهم شائعًا قبل الإسلام.

وفى السنة النبوية الشريفة مواقف وأحاديث كثيرة تبين رحمة النبى صلى الله عليه وسلم بذوى الهمم، وتبين فضلهم  ومكانتهم، وما أعده الله لهم، ومن ذلك: أنهم سبب الرزق: عن أبى الدرداء قال سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: «أبغونى الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم». 

الحث على معاونتهم: عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان فى حاجه أخيه كان الله فى حاجته)

وقد أدخلت كل الدول تشريعات ناصفة ومنصفة لهم للحفاظ على حقوقهم، ومعاملتهم معاملة سليمة، وقد وصلت تلك التشريعات إلى إدماج كل ذوى الهمم فى المجتمعات، والحفاظ عليهم وتمكينهم من كل ما يساعدهم على ذلك بشكل ميسر قد يصل إلى حد الرفاهية.