سادن المحرقة: حين يحاكم الإسرائيلى نفسه!

صورة موضوعية
صورة موضوعية


د. منير الحايك

عندما خلق غسان كنفانى شخصيات يهودية وحاورتها شخصياته الفلسطينية فى نصوصه أواخر الستينيات وبدايات السبعينيات، لم يكن الأمر سهلًا عليه ولم يكن قبول هذه الشخصيات سهلًا على المتلقّى الفلسطينى والعربى، وفى أيامنا هذه التى نعدّ شهداءنا بالآلاف منذ سنة ويزيد، بين لبنان وفلسطين، تأتى رواية «سادن المحرقة» (دار الآداب 2024) فى ظلّ ظروف قد لا يقبل فيها المتلقى العربى أن يستمع إلى شخصية يهودية ويغوص فى أعماقها وفى حسّها الإنسانى ومشكلاتها وأزماتها وصراعاتها النفسية، بوصف ذلك الشخص إنسانًا، لا عدوًّا عنصريًّا قاتلًا مرتكبًا للمجازر.

وقبل أن أدخل فى تفصيل النص، سأبدأ من عبارة مُلِحّة رافقتنى منذ الصفحات الأولى، هى ليست «قناع بلون السماء 2»، هى رواية جديدة بفكرة جديدة. فصحيح أن النصين يرتبطان بشخصيتى نور وأور، ولكننى لم أستطع اعتبارها جزءًا ثانيًّا، ولكن لا ألوم الدار والكاتب والمحرّر، فالأمور التسويقية لا بدّ منها.

هى قصة أور، الشاب «الإسرائيلي» (وهنا سأستخدم التسمية لأجارى النصّ لأنها كانت مبرَّرة) الذى انتحل نور الشهدى شخصيته، نعلم ذلك قُبَيل منتصف النص، أور الذى يتعلّم العربية مع معلّمته وصديقته مريم، ويزور طبيبته النفسية هداس على الدوام، لأنه يعانى كما يخبرنا النص من «البوست تروما»، يكتب عن نفسه بطلب من طبيبته، ولكنه يعتمد الكتابة بضمير الغائب، ولهذا الأمر الكثير مما نعرفه فيما بعد. أور الذى أصبح يحلم بالعربية، والذى يخبرنا الكثيرَ عن حياته وعن ذكرياته وعن أزماته. ولكن لماذا كتب عنه خندقجى بهذه التفاصيل، وأنسنه إلى درجة جعلنا نتعاطف معه ونقبله ونستمع إليه؟

أور الذى يشارك فى حرب تموز فى جنوب لبنان، والذى يُقتَل أخاه جدعون على يد المقاومة فى الضفّة. أما والده، والذى يشاركه الكثير من الأحاديث والأسئلة الكبيرة عندما يزوره فى المستشفى، لأنه فى كوما منذ سنوات، فقد شارك فى الحروب الأولى ومجازرها، ماتت أمه وجدته وجده بالكورونا وغيرها، تركته حبيبةٌ بسبب وضعه النفسى، وحبيبة أخرى عندما يكتشف بأنها مثلية... يستمر بالسرد عن نفسه، ويكتب عنها بصيغة الغائب، إلى أن تأتيه أيالا، التى نعرفها من «قناع بلون السماء»، ومن هناك يأخذ النص منعطفًا آخر، حيث يقرر أور البحث عن نور الشهدي.



تركيبة سياقية ودرامية متوقَّعة، يتوقّعها القارئ منذ بداية الرواية، ولكن هل ستصدق جميع توقّعاته؟ يوهمنا النصّ بذلك، ولكن المتلقى ينسى أنه يقرأ لكاتب محترف، فبأسلوبه السلس والعذب، وبالواقعية التى توهم بالسهولة، يجعلكَ تظنّ بأنّك كنت تعرف ما سيحصل، أما لو توقّفت وحاولت التوقّع، فستقف حائرًا! عندها تعلم أنك مأخوذ بالسرد، ومأخوذ بالقصة التى، تعود بك إلى أحداث تعرفها سابقًا لو قرأت «قناع بلون السماء»، ولو أنك لم تقرأها، فلا مشكلة مع باسم خندقجى، لأنك أمام نصّ متكامل فى عناصره وتشكيلاته وعلاقاته. وهنا أؤكّد على أننا نظلم «سادن المحرقة» عندما نربطها بسابقتها.

عندما كتبتُ عن «قناع بلون السماء» قلتُ إننى بدأتها متعاطفًا مع الكاتب، ولكننى بعد صفحاتها الأولى نسيتُ التعاطف وأكملتُ مع حرفية عالية لكاتب مثقّف وصاحب همّ وقضايا كبرى، أما مع هذا النص، فقد بدأته معدًّا أسلحتى الهجومية إن هو لم يرتقِ إلى ما توقّعته وانتظرته، وهنا أدخل فى تفاصيل التقنيات والجديد.

أقول إننى لم أتقبل التعاطى مع أور الإنسان فى البداية، وقلتُ فى نفسى إن الدار والمحرر قد عجّلا فى النشر وإنّ هذه المرحلة ليست مرحلة القراءة عن أور الإنسان، ولكننى، وبذكاء الكاتب الذى لم يفاجئنى طبعًا، عرفت ما يريد هذا الأسير أن يوصله إلينا. فأن نستمع إلى هذا الإنسان، ونسمع منه أسماء الأمكنة كما يريد هو، ويستفزّنا هذا كله ونحن نقرأ، ولا يدافع أحد بقوة عن الأمكنة، حتى مريم لم يكن حضورها كحضور سماء إسماعيل، ولو أنها حضرت مثلها لكان الأمر مبتذلًا جدًّا، فكلّ شخصية كانت حاضرة لسبب. أور الذى كان يحاور طبيبته، ويحاور مريم، ويحاور نفسه ويحاسبها، كان الغاية بنفسه، فكما جعلت الرواية من الشخصية الأوروبية تتبنى سرديتنا فى «قناع بلون السماء» وتواجه أيالا بها، جعل خندقجى من أور، الجندى الأشكينازى، يحاسب تاريخه ويحاسب نفسه ويخبرنا بأن من أسباب معاناته أشلاء فتيات رآها بين يدى والدهنّ، فهل أعمق وأكثر جدّة من هذه المحاسبة والمقاربة والنقد اللاذع لسادنِ المحرقة ذاك، الذى لم يتوانَ عن الرجوع إليها واجترار سرديتها فى كل مرة يواجَه بعنصريته ووحشيته وسرقته وتزويره!

لا نسمع نور الشهدى سوى ببعض الكلام الفكرى الصعب باللهجة المحكية، وهنا لى مأخذ على الرواية، وخصوصًا أنها صرّحت بأنها جزء ثانٍ، فنور لا يشبه كثيرًا نور الذى ارتدى القناع، على الرغم من أن الأحداث تفصلها سنة أو أكثر بقليل فقط، وإن الباحث عن الآثار ذاك، وعن شياطين مريم المجدلية ليكتب نصًّا أدبيًّا يرد فيه على دان براون، حتى وإن كان مثقّفًا وقارئًا، تحوّل إلى منظّر يكتب كتابًا ويحكى فى بودكاست عن الكائنات الكولنيالية بشكل عميق، هذا التحوّل وهذا الانفصال بين نور هنا ونور هناك لم يكن متوازنًا.

عبارات كثيرة مستفزّة وردت فى الرواية، معظمها وجدت لها تبريرًا داخل النص نفسه، خصوصًا ما يرتبط بما يسميه، وأسمته الرواية فى بعض المواضع، بالصراع الفلسطينى الإسرائيلى، تلك التبريرات كانت تأتى دائمًا على لسان أور، وخصوصًا عندما عاد إلى عنصريته وأصوليته وكراهيته، ولعلّ أعمق القصص التى قالها، قصة اغتصاب البدوية من قبل الناجين من المحرقة، عام 1948 فى صحراء النقب، تذكّرها لأن ما استفزه أنهم قصوا شعرها، ولكن خندقجى أراد لهذا الشخص أن يسردها، وهنا القوة فى التأثير، لو تُرجِم النصّ وقُرئَ فى الغرب الآخذ بالتفكير بوجهات النظر المختلفة، إن لم نتفاءل كثيرًا ونقول الآخذ بالاستماع بشكل كبير إلى سرديتنا. أما الفكرة الأكثر عمقًا، والتى تحتمل الكثير من التأويل، فهى عندما تأتى عبارة على لسان نور الشهدى «أحدِّق بالآخر من دون أن يرانى لا لأصيره، بل لأتحرّر منه وأحرِّره مني».

تنتهى الرواية مع ظهور سريع لشخصيَّتى سماء اسماعيل والأسير مراد الموسى، ورود اسميهما من خلال مقالتين كتباها عن نور الشهدى وأفكاره، وهنا قد يكون هذا من ضمن ما فهمه الكاتب عن التحول السريع فى شخصية بطله نور، ولكن لا أظنه استطاع التبرير بشكل قويّ، بل جاء ظهورهما للتذكير بهما وللربط بين النصَّين لا أكثر.

أنهى بما بدأته، هى ليست جزءًا ثانيًا لـ«قناع بلون السماء»، بل هى رواية مستقلة بذاتها وبجديدها وبلعبتها الروائية وتقنياتها، سمعنا الإسرائيلى فيها يحاكم نفسه وتاريخه، وسمعنا مع مريم فلسطينى الداخل المتمسك بفلسطينتيه، وقرأنا نصًّا متماسكًا بأسلوب خندقجى الذى اعتدنا فيه السلاسة والانسيابية فى السرد، والعذوبة فى اختيار المفردات والصور، ولكنها، أى رواية «سادن المحرقة» تبقى نصًّا جديدًا يُضاف إلى نصوص السردية الفلسطينية، التى لن تُسكِتها سجونٌ أو قتل أو تدمير أو موت، فنحن نحبّ الحياة، إذا ما استطعنا إليها سبيلا...