جدلية الكتلة والحركة فى «الجميلات النائمات» لهشام نوار

صورة موضوعية
صورة موضوعية


مى التلمسانى

يجمع الفنان هشام نوار بين جنبات معرضه الأخير «الجميلات النائمات» خلاصة تجاربه لسنوات فى مجالات النحت والتصوير والتشكيل البصرى والرسم، ويضع فى القلب من التجربة الجديدة السؤال الأهم والأكثر إلحاحا فى مجمل أعماله: كيف يكون نفسه فى الفن؟ كيف يبدع موضوعا لا يتقيد بالقيم المؤكدة أو السائدة؟ كيف يمحو ما ليس منه ليخلص روحه من أشباح الخوف والتردد والاستسلام؟ طرحت هذه الأسئلة وغيرها نفسها منذ بدايات هشام نوار فى الثمانينيات من القرن العشرين وحتى المعرض الحالى المقام فى جاليرى ضى الزمالك حيث تتجلى فى «الجميلات النائمات» قيم جديدة سعى إليها الفنان واعيا، حافرا بمعوله فى أعماق تاريخ الفن وأجناس الأدب بحثا عن جوهرته المنشودة، وردا على سؤاله الأهم: كيف يصبح نفسه فى الفن. 

فى عام 2021، فى مقال بعنوان «طقوس طوطمية»، كتب هشام نوار عن مشاركته الأولى فى صالون الجمعية الأهلية للفنون الجميلة سنة 1987، وكيف فرض سؤال التجديد نفسه منذ ذلك التاريخ.

فى المقال، يعبِّر هشام نوار عن رغبته الأصيلة فى «محو ما ليس منه»، وعن اكتشافه ذلك الصراع القديم بين القيمة الجديدة والقيمة المؤكدة، حين يصبح على الفنان أن يختار بين النجاح المضمون والمؤقت وبين القيم المستحدثة التى من شأنها أن تثبت جدارته وموهبته، وفى معرضه الحالى يبلغ هشام نوار عتبة من عتبات الفن استطاع بدأب وإصرار كبيرين أن يخطوها عبر سنوات من العمل، كنت شخصيا شاهدا أمينا ومحتفيا بها وبالتجربة التى أفرزتها، منذ أن رسم «القبلة» لتصبح غلاف رواية نشرت لى عام 2012، مرورا بنقاشنا حول مفردات الحب عند العرب والفرق بين أنواع الحب والشوق والصبوة والوله، وكيف يمكن التعبير عنها بصريا، وصولا للجميلات النائمات فى تجلياتهن الحالية. فضلا عن مسارات كثيرة جرَّب الفنان الدخول فيها وانصرف عنها غير آسف بحثا عن جوهرته الثمينة واستكمالا لما بدأه فى مشروعه الفنى الممتد والمتنوع منذ البداية.



حوار موسَّع
فى أعماله النحتية والتصويرية السابقة، قدم هشام نوار تصوراً معاصراً ًلموروث الفنون المصرية القديمة وتجلياتها البارزة فى فنون النحت سواء فى التماثيل أو فى نحت الجداريات. لم يتقيد بها يوما بشكل فلكلورى، بل فتح حوارا موسعا معها فى محاولة لاستنطاق هذا الموروث وتجاوزه مؤسِّسا لنفسه مسارا يخصه وبصمة لا تخطئها العين. يجمع هذا المسار بين ثقافة غزيرة ومعرفة أصيلة بمختلف تيارات الفن والتجريب فى أوروبا وبين الاطلاع على حركة الفن التشكيلى المصرية فى النحت والتصوير منذ جيل الرواد مرورا بتجارب السرياليين وجماعة الفن المعاصر وصولا للحظة الراهنة.

فى هذا المعرض يفاجئنا هشام نوار باتساع السؤال المصرى القديم وخاصة سؤال الكتلة الجالسة، وانفتاحه على موروث التشكيل والأدب ليس فقط فى الغرب الأوروبى، ولكن أيضا فى الثقافة اليابانية الحديثة. يذكرنا على سبيل المثال بسلسلة رسوم هوكوساى الشهيرة «المشاهد الستة وثلاثين لجبل فوجى» (1831-1833) وبرواية «منزل الجميلات النائمات» لياسونارى كاواباتا (1961) وهما معا من أهم تجليات تلك الثقافة عالميا.

ومن هذا الحوار الثرى بين روافد الفن القديم والحديث، وبين ما اصطلح على تسميته بفنون الشرق وفنون الغرب، ينتج هشام نوار معرضا متماسكا بمضمون وموضوع جديدين. فى الظاهر، يبدو موضوع الحب والعشق وأشواق الجسد من موضوعات الفن القديمة قدم التاريخ.

وتبدو القيم المرتبطة بها تشكيليا وبصريا وكأنما قد عفا عليها الزمن. لكن هشام نوار يقدمها لنا هنا فى كامل بهائها، وفى تجددها الخلاب، ليس باعتبارها قيما ثابتة، بل باعتبارها قيما عابرة للحدود الجغرافية والثقافية، قيما إنسانية عليا، تربط بوشائج قوية عمل الفنان المصرى الراسخ بأعمال آباء الفن فى العالم وتؤكد الترنيمة المصرية القديمة التى يتردد صداها فى أعمال هشام نوار والتى تعتبر أن الجسد معبد الإله. 



طموح الرسَّام
هكذا يأتى هذا المعرض فى التجلى الأول بمثابة تحية للجسد ولروح الفن، وفى التجلى الثانى بمثابة تحية لكاواباتا أحد كبار الأدباء الكلاسيكيين، واحتفاء بواحدة من أجمل روايات القرن العشرين، كما نرى من عنوان المعرض ومن موضوعه العام. لكنه فى العمق، يأتى ليقدم منظورا مغايرا لما دأبت على تقديمه الفنون البصرية المعاصرة.

ويجمع هذا المنظور بين رسوخ الرسم بتقاليده ومدارسه المعروفة قديما وحديثا، والطموح لتبنى رؤية طليعية تتمرَّد على محددات وتوقعات سوق الفن، بالعودة لموروثات الفن المصرى القديم وتيارات الفن العالمية دون رغبة فى إعادة إنتاج أى منها.

فى هذا الإطار، تبدو جميلات هشام نوار النائمات وكأنهن يحلمن بجميلات كاواباتا. لكن نوار يترجم الجسد الأدبى إلى جسد بصرى، جسد عار كما هى أجساد جميلات كاواباتا، لا يعطى نفسه بسهولة للنظر، ويكاد يخفى مواطن إيروتيكيته الخاصة بعيدا عن أعين المتلصصين، تماما كما يحظر على بطل الرواية لمس الفتيات النائمات.

البطل العجوز «إيجوشى» يختفى هو وغيره من شخصيات الرواية من المشهد البصرى الذى يقدمه هشام نوار. ربما لأن نوار اختار أن يعيد الاعتبار للشخصيات النسائية الصامتة فى العمل الأدبى، وأن يمنحها القدرة على الحكى عبر تجليات الجسد الحسية والتشكيلية.

وربما لأن نوار يرى نفسه المعادل الفنى للعجوز «إيجوشى» الذى يداوم على زيارة منزل الجميلات النائمات فقط ليقضى ليلة بجوار إحداهن. فى كافة الأحوال، يعطى الفنان للجسد الروائى حياة مغايرة، ويضعه فى بؤرة الضوء مخلِّصا إياه من هواجس الموت واليأس التى تخيم على البطل العجوز. يحول هشام نوار الجسد المكتوب إلى جسد مرئى حتى وإن استعصى على اللمس، ويراه عاريا تارة، مدثرا بغلالات رقيقة من النسيج أو من الأحلام تارة أخرى.

الفنان إذن هو صانع الجميلات وهو القادر على خلق وتشكيل ولمس أجسادهن بكل ما تختزنه الذاكرة من حنين وشوق وترقب. يمنحهن حضورا بصريا لا يُستهان به، وفى الوقت نفسه يفلتهن من أسر ذاكرة «إيجوشى» كما يفلت هو ذاته من أسر الكلمة المكتوبة منطلقا فى أفق التشكيل البصرى الرحب.

والأهم أنه فى سعيه لعمل تنويعة على تيمة الرواية، يحرر الشخصيات النسائية من قدر الاستغراق فى صمت النوم، يمنحهن القدرة على التجلى، بل والحكى عبر أجسادهن، ووجوههن، مستعينا بسطوة التصوير والتجسيد. فجميلات هشام نوار النائمات لا ينمن حقا. إنهن فى حالة غفوة مؤقتة تهددها أحلام اليقظة أو هن على وشك الاستيقاظ.

لا يستغرقن فى نوم عميق ولا ينسحبن من الواقع بالنوم، لقد أرحن الرأس على الركبتين، أحطن أجسادهن بشعر مموج حر، اتخذن وضع الجلوس أو وضع الجنين، ورحلن إلى عالم الحلم القريب. وكأنهن نائمات متيقظات، يغصن برهة من الزمن فى تلك المنطقة الغائمة بين الصحو والنعاس، بطمأنينة واستسلام هين توحى بهما إغفاءة النائمة فى وضع الجلوس.
 
يتأكد هذا عبر التشكيل البصرى الهندسى والمنظور المسطح اللذين استلهمهما الفنان المصرى القديم، وكذلك الرسام اليابانى، كلٌ على طريقته وبأدواته وموضوعاته الخاصة. هندسيا، يتقاطع المربع والمستطيل مع الدائرة والمثلث، فيؤكدان على تماسك الكتلة من ناحية وعلى وضع الجلوس ووضع الجنين من ناحية أخرى. فمثلا يتقاطع مستطيل الجسد النائم ككتلة واحدة مع مثلث الساقين المعقودتين تارة، ومع الذراعين المرفوعتين تارة أخرى فيتخلل ثبات الشخصية وتبدو وكأنها على وشك الاستيقاظ من إغفاءتها. وينقسم مربع الجسد أحيانا لعدد من المثلثات المتداخلة، يصنعها اتحاد الساقين أو الذراعين، تجمع بينها استدارات الثديين أو اكتمال دائرة الرأس مع الذراعين أو اتصال تموُّجات الشعر بتموجات غلالة النسيج التى تلف الجسد النائم. فى كل الأوضاع والأحوال، نحن فى حضرة كتلة ثابتة تنبت من داخل ثباتها حركة.

وعلى الرغم من صرامة المفردات الهندسية وبالرغم من استقرار الشخصيات فى وضع الراحة، تؤشر تلك التداخلات الهندسية على حركة لا تخطئها العين، قد تكون حركة الطفو التى تشبه حركة الجنين فى رحم الأم، وقد تكون حركة النسيم الذى يطيِّر شعر النائمة.

إنها حركة تبث الشك فى نفس المتفرج فيما يخص ثبات الواقع نفسه وتثبت أن النوم ليس غيابا عن الوعى وليس نقيضا للحركة. تؤكد بعض اللوحات على الوضع الجنينى للشخصية من خلال هالات اللون والضوء فى الخلفية، فتبدو الشخصية وكأنها تطفو فى عالم موازٍ، فى برزخ الأحلام أو فى  المنطقة الوسيطة بين الخلق والميلاد، وكأنها تنبض بالحياة من قلب الغياب. إنها حركة من داخل الثبات، تؤشر رمزيا لتداخل العالمين الواقعى والحلمى، المرئى واللا مرئى، والتى من خلالها يبرز هشام نوار مراوغة التشكيل البصرى فى معظم لوحات المجموعة. 



الكتلة والسطح
هذا الجدل بين الثبات والحركة، بين الموت والحياة، يتجلى عبر استخدامات اللون والتشكيل والمنظور، فالخطوط السوداء تحدد الشكل وتفسره أو تبرزه للنظر، وتعمد لتشكيل الكتلة وظلالها، وتسمح بخلق انطباع عن الكتلة والسطح.

بينما يؤثر التلوين والتظليل على الكتلة ويجعلها رغم ثباتها الظاهر فى حال من الطفو سواء جلست على خط أفقى محدد فى اللوحة، أو بدت رغم الجلوس وكأنها تسبح فى فضاء حُر. هنا تبرز ألوان الأرض الحارة التى احتفى بها الفنان، وتطغى درجات الأصفر والأحمر على درجات الأخضر والأزرق الباردة التى تم استخدامها بحساب.

من ناحية التشكيل، وعلى الرغم من استمرارية المنظومة البصرية من خلال شخصية الجميلة النائمة، إلا أن الفنان ينحو للتنويع على نفس التيمة وذلك عبر تقنيات متنوعة تفتت الكتلة وتكسر هندسيتها الداخلية الصارمة. هكذا نرى فى بعض اللوحات، كسرا للشكل الجنينى عن طريق إدخال عناصر تكعيبية تسمح بتشظِّى الكتلة سواء بتكبير أحد أجزائها فيما يشبه عمل المنظار أو الميكروسكوب، أو بفصل الرأس عن الجسد وإدراج الجسد فى مشهد آخر، مشهد مائى على سبيل المثال، أو مشهد قبلة فى تجلٍّ آخر.

وفى لوحات أخرى، تتقاطع مع كتلة الجسد عناصر بصرية خارجية، سفينة شراعية تبحر على تموجات الشعر أو وردة حمراء فى يد الجميلة النائمة، أو غيوم فى سماء زرقاء ساطعة يتدرج لونها الأزرق بين لحظة الصحو ولحظة الدخول فى هدأة النوم. 

أما المنظور المسطح فمراوغ أيضا على طريقته، تعمقه الظلال أحيانا، وتخلخله انحناءات الجسد وتعاريجه أحيانا أخرى. كل جسد كتلة، وكل كتلة تكشف أو تخفى تضاريسها وفقا لموقعها من الناظر أو المتفرج. أما كتلة النحت فعادة ما تدفع المتفرج للدوران حولها واكتشاف زواياها وخباياها ومنطقها الداخلى. فى كتلة التصوير، يختلف الأمر.

وكأن الفنان هو من يقوم بفعل الدوران حول الكتلة عوضا عن المتفرج. هكذا ينجح هشام نوار بخبرته الأصيلة بفنون النحت والتصوير معا فى إيهامنا بتنوع أبعاد الكتلة وقدرتها على البروز خارج إطار الخطوط السوداء، بل وخارج سطح اللوحة.

ينشغل بهيئة الكتلة الخارجية بنفس قدر انشغاله باستخدام اللون والإيحاء بملامس الكتلة المحتملة. يتأمل المتفرج تلك الكتل المسطحة فإذا بها تبرز من السطح وتدعوه للمسها: يبدو بعضها طينيا بلون الطمى، ويبدو بعضها الآخر عاجيا أو حجريا أو مصنوعا من الأبنوس، خامات النحات المصرى القديم المستخدمة فى صنع التماثيل والنقش البارز، وألوان البشرة المصرية المتنوعة كما يراها الفنان. 

نساء هشام نوار جميلات بدرجات ألوان بشرتهن، بعيونهن المستسلمة للنعاس، بظلالهن وخطوطهن الحانية، بشعورهن المتعرجة فى انسياب تارة، المستقرة على هيئة كتلة لونية موحدة تارة أخرى، بأجسادهن المنحوتة بصريا فى وضع الجلوس.

لكنهن يستعصين أيضا على التكرار والتنميط ويشكلن وحدة متناغمة ومتحركة فى آن واحد، تتكرر بتنويعات وإيقاعات مختلفة. فهناك ذات الثوب أحمر التى تثنى ساقا تحتها وتترك لحركتها الغافية حرية الانفلات من أسر الكتلة ورتابة التوقع. وهناك فى المعرض نفسه ظهور مميز لشخصية الرجل فى مجموعة لوحات ورسوم بالأبيض والأسود بعنوان «عشق».

وربما تكون اللوحة المهداة لعبد الهادى الوشاحى درة التاج فى تلك المجموعة، حيث يندمج رجل وامرأة على كرسى يشبه العرش، قد يعبر رمزيا عن عرش الوشاحى المتوهج فى مملكة الفن، فى عناق تتمازج فيه الأجساد والألوان مع وضع الجلوس الموحى بالحركة والشهوة معا.

وفى لوحات المجموعة التى تصوِّر قبلة بين رجل وامرأة تلتحم الشفاه وتبرز لونيا وتشكيليا فتحيل تارة لمنحوتات المصرى القديم وتارة أخرى لتراث الفن الأوروبى، تدعمها من آنٍ لآخر مفردات شبقية من بينها مفردة المينوتور الرامز لقوة الجسد الذكورى وعنفوانه الوحشى، ومن بينها حلم المرأة النائمة الإيروسى فيما يُقبل شريكها على لثم ثديها. 

إنها تلك الحياة التى «يمكنك لمسها بكل أمان» بتعبير كاواباتا التى يدعونا هشام نوار لتأملها من خلال هذا المعرض المدهش. وكأنه يدعونا للاستلقاء مثل بطل الرواية إلى جوار نائمات المعرض الجميلات. لكننا بدلا من أن نستلقى، نحلق، أو نطير. بدلا من أن نغرق فى النوم، نغرق فى الصحو، وتلتمع أعيننا بجمال الفن وانتصاره على قبح الحاضر.

بدلا من أن نتمنى «الموت بجوار امرأة جميلة»، نتمنى الحياة فى حضرة الفن، وندرك بعض أسرار الوجود كلما تأملنا خطوط الجسد وظلاله، ملامسه وتشكلاته، سطحه وعمقه. 

جوهرة ساطعة
يبحث هشام نوار عن تلك الجوهرة الساطعة بين أكوام الرماد، ويعثر عليها فى معرضه الجديد، فيجلو عنها ما علق بها من أتربة، ويكشفها لنا فى أبهى صورها، بنفس القدر من التأنى والروية الذى يطبع كل أعماله. يكشف لنا صورة الفن المزدوجة وروحه العميقة: صورته الذاتية المفتوحة على أسئلة الشباب والكهولة، الذاكرة والنسيان، الحلم والواقع.

وصورته الجماعية المفتوحة على فعل المقاومة الدؤوب، مقاومة القبح السائد بالضرورة، ومقاومة التوقعات المسبقة المفروضة قسرا على الفنان المعاصر.

يكشف لنا أهمية مقاومة الموت من خلال صحوة الوعى، ومقاومة الذكورية القاتلة من خلال الحفاوة بالجسد الأنثوى، ومقاومة الاستسهال البصرى من خلال التعمق الفكرى والفلسفى، ليثبت من جديد قدرة الفن الصادق على تجاوز الحدود وكشف ما ليس منه.