عزة أبو الأنوار
فى زمان آخر.. إن كانت البيوت شمسها وفيرة، والشوارع لا تأكل مريديها، إن كنا بقوانين زواج أصلح وتأمين صحى جيد ووعى نفسى لدى الناس المحيطة، إن لم تحِطنا الحروب وأخبار العنف فى كل مكان.. كنت سأنجب سبعة أولاد.
حلمت بهم واخترت أسماءهم وانتقيت لهم أبًا. كانوا خمس بنات يلونَّ الدنيا بهجة وحماساً، وصبيين يُغيران مفاهيم الدنيا ويشُدَّان أزر العائلة.
لكنى هنا، فى القاهرة التى تقهر أهلها، فى بيت مُحاط بالجارات المعنفّات، وتاريخ طويل من صدمات الطفولة والعلاقات المبتورة والأحلام الوئيدة.. بجسدى الهزيل الذى لا أعرفه ترددت فى فكرة الإنجاب من الأساس.
لكن حدث ما حدث واستقبلت ابنتى الأولى!
بظهر مقتب وهالات حول عينى وعظام منخورة، استقبلتها.
لم تنفجر الأمومة فى قلبى كما جاء فى الأفلام، ولم يدق قلبى للرؤية الأولى. فقط خوف، كل صرخة وكل لسعة برد وكل لحظة جوع ألقت حصوات الخوف فى قلبى بقسوة وبرود.. خوف ومشاعر ذنب وندم متواصل والكثير الكثير مما لم أفهمه وقتها. لَبس أحاط بكل معنى ورغبة جامحة فى الصراخ. لأصحو ذات يوم أفاجأ بحبها راسخًا فى قلبى وكأنه أزلى بلا بداية!
هالنى كل هذا الجنون، لكنى قابلت فى حلقات الدعم النفسى وجلسات الصديقات السرية مشاعر متشابهة جدًا. حيث لا أم تحكى عن فرحتها بصرخة وليدها فى حجرة العمليات، أم واصلت الليالى والأيام وانحنى ظهرها فرضيت وفرحت.. لا توجد أم أحبت أحلامها المنسية وتساقط رفاقها عنها وملل شريكها.. إذن ما الأمومة؟ ما كنهها؟ وكيف وقعها فى القلب؟!
خضت اكتئاب ما بعد الولادة دون أن أعرف، وأجهضت مرتين بمشاعر غاية فى الالتباس، فلم أكن أريد هذين الحملين، فلماذا قُصِم قلبى بموتهما؟!
بدأت التدوين محاوِلة التخفف من ألمٍ غير مرئى، وفك تشابك يسحبنى نحو الانتحار.
فكان «قاموس الأمومة»..
استقبلت وليدى الثانى الذى أُتبِعَ بإجهاضٍ جديد، صار لدىّ الآن طفلان وثلاثة إجهاضات يعبئون روحى بذنبٍ غير مفهوم.
لتبدأ الكتابة فى فك التشابك وفهم الالتباسات التى لم تروِها لنا أمهاتنا.
عرفت معانى أخرى للأشياء، فكان لا بد من كسر التابوه وإطلاق صرخة، «أنا لست سعيدة».. لم أغضب من أطفالى أو أمومتى، لكنى غضبت من كل شيء آخر حدث بعد الولادة.
النساء لم يُخلَقن أمهاتٍ كما أوهمونا، لكننا نُفاجأ بأنفسنا فى مواجهة أمر واقع بلا مفر.. ومع استدراك الأمر يتسرب حب الوليد لقلوبنا فلا نعود نبحث عن فكاك.. لكن لا تزول الرغبة أبدًا فى الراحة والشكوى وطلب المساعدة.
فى كتابى «قاموس الأمومة» حاولت فك بعض الالتباسات التى تعيشها الأمهات، خصوصًا فى الوطن العربى مع غياب الوعى النفسى للأم والمحيطين بها، وعدم التصالح مع الجسد، وسوء الصحة المنتشر بسبب سرعة الحياة أحيانًا والفقر أحيانًا أخرى، والجهل أحيانًا كثيرة.
حاولت إعادة تفكيك بعض المصطلحات الرنانة وخلق معانٍ جديدة لها ربما لم يرها سوى الأمهات، ولم يجرؤ الكثير على التصريح بها، كالأم المثالية، وعيد الأم، والحب فى حياة الأمهات، وبعض المصطلحات النفسية مثل: الاكتئاب واضطراب ثنائى القطب.
وفى محاولة لقول «لستِ وحدك»، الشكوى ليست كراهية، لا تشعرى بالذنب لأنك ترغبين فى الهروب، كلنا هناك، نحلم بالهروب لبعض الوقت، فقط بعض من شحذ الطاقة لاستقبال المزيد من المسئوليات وتقديم المزيد والمزيد من الحب والدعم والقبول.
فى تعاليم النجاة فى الطائرات، يُنصح بوضع قناع الأوكسجين وإنقاذ نفسك «أولاً».. حتى تستطيع إنقاذ أطفالك.
وبكثير من التدوين والصراخ والأوراق الممزقة حول مكتبى، تمكنت من كتابة روشتة صغيرة فى 75 صفحة تضم تعليمات وضع قناع الأوكسجين، وشرح أعراض الاختناق وأسبابها.. وأخيرًا دعوة للضحك واستقبال الحياة، لأن «الأم الحزينة تطبخ الحزن لأولادها دون قصد».
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







