شتاء داخلى: هل يستطيع الشيطى أن يوسّع عالمه السردى؟

صورة موضوعية
صورة موضوعية


 د. إبراهيم منصور

صدرت فى القاهرة طبعة جديدة من المجموعة القصصية «شتاء داخلي» للروائى أحمد زغلول الشيطى الطبعة الجديدة (مطبوعات سشات ٢٠٢٣) فيها إضافة كتبها المؤلف تحت عنوان «إشارة واجبة» إنه يشير إلى أمرين: الأول أن الكتاب كان التجربة الأولى المبكرة للكاتب، وقد كتب قصصه على مدى عشر سنوات كاملة جرت فيها مياه كثيرة فى نهر الحياة والأدب، والأمر الآخر هو أن الكتاب ظهر عام ١٩٩١ فى سلسلة «مختارات فصول» وأن ما أثبت على الغلاف أنه صدر عام ١٩٩٠ غير صحيح، والتفسير الذى يقدمه الكاتب لهذا الخطأ هو أن هذا الوقت كانت البلاد تمر بأزمة فى تدبير الورق فتأخرت الطباعة، ولم يلتفت أحد لتغيير تاريخ الطباعة على الغلاف.

تحمل قصص «شتاء داخلي» خصائص السرد عند أحمد زغلول الشيطى، بما فيها من اقتصاد فى اللغة، وتدفق فى السرد، وحمولة غنية من الإشارات التى تجعل النص قابلا للتأويل، وبرغم ذلك  كله، أو بسبب ذلك كله، فإن السرد مشوق غاية فى التشويق، بعيد تماما عن تضاريس البدايات الموحلة، فالنص الذى كتب فى سن الثامنة عشر والكاتب تلميذ فى المدرسة الثانوية عام ١٩٧٨، لا يختلف كثيرا عن النص الذى كتب فى عام ١٩٨٨. ومعنى ذلك أن هذا الكاتب كان دائما يحمل بين جنبيه موهبة فذة، فماذا فعل الكاتب بهذه الموهبة؟

أساليب القص
تتنوع أساليب القص عند الشيطى، لكن سمة «الشعرية» تظل أهم سمات هذا القص المكتنز، وهناك  قصص عديدة فى مجموعاته القصصية الثلاث، هى قصائد نثر فعليا، تخلو من السرد ومن الحبكة القصصية، ويقوم التخييل فيها على بلاغة الجملة الواحدة، ومفردات البناء الشعرى مثل التشبيه والكناية والاستعارة، وتمثل القطعة المعنونة «لا تحبّيه» من مجموعة «ضوء شفاف ينتشر بخفة» مثالا واضحا لهذه القصيدة:

لا تحبّيه يا مدينة، لا تمدّى خيوطك نحوه.

عما قليل سيأخذ قطار الليل.

لا تحبّيه يا مدينة فوقته انتهى»
فى قصة «وجه عصري» يستخدم الكاتب أسلوب القص الشعبى، ولاسيما التكرار، لكى يصنع قصة فيها جانب الخرافة أو الفنتازيا، فالراوى يعرض نفسه أمام أسرته وأقاربه وحبيبته، فيسخرون منه، فيحلق شاربه، فيسخرون منه، فيذهب إلى الطبيب ويطلب وجها  يحمل ملامح الحزن مثل أقنعة التراجيديا، ويستجيب الطبيب، لكن الوجه الجديد يصدم الأسرة فتدوى صرخة الأم «لقد صنعت لابنى وجه حمار يا دكتور».

وفى قصة «بيان رباعي» يحدث تداخل نصى أى تناصّ مع الكتب المقدسة من الهندوكية إلى اليهودية إلى المسيحية إلى الإسلام، ويصنع الكاتب نصا فيه تخييل وفنتازيا، والنيل فى وسط هذه الرباعية، هو «العلامة» السردية الأكثر بروزا. أما قصة «سكة فى الشمس» فهى مروية من وجهة نظر الطفل، والطفل هو الكاتب، لكن الكاتب الذى كان فى سن العشرين وقتها استطاع أن يختار المنظور السردى الملائم تماما.

قصة «الصندوق» أيضا رواها الصبى الصغير، القصة  تروى حكاية حزينة، لكن المفارقة أنها تبدأ باللعب والشقاوة، مثل قصة «سكة فى الشمس» لكن وعى الصبى يأخذ فى التكون شيئا فشيئا وينتهى الأمر بمرارة وحزن لا يريم، لأن الصندوق الذى لعبت به البنت الصغيرة مع أخيها لعبة «الموت» كان فعلا فى الأصل صندوق صنع لوضع جثة الأب الذى مات فى أول رحلة صيد خرج فيها مع المركب إلى البحر.

تمثل الفئران «علامة سردية» جلية جدا فى عالم الشيطى القصصى، ويكفى أن نلاحظ أن روايته الأخيرة «صخرة هليوبوليس» مثلت الفئران فى صراعها مع البطل استعارة كبيرة، أعادته إلى عالمه القديم، عالم الفقر والاغتراب الناتج عن هذا الفقر. إنه عالم «المخبرين» و«البنات الفقيرات» السائرات نحو الهاوية، وضيق الأفق وقلة الحيلة، عالم انتفت فيه من عالم الطفولة البراءة والحنوّ، وحل محلهما العمل الشاق، والتعذيب باسم التعليم فى ورش النجارة.

وتظهر الفئران فى قصص أخرى منها قصة «تشيكوف» أما فى قصة «فئران» فنرى الصراع داخل حجرة بها سرير، يدور بين الراوى وبين ثلاثة من الفئران، هو يعرفهم وهم يعرفونه، حتى أنهم كشفوا حيلته لاصطيادهم فتركوا السمكة التى وضعها لهم داخل مصيدة الفئران ولم يقربوها، وهو ينظر لهم ويترقب أفعالهم، بل ينتظر هجومهم عليه أثناء النوم، ويستخدم الكاتب لفظة «العلامة» للإشارة إلى ما تركته الفئران على أرض الحجرة وما بها من ممتلكات الراوى «العلامات الثلاثية لأرجلهم مطبوعة على كل شيء .. الملابس .. الأرغفة.. الكتب، وإفرازاتهم الدودية السوداء يتركونها فى آنية الطعام» الفئران فى هذه القصة وفى مواضع أخرى من سرد الشيطى كما أشرنا، هى «علامة سردية» تحمل دلالة يمكن الوصول إليها عبر سؤال هو «لماذا يخاف الراوى من الفئران وهى كائنات ضعيفة؟ ولماذا يبقى وحده مع هذه الفئران يصارعها وتصارعه؟ 

إن دلالة الفئران هى قضية موضوعة فى قلب الصراع الدرامى فى القصص، وهى كذلك تمثل أداة سردية، فى عالم الكاتب وتصوراته ووعيه، فكلما كان المكان نظيفا كلما كان مريحا، وكلما كان احتمال وجود الفئران به ضعيفا، أما ان تكون الفئران جزءا من المسكن وشركاء للراوى فمعنى ذلك أنه لا يستطيع أن يخرج من سجن المكان، والمكان هنا هو بيت ومدينة وعالم بأكمله قد اخترمه الفقر كما يخترم الموت حياة فنهيها ويختمها بخاتمه، لكن الكاتب / السارد لا يموت، بل يظل يترقب الفئران التى هى الفقر بعينه، وتكون مهمته، كما يبدو، أن يعطى بالكتابة العلامة أو الطبعة المقابلة للطبعة التى تتركها الفئران على ملابسه وطعامه وكتبه، إن الفئران تكتب بأرجلها جانبا من قصة الفقر والعوز تحت تأثير الجوع، والكاتب يكتب بقلمه جانبا آخر من قصة الفقر والعوز تحت تأثير الوعى والألم.

هل يمكن النظر لنص كتبه صاحبه وهو فى سن صغيرة، على أنه يحمل أيديولوجيا الكاتب أو رؤيته للعالم؟
يعطينا الكاتب لمحة عن عالمه فى قصة «تشيكوف»  التى كتبها عام ١٩٨٩، وفيها يبدو البناء القصصى التجريبى الذى ظهر فى روايته الأولى «ورود سامة لصقر» (١٩٩٠) حيث الجمل القصيرة الموحية، والزمن المتشظى، والتبدل فى المنظور السردى  للسارد / الراوى فى يسر وسهولة. لكن القراءة السوسيولوجية للقصة تقول إن الكاتب كان على وعى بعالم كاتبه المفضل أنطوان تشيكوف (١٨٦٠- ١٩٠٤م) بما فيه من صراع مع الفقر وقلة الحيلة والضعف الإنسانى الذى  يدمع العين ويفطر القلب، عالم فانكا والحوذى البائس والفتاة المغفلة، هذه الشخصيات الخالدة فى قصص تشيكوف، يقابلها فى عالم الشيطى بشر غرباء أيضا، ولكن المكان يصبح مظهرا جليا للفقر، «فالسقف يسقط رملا»  و«الماء الذى يملأ الإناء إلى منتصفه تحول لونه إلى الأصفر الضارب إلى الاخضرار» والصديق المحاور للراوى «حمالة فانلته الداخلية مسودة من الوسخ» والراوى المشغول بتشيكوف يبدو أمام صديقه كأنه لا يلاحظ أن «البرص والصراصير والفئران تغزو حجرته».

وفى قصة «البرجيسي» يقدم لنا الكاتب لمحة أخرى من هذا العالم التشيكوفى، تذكرنا بقصص الكاتب  سمير الفيل، وهى تتخذ من المدينة نفسها (دمياط) مسرحا سرديا، هنا يظهر عالم الأعمال الصغيرة، حيث يكون الرجل والمرأة كلاهما عرضة للخداع والاستغلال، وهو استغلال ليس أقل ظلما من استغلال الرأسمالية وشركاتها الضخمة بما فيها من تنظيم وإنتاج كبير، وإذا كان سمير الفيل يضع المرأة فى قلب السرد، ويجعلها تقاوم وتنتصر فى كثير من الأحيان، فإن الشيطى يميل إلى إنهاء الصراع لصالح صاحب العمل، الذى لا يخضع لأية قواعد، وكما يبدو لأن سوق العمل لا تحكمها أية قواعد لا رأسمالية ولا اشتراكية، إنها الفوضى، هنا يقع البرجيسى فى الفخ، فهو يرغب فى الزواج، وقد جاء ليدعو صديقه على استحياء لكى يشاركه الفرحة بخطبة فتاة تعمل فى محل عصير القصب، لكن صديقه يفاجئه بقوله:
«-غزالة داعر

يأخذ البنات خلف ماكينة العصير.

كثيرات منهن ذهبن حوامل»

لقد صدم البرجيسى، ولم يملك أمام ضياع حلمه بالزواج إلا الصمت والاستسلام، حالة بؤس يعانيها الرجل هنا لا المرأة، لأننا لا نعرف عن المرأة إلا تلك الأخبار التى يتداولها الرجال، أو بعض الرجال.

تنتهى قصة البرجيسى بأن يرسم الكاتب صورة له وقد فقد حلمه، أبلغ من كل كلام، يتساءل الراوى «كيف عاد شارب البرجيسى مشعثا بعد أن صففه منذ قليل؟»

وتعد قصة «بيان رباعى»  «ديستوبيا» للبؤس، حيث يجتمع أربعة أصدقاء فقراء يشربون خمرا رخيصة، وتدور رؤوسهم فيذهبون فى التخيل كل مذهب، حتى بدا أن ثلاثة منهم قتلوا صديقهم الرابع ودفنوه تحت شجرة، وعالم هذه القصة فيه شبه مع عالم رواية نجيب محفوظ «ثرثرة فوق النيل» لكن عالمهم ضيق محدود بحدود القصة القصيرة أو بحدود الفكرة الواحدة، وقد تفوه بعضهم بألفاظ وعبارات تدل على الرفض للصلح مع إسرائيل، وتلوث مياه النيل، والفقر الذى جعل الرؤوس فارغة، وتلك معانٍ ودلالات يكررها الشيطى فى أعماله دائما.

إن الكاتب أحمد زغلول الشيطى، يحير الناقد، فهو كاتب موهوب، صنع لنفسه اسما كبيرا قبل أن يبلغ الثلاثين، حين نشر روايته القصيرة «ورود سامة لصقر» كما أن مجموعاته القصصية الثلاث لها تقدير لا ينكر، ولابد أن يكون حرص الكاتب على الإجادة والتحكيك، أهم من حرصه على غزارة الإنتاج، الذى نشكو منه، فنحن نرى أن أغلب كتاب الرواية الآن فى مصر وسائر بلدان العرب، يحرصون على نشر رواية كل عام، كأنها الحصة السنوية المفروضة على كل منهم.

لكنى أيضا أحب أن أقول  لـ «الشيطى» الموهوب أن يوسع عالمه القصصى، وأن يذكّر القراء بوجوده كل مدة من الزمن. لقد جاءت الطبعة الجديدة من «شتاء داخلى» لكى نقول له عودا حميدا، ولكى نؤكد على القيمة الكبيرة لنصوصه التى لا تزيد فى مجموعها عن مجلد واحد متوسط الحجم.