ممدوح رزق
منذ الكلمات الأولى فى مجموعة «حواديت محلية الصنع» أو المفتتح المعنوَن بـ «تعريف لابد منه» تحدد مشاهد / مقولات «الفقر» سياقًا خطابيًا يمهد لاكتشافه كهوية دامغة لقصصها، ليس فقط باعتبار المفتتح إشهارًا للمحتوى الدلالى لقصص المجموعة، ولكن لأن تفاصيله الحسية أيضًا تمتلك حضورًا طيفيًا ثابتًا داخل هذه القصص. قراءة «حواديت محلية الصنع» تعنى إدراكًا بأن فضاءات قصصها تنطوى طوال الوقت على «كوب شاى ماسخ»، و«نداءات باعة جائلين»، و«تلميذ ينادى على اسمه فى طابور الصباح لأنه لم يسدد المصروفات»، و«فرحة طفل بعلبة «الهريسة»، و«أطفال يلعبون «الغميضة» فى المقابر»، و«محاولات لتفادى بصقات وصفعات مجذوب»، و«شخص يجمع أجرة «ميكروباص»، و«ولد يهرب من المدرسة قفزًا من فوق أسوارها العالية ذات الأسلاك الشائكة». فى خفاء القصص يوجد هذا «النقصان المكتمل» بأشيائه الملموسة رغم احتجابها، التى تكوّن كليّة الحيوات المعلنة للمجموعة.
(لم أنشأ بين الكتب، ولم يحو بيتُنا مكتبة كما يتباهى الكتّاب، ذلك أن أبى الفقير لم تكن ضمن أولوياته الكتب والمكتبات. إنجازه أن يمر اليوم بالكفاف فى العيش، حلونا كان كوب الشاى «الماسخ»).
«جماليات الفقر» تقدم نفسها فى هذا المفتتح بديلًا لـ «المتن الأدبى العالمي» المتعذّر، كما يشير الكاتب، لكن هذه الجماليات كان عليها أن تتحوّل بدورها إلى متن شخصى، يوثّق سردية «الكفاف» التى لم تُقرأ فى كتب وإنما ظلت «معاشًا».
كان على هذه الجماليات بينما توثق «الحيوات الكادحة» أن تتأمل ذاتها، ليس فقط عبر مرايا «البؤس» فى «الأدب العالمي»، كما نجد فى قصص مثل «المعطف» لجوجول، أو «وفاة موظف» و«المغفلة» لتشيكوف، أو «الخبز» لبورشرت، ولكن أيضًا عبر التشريح الضمنى للغة التى تستعملها هذه الحيوات فى وصف نفسها.
لكى يستجوب هذا التوثيق ولو على نحو مستتر تلك العلامات التقليدية التى يستخدمها «نسق الفقر» فى تثبيت يقينه. ذلك لأن إعادة كتابة الذخيرة السردية لـ «حنايا الحواري» على سبيل المثال تضمر فى جوهرها رغبة مبهمة فى تحريف «النموذج البلاغي»، أى تعديله بما يجعله قابلًا للبوح بـ «فقره»؛ احتياجه الدائم لسد ثغراته، لإخفاء تناقضاته، أى عجزه عن ضمان الاتساق مع نفسه. يجعله قابلًا للنطق بما لم يفصح عنه من قبل.
تجريده من عموميته، أو سماته الشائعة والمستقرة، ألا يكون مجرد استنساخ لمعرفة متعسفة، تكوّنت وفقًا لمشيئة «سابقة»، تتسم بالمراوغة والانفصال عن «ملامح النموذج الزائلة». هو بحث «الكفاف» حين يصبح نصًا مكتوبًا عن استقلاله المضاد عن «المصدر المتعالي» للسلطة أو الخطاب الشمولى «المنعزل» الذى ينتج مواصفات القيم عبر التاريخ، وبالتالى يؤسس ويضمن الهيمنة بواسطة الانتساب اللغوى المتجذر إلى مرجع أو «لاهوت أنطولوجي» يستحوذ كليًا على الحقيقة. يعمل النقد على كشف هذا الانتهاك المتوارى الذى تمارسه القصة القصيرة تجاه خطابها الظاهرى. على حل الالتزام المدعى بين الكلمات والإطار الطاغى الذى يضمن معانيها ويسيطر على إحالاتها. هكذا تكون «عني» التى يبدأ بها مفتتح المجموعة «تعريف لابد منه»، إيماءة سرية إلى «اللاتعريف».
الصوت كتفاوض مع الزمن
صوت الطفل فى قصة «عملات أبي» يكافح لخلق مستويين من الزمن: الوقت الشخصى، الكرونولوجى أو المتتابع كما يمر بحسب عقارب الساعة مكتسبًا سرعة قصوى، والذى يفترض أن يصل به إلى لحظة الحصول على الدراجة، والزمن الوجودى الذى يتجاوز الوقت، أى الذى لا يرتبط خلاله العالم كليًا بعقارب الساعة.
هذان المستويان من الزمن ينسجمان ويتصارعان معًا؛ فالسرعة القصوى بالنسبة للطفل هى إلغاء للوقت الشخصى، وهو ما يرادف الزمن خارج عقارب الساعة، أى فى عدمه، وكأن «الدراجة» وسيلة مستقبلية ممكنة لتحقيق ذلك التخطى. لكن سر هذا الانتفاء الغامض والمستحيل للزمن هو ما يمنع الوقت من الإلغاء. هو الذى يبقى العالم عالقًا فى الوقت. يعرَّف الخيال الطفولى هنا بكونه وسيطًا تفاوضيًا بين الوقت وما وراء الزمن.
تودد «الوقت المستعمل» إلى السلطة الغيبية التى يختفى عندها الزمن. التى تُبقى العالم خاضعًا للزمن. الوقت المستعمل تكوّنه كل الأشياء المستعملة فى حياة الطفل وأسرته، وكأن التلصص على عقارب الساعة كمجابهة لهذا الوقت هو ما يشيّد الزمن الداخلى «الشبحي» للطفل، أو الوقت المنفلت من «الاستعمال»، غير المرهون بعقارب الساعة، ومن ثمّ فإن هذا الزمن الداخلى يضع الطفل على حافة الاختفاء الزمني.
صيرورة التغييب والانبعاث:
شخصية الراوى فى قصة «السبنسة» تحاول فض الاشتباك بين صيرورة روحية وأخرى جسدية؛ فالطالب فوق عتبة السبنسة يضع جسده فى مقامرة حركية للاتساق مع شوق معاند لروحه.
يريد الفوز برهانه كمغامر غير خبير وسط جماعة من المتمرسين على خطر «السبنسة»، لكن توقه الروحى فى السعى لمسايرة هذه الرغبة يقيده الرفض الأساسى لهذا الاضطرار. رفض الأسباب والعوامل ـ غير النزيهة ـ التى سمحت لهذا المشهد بالوجود. هذا ما يجعل الصيرورة الروحية مجاهدة لتعطيل صيرورة الجسد بينما تقوم ظاهريًا بتحفيزها.
الروح تحاول إخفاء الجسد كخطوة أولى ـ لا تحدث ـ لإعادة بعثه خارج عتبة السبنسة. خارج «موضوع» السبنسة». كأن هذا الانبعاث المناقض للجسد سيمحو رمزية «السبنسة» ذاتها، أى ما تأسس عليه «تاريخيًا» هذا التشبث بالباب الحديدى للعربة الأخيرة من القطار.
هنا لا يصبح القطار مركزًا بين «الداخل» و«الخارج» فقط، وإنما كذلك بين الأنا والتفسير المادى «المشوِّش» لمعاناتها. بين الأنا والتفسير «الكوني» المرجأ لمتاهاتها. يتحوّل القطار إلى قناع مبتذل، يوهم بالصلابة والحياد، ليوارى وجهًا مفتتًا لمرجع «قيمي» كاذب.
هنا يأتى دور التأمل النقدى فى نزع هذا القناع عن الإطار المعرفى المحطم أو سراب اليقين الذى يتبدى كموطن حاسم للإجابات القاطعة والتفسيرات البديهية والمبررات المؤجلة. مع هذا النزع النقدى للقناع اللغوى عن «المعنى» يُعاد انبعاث جسد الطالب كطيف خارج المدلول «الجمعي». تتحوّل أجساد ركاب القطار والمتشبثين بمؤخرته ـ بالتالى إلى مرايا طيفية، مجردة من «الخطاب الطبقي» ـ دون أن تتوقف عن الإشارة إليه.
مجاز الكمال وخيوطه المقطوعة
فى قصة «الغريب» يراقب الراوى عامل المقهى الصعيدى فى سعيه للوصول إلى الحد الغائم لغربته. إلى حيث يمكن ـ بمعجزة ما ـ أن تتحوّل هذه الغربة إلى «خرافة». أن تحدث مفاجأة خارقة «منقذة» عبر التحديق المتمنع إلى ما وراء تخوم هذه الغربة التى تبدو لانهائية. كأن الراوى بهذه المراقبة يجاهد للوصول إلى حدود غربته الخاصة، التى جعلتها اليد المحترقة لعامل المقهى أكثر رسوخًا وبطشًا.
فى هذه القصة تقدم محاولات عامل المقهى العسيرة للتكيّف وإثبات الجدارة قبل صراخه الأخير؛ تقدم معادلًا حركيًا لأداءات التكنيك القصصى نفسه: التفحص، التورط، المسايرة، الجرح، إخفاء الألم، الصدمة المشهدية، العراء الختامى الذى تتسع وحشيته لكل الاحتمالات.
كأن عامل المقهى يكتب قصته القصيرة جسديًا بينما الراوى يحوّل هذه الأداءات الجسدية إلى تقنية سردية لا توثق هذه القصة فحسب وإنما تشمل المجموعة كافة وفقًا لخصوصية كل قصة.
القصة القصيرة إذن هى وسيلة الكفاح للوصول إلى الخط المعتم الذى يمكن أن تنتهى عنده الغربة، لكن هذه الحافة تظل مجازًا، أسطورة ملتبسة للواقع حين يكون مسكونًا بتدابير أخرى. إن الانتقال الذى يتوسله البائس من العوز ومهاناته إلى الكفاية ووقايتها يظل انتقالًا لغويًا؛ فالاستغناء مشروط بغياب الحياة نفسها، ومن ثمّ فإن الوقاية الخالصة مرهونة بالوجود خارج الزمن. القصة القصيرة تناوش هذه المفارقة الكونية بينما تستغرق كليًا فى رصد «الغريب» أو عامل المقهى البائس الذى تحوّل من «ريّس صالة» إلى «شياشجي».
قراءة ما بين السطور أو ما تصمت عنه الكلمات تكشف هذه المفارقة؛ فتدابير «النقصان» وإن اختلفت من مكان لآخر، تظل هى ما يباعد بين السماء والأرض. بين مجاز الكمال وخيوطه المقطوعة.
المكان بوصفه قرارًا استباقيًا للفناء
فى قصة «سكن» نحن أمام فتات مكانية. فتاتة يسكنها الرجل المسن أو «العشة»، فتاتة يرجوها أو «حجرة لها سقف يحميه من المطر»، الفتات كفكرة عبثية أو «العالم كما يراه الراوى من خلال حكاية المسن ونهايتها»، عشة المسن ليست «فضلات» مكان حقيقي؛ وإنما هى «ما تكسر وتساقط» من «اللامكان» أى حيث يغيب «المكان» كفضاء شامل، مطلق، لا يقع شيء خارجه.
ذلك ما ينطبق أيضًا على «الحجرة ذات السقف» التى لم يحصل عليها المسن لتحميه من المطر، ومن هنا تتحوّل المقابر التى عرض أصحابها إيواء المسن بعد موته إلى تعريف لهذا «اللامكان» الذى «تكسرت وتساقطت منه الفتات كافة».
تتسع المقابر إلى مدى لانهائى، لتصبح تمثيلًا لفكرة العالم فى خفاء البنية التأملية للراوى التى تعيّن المقابر سكنًا، كان المسن يحتاج منها إلى واحدة فقط كى لا يموت. يصبح العالم تمثيلًا للفناء بتنويعات «مساكنه» أو بالإفرازات المخاتلة لـ «اللامكان» الذى «تكسرت وتساقطت منه الحكايات» لأنه فى ذاته ليس «حكاية» وإنما يحضر فقط بحدس «الحكايات المفتتة» حين تستعرض أشلاءها أو تواريها عبر أنماط متعددة من التماسك الشكلى. يُستدعى «اللامكان» حين تحدث تلك الخلخلة القصصية لمسمّى «المكان» بوصفه قرارًا استباقيًا للفناء، تتوزع ماهيته فى موجودات «مبتورة» عن الشخصية الرئيسية التى لا يؤديها أى «ساكن».
المعنى الفاصل بين المخلوق اللغوى وسلطة اللغة
تتداخل «الحبكة» القصصية المفترضة مع انتهاكها السرى لنفسها؛ حيث يبطن نظام القصة تدميرًا ذاتيًا لمعماره اللغوى يمكن اكتشافه بواسطة الجدل مع فعل «النبش» فى قصة «أن تكون كلبًا»؛ فالمقابلة التى يتم طمسها أو تحاشيها امتثالًا للحكم البلاغى بين ما هو «حي» وما هو «منزّه» تُستبدل بالمقابلة المداهِنة والاسترضائية بين من ينبش القمامة ليأكل، ومن يأكل دون نبش. تعتمد سلطة اللغة على تحديد معنى قاصر، مقيد، محكوم، ومروّض للنبش، معنى لا يتجاوز الحدود التى تحمى المجاز حيث يختبى ما ليس لغويًا.
ذلك ما ينطبق على المقارنة بين «نابش القمامة»، والكلب الذى سيصير إليه ليتمكن من الحصول على «الرفق والطعام» مثل كلاب الذين يأكلون دون نبش. التشبيه الشهير يعيد استهلاك نفسه فى هذه القصة لكى تنبئ بتفكك ماهيتها دون تبرؤ مما تستند عليه كفكرة عامة أى «الإذلال»؛ ولكن التقويض هنا يتعلق بما يتخطى المنظور القريب والمباشر لهذا «الإذلال». المعنى المؤطر الذى يقف حاجزًا بين المخلوق اللغوى، وسلطة اللغة ذاتها كمصدر لتعيين المفاهيم، وتحديدها، وإخراس أشباحها الهادمة.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







