في ذكري ميلادة العميد : في مواجهة الإخوان وتشكيك المازني في وجوده

 طه حسين
طه حسين


هذه الأيام تحل ذكرى ميلاد طه حسين (15 نوفمبر 1889 - 28 أكتوبر 1973) وفى هذه المناسبة ننشر هنا دراسة للكاتب والباحث د. ممدوح فراج النابى يتتبع فيها من خلال وثائق وجرائد تلك الفترة جانباً من المعارك التى شنتها جماعة الإخوان المسلمين على طه حسين وسعيهم إلى استمالته إلى جانبهم  وهى المعركة التى يرى د. النابى أنها تكشف الكثير من آليات عمل الجماعة.

كما ننشر أيضا مقالاً لإبراهيم عبدالقادر المازنى يسعى فيه بطرافة للتشكيك فى وجود طه حسين عبر استخدام مدرسته فى الشك التى طبقها على شعراء الجاهلية.

تعددت خصومات طه حسين (1889 – 1973) مع رجال الفكر والدين وأعضاء البرلمان، ووصل بعضها إلى سرايا النيابة وساحات المحاكم، ومع كثرة خصومه – على اختلاف أطيافهم ومشاربهم - لكنه ظل صامدًا ومتمسكًا برأيه رغم ما كان يتعرض له من المخاطر والأضرار النفسيّة بسبب هذه المواقف، وتلك الآراء التى كانت فى كثير منها تصطدم بالتابوهات الدينيّة والمسلمات الثقافيّة، ولكن دون هؤلاء الذين ناصبوا طه حسين العداء، وبالأحرى كتاباته كان موقف حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين مختلفًا، ومرجع هذا الاختلاف لأن حسن البنا كما أثبتت -مواقفه – أنه لم يشتغل – وفق رسائله لجماعته - بالدعوة والتربية فحسب، وإنما انشغل أيضًا بشخصية طه حسين، وتتبّع آرائه وكتاباته، بل والتحولات التى لحقت بشخصيته، فطه حسين بكل شخصياته وأدواره التى قام بها كان موضعَ اهتمام مباشر وليس بواسطة المريدين أو عبر الأخبار التى تطرد هنا وهناك عنه، وهو ما يثبت على الجانب المقابل أهمية شخصية طه حسين، وتأثيرها غير المحدود الذى جعل الكثيرين ينشغل ويتابع كل ما يصدره، فكان الرجل وكتاباته محل اهتمام النُّخبة على اختلافها، فهو دائمًا لديه ما يقوله، ودائمًا يُغرد وحده منفردًا. كما أن موقف البنا من طه حسين اختلف، فبعد العداوة والمطالبة بإقصائه عن مناصبه أثناء أزمة كتاب «فى الشعر الجاهلي» سعى إلى استقطابه إلى نشر الدعوة الإسلامية، وهو ما يكشف بشكل صريح ودون مواربة عن التقلبات الفكرية له، وأيديولوجيته -البرجماتية - التى ترجّح المصلحة الشخصية على أية حسابات أخرى، وهو ما يعتبر معيارًا مهمًا فى تحليل مشروع جماعة الإخوان برمته.



ارتبط حسن البنا وفق روايات أصحابه ومريديه بطه حسين بثلاثة مواقف، كانت متباينة بين التأييد له والاعتراض عليه . تاريخيًّا كان أول المواقف التى ربطت بين طه حسين وحسن البنا، أزمة كتاب «فى الشعر الجاهلي» (1926)، فمثلما استرعت أزمة كتاب الشعر الجاهلى الكثيرين ممّن وجدوها فرصة للثأر من طه حسين، وإعلان موقفهم من أفكاره وآرائه بالمعارضة على طول الخط، وكان مقبولاً هذا الموقف من رجال اعتنوا بالأدب والنقد كالرافعى والزيات، ومحمد فريد وجدي، ومحمد الخضرى حسين، ومحمد حمزة الغمراوى ومحمد لطفى جمعة، وغيرهم وصولاً إلى ناصر الدين الأسد فى كتابه «مصادر الشعر الجاهلي». 

بداية الأزمة

الأزمة بدأت مع صدور كتاب «فى الشعر الجاهلي» (مارس 1926)، واستمرت إلى أن وصلت إلى ساحة القضاء وفصل فيها نائب عام مصر(آنذاك) محمد نور بك، الذى ختم تقريره بتبرئة طه حسين مما نُسب إليه قائلاً: «وحيث إنه مما تقدّم، يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدى على الدين، بل أن العبارات الماسة بالدين التى أوردها فى بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها فى سبيل البحث العلمى مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها، وحيث إنه مع ذلك يكون القصد الجنائى غير متوفر» فلذلك تحفظ الأوراق إداريًّا، توقيع: رئيس نيابة مصر، محمد نور فى القاهرة: 30 مارس 1927. 

هكذا أغلقت القضية قانونيًّا خاصّة وأن طه حسين استجاب للتوصية برفع كتابه من السوق، وحذف ما تضمّن من إساءة، وهو ما تمّ بالفعل فقد اشترت الجامعة جميع النسخ من السّوق، وأودعتها مخازنها، وأصدر هو طبعة جديدة من الكتاب مع تغيير عنوانه إلى «فى الأدب الجاهلي» (1927) وقد حذف بعض فصوله وأضاف أخرى، وكان يعتقد أن الموقف انتهى، والأزمة حُلّت، وقد بُرئ طه حسين بقرار محكمة، وأُعدم الكتاب الجريمة، وخرج للناس آخر لا يتضمن.

الإساءات التى وردت فى الكتاب الأول. لكن الحقيقة أن العاصفة لم تهدأ، فالأمر من بدايته إلى نهايته هو رأس طه حسين. وبعد ثلاث سنوات أثيرت القضية من جديد فى البرلمان، فالحكم الذى قضت به المحكمة لم يَرُق لهم، وسعوا إلى إهدار دم طه حسين (بالمعنى المجازي). 

ففى الجلسة التى عقدها البرلمان بتاريخ 5 من مايو 1930، عاد اسم طه حسين وكتابه «فى الشعر الجاهلي» من جديد إلى دائرة النقاشات والاستجوابات، حيث كانت الجلسة برئاسة عبد السلام فهمى بك (وكيل المجلس) وبحضور بهى الدين بركات وزير المعارف آنذاك، فتحدّث النائب عبد العزيز الصوفانى مهاجمًا طه حسين وكتابه، قائلاً: «هذا الكتاب «فى الشعر الجاهلي» (1926) وبعد الضجة التى أثيرت حوله لجأ مؤلفه إلى حذف جزء يسير من الكتاب، وترك الباقى كما هو بلا تغيير، وموضوع الكتاب من الوجهة الأخلاقية فيه خروج شديد نخشى منه على أخلاق الطلبة» ولم يكتف بإثارة القضية من جديد وفقط، وإنما تلى فقرات من التقرير الذى أعدته إحدى اللجان عن الكتاب عام 1926، وهو ما أثار حفيظة النواب، فتحدث النائب الشيخ إبراهيم القاياتي، واصفًا الكتاب بأنه يحوى طعنًا فى الدين، وليس من الكُتب التى يُطلق عليها اسم الكُتب العلمية، وما هو إلا خلط وهذيان»، وكانت إثارة الموضوع الجديد بغية تحقيق أهداف غير تلك التى حرمتهم من نيلها حصافة وذكاء وبصيرة نائب عام مصر «محمد نور بك».



فالاكتفاء بحذف فقرات من الكتاب لم يشفِ غليلهم، ومن ثم أعلن النائب مطلبه، فتساءل «عن سر إبقاء مؤلفه مُدرِّسًا فى الجامعة رغم أنف أمّة بأجمعها»، ثمّ زاد فى صبّ الزيت على النار بقوله: «لهذه الاعتبارات أقترح بإلغاء وظيفة هذا المدرِّس من ميزانية الجامعة»، وهو المطلب الذى أثار غضب بعض النواب، واعتبروا أنه «غير دستوري»، وهو ما أكده العقاد بقوله «الاقتراح «إلغاء وظيفة طه حسين» غير دستوري....»، وأثنى على طه حسين، هنا يتلقط حسن البنا الخيط، ويعمل على تأجيج النوّاب والعلماء ضد طه حسين، وهو ما سأوضحه لاحقًا، لكن قبل التطرق لدور البنا فى تأجيج فتيل الأزمة، والإصرار على.



الإجهاز على طه حسين، وحرمانه من وظيفته، الذى لم يكن مطلبًا فرديًّا، بل جماعيًّا، يجب الوقوف على السياقات التى أججت الأزمة، ومعرفة من ورائها؟ وما الدوافع من إثارتها؟

الصيد الثمين

تجدّدت أزمة طه حسين من جديد عام 1932، فأصدرت وزارة إسماعيل صدقى بتاريخ 3 مارس قرارًا بنقل طه حسين من الجامعة إلى وزارة المعارف، وهو ما لم يُرْضِ الخصوم، فاضُّطر مجلس الوزراء فى يوم الأربعاء 20 مارس سنة 1932، إلى عقد جلسة خاصّة ليحسم موضوع خطير تناولته الصُّحف، وناقشه البرلمان، لم يستمع المجلس فيها إلا لتقرير وزير المعارف العمومية بهى الدين بركات، وبعد الانتهاء من تقريره خرج رئيس الحكومة إسماعيل صدقى ببيان إلى مندوبى الصحف، قال فيه: «قرّر مجلس الوزراء فصل الأستاذ طه حسين أفندي، الموظف بوزارة المعارف العمومية، من خدمة الحكومة»، هكذا وضع البيان المقتضب (مكوّن من 15 كلمة) الكلمة النهائية لأزمة بدأت منذ مارس عام 1926 وامتدت إلى عام 1932، وقد طال شرارها الكثيرين بدءًا من طه حسين وليس انتهاء بالملك فؤاد نفسه، مرورًا بالسفير البريطانى الذى من خشيته تأثير الأزمة اقتحم مكتب عبد الخالق ثروت رئيس الحكومة غاضبًا، وبدون موعد مسبق، ليسأله عن الحل فى هذه الأزمة فحسب جملته «إيه حكاية طه حسين دي، السنة الفائتة كانت حكاية على عبد الرازق، والسنة دى حكاية ثانية لطه حسين، لازم تشوفوا لكم حل». وكذلك مجلس الشيوخ ومجلس النواب، ومجلس الوزراء، والأزهر، ففى الأخير كان حلاً يرضى جميع الأطراف على حساب طه حسين نفسه.

سبق صدور القرار المجحف عوامل كثيرة ساهمت فى خروج القرار بهذه القسوة، والرغبة فى التحطيم، من هذه الأسباب أن وزير التعليم محمد حلمى عيسى باشا، طلب من رئيس جامعة القاهرة أحمد لطفى السيد، التحدُّث إلى عمداء الكليات بالجامعة بخصوص منح الجامعة لدرجة الدكتوراه لأجانب، منهم إنجليزى وفرنسى وإيطالى وألمانى وبلجيكي، ولمصريين هم، الوزير أولا، ثمّ مدير الجامعة لطفى السيد ثانيًا، ثمّ رئيس مجلس الشيوخ يحيى إبراهيم باشا، ورئيس مجلس النواب توفيق رفعت باشا، والوزير على ماهر باشا، وذلك بمناسبة زيارة الملك فؤاد إليها ليفتتح مبناها الجديد، والاحتفال بمرور 25 عامًا على إنشائها شعبيًا. وكان طه حسين عميدًا لكلية الآداب آنذاك، فرفض الطلب وأخبرهم بأن «مرسوم الجامعة ينص على أن مجلس الجامعة بناءً على قرار من مجلس الكلية، هو الذى يختص بمنح درجات الشرف المطلوبة، وليس للوزير أن يُقرِّر شيئًا فى هذا، أو أن يقترح شيئًا»، وعندما ذهب طه حسين برفقة الدكتور عبد الوهاب عزام لمقابلة الوزير فى 9 يناير 1932، حاول العميد إقناع الوزير بالعدول عن قراره لكن الأخير أصرّ، بل تحدّث بلهجة – وفقًا لرواية محمد حسن الزيات فى كتابه «ما بعد الأيام» – زاجرة آمرة، عندئذ ردّ عليه طه حسين قائلاً: «يا باشا، عميد كلية الآداب ليس عمدة تصدر إليه الأوامر من الوزير، أنا لا أوافق على إعطاء الدكتوراه الفخرية لأحد، لمجرد أنه من الأعيان. لا أوافق.. ولا أستطيع حتى أن أعرض هذا الأمر على مجلس كلية الآداب، لأن المجلس لن يوافق». 

تفاقمت الأزمة بعد ذلك، حيث صدرت التوجيهات إلى الأساتذة بأن تكون المحاضرة خاصّة بمناسبة زيارة الملك، ورفض طه حسين هذا أيضًا، وطالب بأن تكون كل محاضرة كما هي، وكل أستاذ فى محاضرته المعتادة، وعندما وصل الملك ودخل أوّل قاعة للمحاضرات فوجئ بالطلبة يستمعون إلى محاضرة عن النظام الدستوري. غضب الملك، ثم غضب الملك مرة ثانية حينما دخل عدلى باشا – رئيس مجلس الشيوخ حينئذ – فصفق له الطلبة أشدّ مما صفقوا له، وهو ما أثار حفيظته وأعلنها فى غضب: «كيف يُصفِّقُ الطلبة لعدلى باشا، ولا يصفقون لي. هذا عمل مِن تدبير الملعون طه حسين».

ازداد السخط ضدّ طه حسين من قمة الهرم إلى قاعه، فالملك غاضب، وبعض أعضاء البرلمان يشتاطون غيظًا لأن طه حسين ما زال حرًّا طليقًا، والوزير فى حالة حُنق شديد فطه حسين تحداه ورفض طلبه، والسفير البريطانى هو الآخر يتضرم غضبًا؛ خشية امتداد شرارة التمرد والثورة إلى خارج أسوار الجامعة، وعندئذ يُطالب الشباب بالتحرّر من الاستعمار، ومن ثم كانت الأجواء جميعها مهيأة لتحريك القضية من جديد، وقد جاءت الفرصة بعد صدور قرار الحكومة بنقل طه حسين فى مارس 1932 من الجامعة إلى وزارة المعارف، اشتعل فتيل الأزمة من جديد فاستغلتها الحكومة جيدًا.

ولانتزاع فتيل الأزمة، وتفويت الفرصة على حكومة إسماعيل صدقى رضخ طه حسين للقرار، وإن كان رفض العمل، وهو ما لم يقبله الطلبة، فأحدثوا ضجة كبيرة، باتخاذ الحادثة وسيلة للتعبير عن حبهم لعميدهم، فتظاهروا مؤيدين لعميدهم، ومع انتشار المظاهرات وإصرار الطلبة على عودة طه حسين إلى الجامعة، استقال رئيس الجامعة أحمد لطفى السيد فى التاسع من مارس1932، عندئذ لعبت الحكومة على وتر قضية الشعر الجاهلي، فأوعزت حكومة صدقى إلى النائب عبد الحميد سعيد، وهو نائب عن الحزب الوطنى (وكان مؤسسًا لجمعية الشبان المسلمين)، وكما وصفه الدكتور يونان لبيب رزق بأنه «من المشهورين.

بمحافظتهم وعدائهم للتجديد»، باستجواب وزير المعارف، وأن يعدّد فيه ما ارتأه «سوءات طه حسين»، وبالفعل قدمت المعارضة فى البرلمان بتاريخ 27 مارس استجوابها لوزير التعليم، وقد وقّع على الطلب حسب ما رواه الدكتور أحمد زكريا الشلق فى كتاب: «طه حسين: جدل الفكر والسياسة» «عشرة نواب آخرون منهم نائبان آخران عن الحزب الوطنى المؤتلف مع الحكومة، وثمانية نواب حكوميون، وحسب مضبطة الجلسة، فإن نواب الحكومة هم، سليمان محمد خضر، محمود الجيار، عبدالحميد البرادعي، شعبان الكاتب، محمود أسعد، على بسيوني، يحيى سليم أبو سحلي، أحمد الشاذلي، أما نائبا الحزب الوطنى فهما حافظ رمضان، عبدالعزيز الصوفاني». 

فى بداية الاستجواب أثنوا على الوزير لموقفه «فى رعاية العلم والدين وتقاليد البلاد» بعد موقفه من غلق معهد التمثيل والرقص التوقيعى الذى كان كما قالوا «لوجوده مساس بآدابنا العامة وتقاليد الدين»، ثم انتقل الاستجواب إلى اتهامين نسبا إلى طه حسين حسب نص المضبطة.

أولاً: «... اضطلعنا على صورة نشرت بجريدة الأهرام تمثّل طلبة كلية الآداب بالجامعة المصرية حول عميدهم الدكتور طه حسين، وقد جلست كل شابة إلى جانب شاب. كيف وقع هذا؟ وكيف تستمر وزارة المعارف على عدم احترام الشعور الدينى والآداب القومية؟»

ثانيًا: «... ما يزال كتاب (فى الشعر الجاهلي) يدرّس فى الجامعة بعنوان «فى الأدب الجاهلي». إن تغيير العنوان لم يغير شيئًا من روحه اللادينية.، فإن السموم التى أراد الدكتور أن ينفثها فى كتابه ما تزال ماثلة فى كثير من فصوله ومباحثه... فكيف سكتت وزارة المعارف عن ذلك كله، ولم تحرك ساكنًا؟ وكيف تسمح أن يكون ذلك الرجل عميدًا لكلية الآداب بالجامعة المصرية».

إعدام الشعر الجاهلي

نعود عامين إلى الوراء حيث يدخل حسن البنا على خط الأزمة، فيكتب مقالاً فى مجلة «الفتح» (وهى صحيفة إسلامية علمية أخلاقية حسب ترويستها) التى كان يصدرها الداعية الإسلامى «محب الدين الخطيب»، بتاريخ: 8 من المحرم عام 1349 ه، الموافق 1 يونيه 1930، أى بعد غضبة النائب عبد العزيز الصوفاني، وقد عنونها بعنوان لافت هكذا «إلى حضرات النواب المحترمين» وبعنوان فرعي: «وبخاصة الأستاذين عباس العقاد وزكريا مهنا»، وكأنها بلاغ وتحريض، وفيها يثور البنا منتقدًا النواب لتقاعسهم عن دورهم الرقابي، وفى الوقت ذاته يحثهم ببذل المزيد لمحاصرة فكر طه حسين، وما يسوقه من ملاحظات (بتعبيره) ليس باعتبارها تمثّل وجهة نظره هو، وإنما يقولها باعتبارها تعبيرًا عن «شعور كل مُسلم، وعاطفة كل مؤمن وواجب كل مصرى غيور على الدين والخلق» (ص: 19)، المقالة بأسلوبها وبصيغة عنوانها، تبعد عن النقد المنهجى للكتاب الأزمة، وإنما تدخل فى منطقة التجريح الشخصى لطه حسين، وهو ما يطرد فى المتن. أول شيء يثيره البنا هو بطء إعدام الكتاب، متخذًا من قرار النيابة الذى يصف الكتاب بأنه «خطأ محض فى مادته وفى أسلوبه فى معانيه وفى مؤلفه» ذريعة له ليتساءل فى استنكار: «فهل يسوغ لنا بعد كل هذا أن نتأخر فى إنفاذ حكم الإعدام على هذا الكتاب» ويستمر فى تساؤلاته: «فهل سمع أحد أن من مصلحة العلم أن يكون الجهل مصدرًا من مصادره، ومادة من مواد ينبع منها، ويؤخذ عنها، وأن يعتذر آخر بحرية الفكر، ولم يقل أحد أن معنى حرية الفكر إبطال الحق وإخفاق الباطل وخرق النواميس وانتهاك حرمات الشرائع والقوانين والإساءة إلى أربعمائة مليون من المسلمين كما فعل صاحب هذا الكتاب» (ص: 19)

الغريب فى أمر البنا أنه لا يكتفى بطلب مصادرة - وبالأدق إعدام - كتاب «فى الشعر الجاهلي» فحسب، بل يصرّ على أن يشمل طلب الإعدام الطبعة الجديدة المنقحة منه والتى ظهرت باسم «فى الأدب الجاهلي»، فهو حسب البنا «لا يخالف سابقه إلا بالتسميّة»، ويلعب البنا على لغة التحريض والإثارة فيقول «ووزارة المعارف إذا استجابت إلى نداء البناء، فتكون بذلك قد احترمت قرار المجلس واعتبرت قول لجان انتدبتها من خيرة رجالها فحكمت على الكتاب بما يستحق من مهاوى الحيرة والضلال». وبناء على هذه الحجج والقرائن التى تدين الكتاب ومؤلفه، فمن رأيه يجب إقصاء طه حسين عن التدريس فى الجامعة، فالمدرس وفقًا لوجهة نظره يُنظر له من جهات ثلاث: من مواهبه الخاصة فى المادة التى يُقدّمها لتلاميذه، ومن طريقة تفكيره، وما يبثه فى نفوس طلبته من أخلاقه وطباعه. وهذه المعايير من وجهة نظره بعيدة كل البُعد عن طه حسين، فهو «لا يُحسن الشعر وإنْ حاول، فأتى بالغث المتكلّف الذى يمجّه الطبع ويستثقله السمع»، ويستشهد بأبيات لطه حسين يقول فيها:  مالى وما للبدر أطلب وده  بل ما لأفلاك السماء وصالي.

إلى آخر هذا النظم – كما يقول - «المهلهل النسيج المتنافر اللفظ، الضئيل الغاية»، وجهل طه حسين بالشعر عنده، يتوازى بجهله بالنثر، فهو حسب تأكيده «لا يجيد أسلوب الكتابة إذا حكمته إلى الذوق العربى والبلاغة العربية وقسته بما وضعه الأئمة من أوزان البيان ومقاييسه، أما فى غير ذلك من حشو القول الاتساع فيه وإطالته بالتشدق والتفيهق» فالرجل فى ذلك لا يشق له غبار».

لم يُبْقِ للرجل خُصلة من تلك التى كان يتباهى بها إلا ونقدها، وأظهر سوءته، بما فى ذلك صفة النقد، فطعن فى أهليته وقدرته على النقد، والإلمام بأحكامه الدقيقة، فيقول فى تبجّح شديد «وما هو بالناقد الذى يُحْسن النقد الصحيح فى الشعر والنثر، وإن أحسن التهجين والتجريح والزراية على غيره من الأدباء والكتاب» ويستشهد بنقد طه حسين لبيت أحمد شوقى فى مدح ترجمة أحمد لطفى السيد لكتاب الأخلاق لأرسطو:

يا لطف أنت هو الصدى
 من ذلك الصوت الرخيم

فالبنا يرى أن طه حسين يفهم من هذا أن الشاعر يقول إن أرسطو كان ذا صوت رخيم، وأنه لا هو ولا شوقى سمع هذا الصوت، ويعلّق البنا قائلاً بأن «ناقدًا لا يُدرك ما هذه الاستعارة البليغة من عذوبة وجمال وتناسب، لحرى به أن يدع النقد لأهله، وأن يعلم أن دعواه فيه كدعوى آل حرب فى زيادة»(ص: 19).

ويُكْمل البنا فى مقالته هدم صرح طه حسين، فيسدد الضربة الأخيرة على علمه، فيطعن بمعرفة طه حسين بتاريخ العرب فهو «لم يتلقه عن أستاذ، ولم يُلّم به فى مدرسة وإنما علم من ذلك ما يعلق بذهن من يطالع كتب الأدب لا ليدرسها ولكن ليراها» ذلك من ناحية مواهب أستاذ الجامعة فى الأدب العربى وتاريخه، وأما من ناحية ما يقدمه لتلاميذه من المادة، فيحتج بكتابه «فى الشعر الجاهلي» وحكم من يصفهم بأنهم «عقلاء الأمة وأدباؤها»، «بالخطأ والخطل والغثاثة وكشف المحققون من الأدباء الغطاء عن مغامز ومعايب فيه يبرأ منها العلم، وأيد ذلك حكم القضاء»(ص: 20)، كما لم يسلم من هجومه منهج طه حسين الذى سعى إلى ترسيخه فى كتابه، ودعوته إلى التفكير وإعمال العقل وعدم الارتكان إلى المسلمات، فهذا المنهج كما يقول البنا « فما علم الناس من ذلك إلا الشك والحيرة والانسلاخ عن العقيدة والدين وتسمية ذلك منهجًا علميًّا».

وبعد عرض قائمة الاتهامات التى أنزلت طه حسين من علياء عرشه الأدبى والنقدي، يتوجه بغضب شديد إلى النواب، ومعالى وزير المعارف قائلاً: «إن الأمر واضح لا يحتاج إلى بحث أو نقاش، فالكتاب مبتذل ممقوت والمؤلف متهم فى عقيدته ومادته والأدباء غيره كثير، فأعدموا الكتاب واقصوا المؤلف عن بثّ تعصبُّه على الإسلام فى أبنائنا وشبابنا، وأيدوا الحق وأريحوا الطلبة والأمة من هذا العبء الثقيل، فأى شيء بعد ذلك يسوغ بقاء أمثال هذا المدرس فى منصب كبير كمنصبه الحالي» (ص: 21). 

الجدير بالذكر|  أن الحملة الشعواء لم تقتصر على طه حسين، بل ضمت إليه النائبان فى البرلمان الكاتب عباس محمود العقاد وزكريا مهنا بسبب دفاعهما عنه فى البرلمان. فعباس العقاد أشاد به بأنه «نابغة الدهر ونادرة العصر، وأنه لا يمكن أحد أن يسد فراغه أو يملأ مكانه، أو يدرّس الأدب كما يدرسه، وأنه قرأ كتابه فلم يجد فيه ما يمس الدين والأخلاق»، وإذا بالبنا ينقض عليه ساخرًا ومبكتًا قائلا: «حنانيك يا أستاذ عباس فإن الأمر هام لا يفتى فيه بالرأي، ولا يؤخذ بالظن. المسألة مسألة دليل وبرهان وحق يتبعه الجميع»، بل يتمادى فى خطابه، ويصل إلى مرحلة التهديد المبطن قائلاً: «إنك بقولك هذا تتحدى الأمة جمعاء، وتسيء إلى رجال وزارة المعارف الذين تخصصوا بدراسة هذه المادة وفيهم أساتذة الدكتور وأولياء نعمته، وتطعن فى تقارير تلك اللجان التى انتدبتها الوزارة للفحص عن الكتاب فحكمت عليه بالخطأ والتجهيل، وأظهرت معايبه فى عشرات المواضع وتحكم على الأمة بالجدب الأدبى حين تزعم أنه لا يستطيع أن يدرس الأدب فيها إلا واحد». (ص: 20) 

مستقبل الثقافة فى مصر

لم ينجُ كذلك من الانتقاد كتاب «مستقبل الثقافة فى مصر» الذى أصدره طه حسين عام 1938، بعد توقيع مصر معاهد 1936 مع بريطانيا، ثم اتفاق «مونترو» عام 1937 الخاص بإلغاء الامتيازات الأجنبيّة مع الدول العربية. هو فى أصله التقرير الذى كان مزمع رفعه لوزارة المعارف العمومية والجامعة، بعد أن أوفدته الوزارة لتمثيلها فى مؤتمر اللجان الوطنية للتعاون الفكرى الذى عقد فى باريس، وكذلك انتدب لتمثيل الجامعة فى مؤتمر التعليم العالي، فآثر أن يكون التقريران فى صيغة كتاب لأنه «سيذاع فى الناس وسيقرؤه المثقفون ... وكذلك الجامعيون» ولربما وجد قَبولاً حسنًا عند مَن إليهم أمور التعليم.

وبصفة عامة يندرج الكتاب ضمن مجموعة من الكتب صدرت فى مثل هذا التوقيت عنيت جميعها بمسألة رسم الخطوط العريضة لنهضة مصر فى مرحلتها الجديدة (مرحلة ما بعد الاستقلال) ومنها كتب: مريت غالى «سياسة الغد: برنامج سياسى واقتصادى واجتماعي»، وحافظ عفيفى «على هامش السياسة»، وكتاب محمد عبد الحميد مطر «التعليم والمتعطلون فى مصر»، وكذلك كتاب محمد على علوبة «مبادئ فى السياسة»، وبالمثل كتاب إبراهيم بيومى مدكور ومريت غالى «الأداة الحكومية»، وجميعها صدرت بين عامى (1937– 1945).

وما إن خرج الكتاب إلى النور حتى قامت القيامة نتيجة للأفكار التى رددها طه حسين، وأهمها أن مصر تنتمى حضاريًّا إلى ثقافة البحر المتوسط، وضرورة فصل الدين عن السياسة وغيرها من أفكار تتعلق بالهوية والانتماء والتوجه الحضاري، وبطبيعة الحال لم تكن على هواء خصومه. فهاجمه السلفيون وكذلك القوميون، ومن التيار السلفى عارض سيد قطب الكتاب، وكتب ملاحظات نشرها فى صحيفة دار العلوم، مظهرًا إعجابه بالكتاب تارة، ومخالفته لما فيه من آراء تارة أخرى بأسلوب علمى منهجي، حيث قرّر أن «كتاب طه حسين فيه ما يوافقه عليه أشد الموافقة، وفيه ما خالفه فيه أشد المخالفة، وكان فيه أيضًا ما احتمل الأخذ والرد والزيادة والنقصان»، وفى كل هذا بعيد عن التجريح الشخصي، أو السخرية على نحو ما حدث مع آخرين فى نقد كتاب «فى الشعر الجاهلي».

أما الثانى فهو حسن البنا الذى حضر جلسة البرلمان الخاصة بمناقشة الاستجواب الخاص بالدكتور طه حسين مراقب الثقافة العامة فى وزارة المعارف، وكانت المناقشات تطرقت لآراء طه حسين خاصة فصله الدين عن السياسة، بقوله: «إن الدين شيء، والسياسة شيء آخر، ومن أن الدين والقومية شيء غيره، ومن أن الدين والعلم شيء سواه، وأن وحدة الدين واللغة لا تصلحان أساسًا لتكوين الدول»، يُعقّب البنا على هذه الآراء بقوله «وإن هذا التفريق بين الدين وبين السياسة والقومية والعلم أصل من أصول الحياة الحديثة التى نقلناها عن أوروبا، فأما أن هذا التفريق والفصل أصل من أصول الحياة الحديثة فى أوروبا فأمر لا نخالف الدكتور فيه، ولا ندعى غيره» ويكمل «تستطيع أن تقول إن أوروبا استفادت من هذا التفريق والفصل أجزل الفوائد، ولعلها كانت تستطيع النهوض بغير هذا، وأما أننا نقلنا بعض هذه الأفكار من أوروبا وتأثرنا بها إلى حد كبير أو صغير وجرت عليه سياستنا العلمية فى كثير من مظاهر حياتنا، فأمر لا نخالف فيه كذلك، وسببه واضح بيّن هو أننا أسلمنا قيادنا أو أسلمتنا الحوادث بعبارة أدق إلى ساسة أوروبيين ومعلمين أوروبيين ومشرعين أوروبيين، فصاغونا كما يريدون، وكما يعلمون، واصطبغت سياستنا العلمية فى معظم شئوننا بهذه الصبغة الأوروبية»، ما زال البنا يتفق مع الدكتور طه حسين فيما ذهب إليه بضرورة فصل الدين عن السياسة، وإن كان البنا يرجع سبب أزمتنا وتراجع دورنا إلى التبعية الثقافية إلى أوروبا، بل نراه يقر بقوله: «فنحن لا نخالف الدكتور طه ولا غيره فى أن حياتنا العلمية فى كثير من مظاهرها العامة والخاصة قد انحرفت إلى معنى أوروبى بفعل الحوادث المتعاقبة طوال هذه السنين الطويلة»، وبعد مشاركة الدكتور فى آرائه، يبدأ التقاطع والمفارقة لهذه الآراء، فيرى أن الانحراف الذى بموجبه يسوغ الدكتور طه حسين ضرورة رضانا بأوروبا والاندفاع فى تقليدهم فيما بقى لنا من مظاهر الحياة، هو نفسه الذى يدفعنا إلى تحذير الأمة من التقليد، وإلى وجوب رجوعها إلى تعاليم الإسلام، وعرض هذه الحضارة الأوروبية عليها، فما وافقها قبلناه، وما خالفها رفضناه» ويؤكد على أن نتيجة التقليد الخاطئ لم نجنِ «إلا الصاب والعلقم واضطراب الحياة فى كل ناحية من نواحيها».

ومن الأشياء التى يخالف فيها الدكتور وغيره ممن يؤمن بفكرته «أن ادعاء هذه التفريق بين الدين والسياسة، وبين الدين والقومية، وبين الدين والعلم نافع لما، متفق مع تعاليم ديننا».
 

هنا يبدأ البنا بالمعارضة الشديدة لآراء طه حسين ومن يؤيده أيضًا، ويظهر موقفه المدافع عن الإسلام فيقول: «هذه دعوة ينقضها الدليل النظرى والدليل التاريخي، وتتنافى مع مصلحتنا ومع مقومات نهضتنا»، ويعلو صوته صارخًا بأن «الذى يريد أن يجرد الإسلام من معناه السياسى ومن معناه القومى ومن معناه الثقافى يريد بمعنى آخر ألا يكون هناك شيء اسمه «الإسلام» تؤمن به هذه الأمة، وهو عند نفسه وعند الناس يخدع هذه الأمة ويخاتلها، ويعدل بها عن الإسلام الحق إلى إسلام من عند نفسه، لا يمت إلى الإسلام الصحيح بسبب إنما هو فى الحقيقة مسيحية سماها هو الإسلام»، ويرى أن عوامل «قهرية ضرورية» هى التى دفعت أوروبا إلى فصل الدين عن السياسة، كما أن الدين الذى كان يسودها وتؤمن به شعوبها «خال تمامًا من التشريعات العلمية والمعانى السياسة، وهو وصايا روحية محدودة فى الكتب المقدسة، وطقوس كهنوتية بين جدران الهياكل والمعابد «، ومن ناحية أخرى يشير إلى «أن تاريخ أوروبا القديم والوسيط سلسلة نزاع بين الأمراء والباباوات من جهة، وبين العلماء والكنيسة من جهة أخرى، بل تعدى الأمر فى هذا النضال إلى الشعوب نفسها، فكان النضال كثيرًا ما يكون بين الشعب بأسره وبين الكنيسة».

كل هذه العوامل كانت السبب من وراء فصل الدين عن السياسة، وبين الدين والقومية، وبين الدين والعلم، وبناء على هذه الملاحظة يوجه سؤاله إلى الباحثين فهل هذه المعانى تنطبق على الإسلام؟

ورغم دعوته الباحثين إلى الإجابة بإنصاف عن سؤاله، إلا أنه ما يفتأ أن يُصادر على تفكيرهم ويقول، إنهم بعد تفكير سيقولون بملء الفم: لا ثم لا.

والسبب كما برره: أن طبيعة الإسلام ليست روحية بحتة، فهو دين روحى وعملى معًا، وهو لم يحصر نفسه فى المساجد والمعابد، ولم يحفل بالطقوس والمظاهر، وكذلك إن الدولة والعلم من أعظم أركان الإسلام وأثبت قواعده، فشعار الرسول «قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ إنما إلهكم إله واحد»، أضف إلى أن تاريخ الإسلام مع الدولة والعلم صفحات مجيدة من التعاون والتآزر والسلام، فكيف يقال بعد ذلك إن هذا الأصل التى صارت عليه أوروبا فى فصل سياستها وعلومها وقومياتها عن الدين يجب أن يطبق عندنا، ويجب أن نتلقاه على أصل صالح لنا» .

ثم يوجه دعوته إلى طه حسين هكذا: «نريد أن نتفق على أصل صالح للنهوض، ونريد أن نُحدّد الهدف معًا، حتى لا نختلف ولا نضل، ونريد أن نتبع الهدى الواضح والنور اللائح حتى لا نفشل ونقاسى من الآلام، ولا ينفعنا فى ذلك إلا العود إلى هدى الإسلام»، ويجعل خطابه عامًا قاصدًا الليبراليين، فيقول: «إن كنتم آمنتم بهذه الأصول فى حياة أوروبا على أنها حقائق لا تقبل النقض، فاعلموا أنها لا تتفق مع الإسلام، وأنكم بذلك تصطدمون بإسلامكم، فكونوا شجعانًا وكونوا صرحاء فى إعلان الخروج على الإسلام حتى لا تخدعوا أنفسكم وتخدعوا الناس، وإن كنتم آمنتم بالإسلام على أنه حق ثابت فنحن نرضى أن نتحاكم جميعًا إليه، وحينئذ سنلتقى ونتفق وستعلمون أن الدولة وأن العلم من أركان الإسلام» (عباس السيسي: حسن البنا مواقف فى الدعوة والتربية).

الحقيقة أن حسن البنا لم يتطرق إلا لفكرة واحدة من أفكار الكتاب، وهى تلك المتعلّقة بفصل الدين عن السياسة، والكتاب زاخر بالقضايا التعليمية والثقافية، وهى صالحة إلى الآن، وتحتاج إلى دراسات موسّعة. ومع أهمية ما جاء فى الكتاب من أفكار لكن تراجع طه حسين عن بعض منها، ففى حواره مع الصحفى محمود عوض وقد نشره ضمن كتاب «شخصيات» أشار إلى أنه أخطأ فى بعض أفكاره التى طرحها فى الكتاب، وتمنّى لو أعاد طبعة وراجع فيه الكثير من مقولاته، وبالذات حول التعليم» وهو درس يعلمنا إياه طه حسين، بأن التمسك بالرأى الخاطئ ليس فضيلة، وأن الذات دائمًا فى مراجعة لأناتها.

الشيء المثير للتساؤلات بعد هذه الملاحظات التى لم تتطرق لبنية الكتاب الذى يشغل أكثره بقضايا عن التعليم ومشاكله، أن البنا فى عام 1939 نشر مقالة فى جريدة النذير (العدد 6، السنة الثانية، بتاريخ: 6 صفر 1358 ه / 28 مارس 1939م) حملت عنوان «مستقبل الثقافة فى مصر للحقيقة والتاريخ: مذكرة الإخوان المسلمين إلى معالى وزير المعارف وفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر»، وهى عبارة عن روشتة لإصلاح التعليم فى مصر، تحدث فيها عن وحدة الثقافة والتفكير، وتجاور المدارس الأزهرية إلى جانب المدنية؛ أى دمجهما فى هيكل واحد، معرضًا بمواقف الجماعة المدنيّة من القضاء على آثار الفكرة الإسلامية وتخليص الأمة منها، وصبغ كل شيء بالصبغة المدنيّة، متحججين بما فعلته «الأمم الشرقية فى هذا السبيل»، وفى المقابل ينتقد بعض المتدينين الذين يرون فى مثل هذه المظاهر شرّ كبير، ومن ثم يتوجه ببرنامج متكامل يضع فى حسابه الفكرة الإسلامية، بحيث لا تكون تقليدًا للغرب فى سلخ مناهج التعليم عن الفكرة الدينية، والعدول بها إلى العلمانية البحتة بالتدريج»، داعيًّا إلى توحيد التعليم فى مصر. وفى آرائه لا نجد صدى لكتاب طه حسين الذى تحدث عن آليات التطوير والتحديث، وإن كان مرر بعضًا من أفكار طه حسين فى التعليم وصبغه بصبغته حتى لا تظهر للقارئ، دون أن يشير إليه صراحة، وإن كان هو المقصود فى الهجوم المبطن.

نصير الإسلام

بالنسبة لموقف التأييد لطه حسين، عندما أقام تلاميذه فى الجامعة احتفالاً لتكريمه بمناسبة تعيينه مراقبًا للثقافة العامة، وفى الحفل أعلن طه حسين بأنه «نصير الإسلام» وقال: «إننى أتمنى أن يقيّض الله للإسلام مَن يدافع عنه كما أدافع عنه، وأن ينشره ويُحبّبه للناس كما أنشره أنا وكما أُحبّبُ مبادئه للناس». على الفور تلقف حسن البنا تصريحات طه حسين، وأرسل له رسالة على هيئة مقالة بعنوان «إذا كان هذا صحيحًا يا دكتور فقد اتفقنا» (نشرت بمجلة التعارف، العدد 7، السنة الخامسة، بتاريخ: 21 صفر 1359، 30 مارس 1940).

ظاهرها يؤيد قوله، وباطنها سخرية مما يدعيه، فيقول فى رسالته: «إذا صحّ ذلك يا دكتور فقد اتفقنا كل الاتفاق، واعتبرنا أيها الداعية المسلم مِن جندك منذ الساعة، فإن للإسلام نعيش، وله نحيا وفى سبيل الدعوة إليه نموت شهداء» (ص: 4). يستمر فى رسالته التى تحوى كلماتها سخرية دفينة، واستهزاءً بالدعوة، قائلاً: «صدقنى يا دكتور طه من غير أن أقسم لكَ وإن شئت فأنا أقسم على هذا، إننى لأتمنى من كل قلبى مخلصًا أن أرى ذلك اليوم الذى تدعو فيه أنت للإسلام وتنشره بين الناس وتحبب تعاليمه إليهم. فإنك رجل جرئ، لك قلم ولك لسان ولك تلامذة معجبون وأصدقاء مخلصون، وفيك دأب ونشاط وإنتاج خصيب وما نحسدك على هذا ولكنا نتمنى أن يكون ذلك فى ميزان الإسلام لا عليه وفى كفة الخصومة له وتوهين أمره بطريق غير مباشر، فهل يجئ حقًا ذلك اليوم؟! أسألك يا دكتور مخلصًا لا متحديًّا لأتعنت».

يواصل رسالته وإن كان يظهر مكانة طه حسين وتأثيره على تلامذته، وهى شهادة حق، فالرجل يعترف بقوة تأثير طه حسين، وهذه القوة مصدرها جرأة الرجل، وقوة قلمه، وفصاحة لسانه، وهى الأدوات التى يجب أن يمتلكها الداعية، وكأن صفات الداعية التى يراها ضرورية متوافقة تمامًا مع طه حسين، ومن ثم يواصل رسالته التى أظهر فيها ما يمتلكه طه حسين من مقومات وصفات ربما نادرة، ويتمناها لخدمة الإسلام حسب رأيه، فيقول: «إن لك تلامذة قد اختصصت بهم، واختصوا بك. فأيهم ظهر أثر دعوتك فيه، فكان لسانًا إسلاميًّا، أو قلمًا إسلاميًّا، أو صفحة من صفحات الفكرة الإسلامية، أو مظهرًا من مظاهر التمسك بالإسلام». كما يشيد بدوره فى خدمة قضايا اجتماعيّة، لا على مستوى مصر وفقط، وإنما تمتد إلى الأقطار العربية فيقول: «وإنك قد ساهمت فى خدمة كثير من القضايا الاجتماعية، وحضرت كثيرًا من الأحفال والمؤتمرات فى داخل القطر وخارجه ففى أى من هذه جميعًا نطقت باسم الإسلام أو دعوت إلى تعاليمه.

وأنت يا دكتور أستاذ فى الجامعة المصرية منذ أنشئت، فأنشدك الحق: هل تذكر أنك عرضت فى دروسك ومحاضراتك لطلبتك ما يلفت أنظارهم إلى جلال هذا الدين وروعته ومتانة تشريعه! هذا والمادة التى اختصصت بتدريسها ألصق مواد الدراسة بالإسلام وكتاب الإسلام!».

وبناء على هذا الثناء الذى يظهر قدر الدكتور ومكانته والأهم دوره (فى خدمة الإسلام على نحو ما أظهر منذ التحاقه العمل بالجامعة، واستمراره فى محاضراته العامة وندواته) يطلب منه هكذا: « ولا أحرجك فأقول، وأنشدك الحق يا دكتور: أفتحيا أنت فى حياتك اليومية على نمط إسلامى وتطبع أسرتك كرب بيت بهذا الطابع، ودع البيت وما فيه، أفتقوم أنت فى حياتك الشخصية بواجبات الرجل المسلم، فضلا عن الداعية الذى يتمنى أن يقيض الله للإسلام من يدافع عنه مثلك!

ولا أحرج بهذا السؤال الأخير، ولا أطالبك بجوابه، فأنتم معشر العصريين تفرقون بين الحياة الشخصية والحياة العامة، كأن واجبات الفضيلة وتعاليم الإسلام لا تتناولهما جمعيًا، وكأن الحياة العامة للفرد ليست مرتبطة بحياته الخاصة كل الارتباط! وبعد يا دكتور طه: فهل من الدعوة للإسلام أن تعرض للنظر فى القرآن بالأسلوب الذى اخترته لنفسك من قبل – ولعلك عدلت عنه من بعد وهو ما أسر له - حتى مع تسليم الدعوى بأن البحث علمى بحت «.

يواصل رسالته التى تكشف عن متابعة لكتابات طه حسين ومواقفه المدافعة عن الإسلام، وثنائه على طه حسين لتغيير آرائه، وكأنه يشير إلى كتاب «فى الشعر الجاهلي»، فيقول: «وهل من الدعوة للإسلام أن تقف وقفتك المعروفة فى شأن الكتابين الإنجليزيين، وما كان عليك ولا على الجامعة لا من حرية الفكر من بأس أن تستجيب لأبناء مؤمنين من تلاميذك رأوا فى هذا الكلام طعنًا فى مقدساتهم، فلجأوا إليك بالطريق القانونى فى هدوء وأدب، أو ما كان أولى بالداعية إلى الإسلام أن يشجع هذه الغيرة ويسر لها ويعطف كل العطف على القائمين بها! وهل من الدعوة إلى الإسلام أن تنادى فى صراحة لا تعدلها صراحة: أنه لا سبيل لنا إلى الرقى إلا إذا قلدنا وسلكنا مسلك الأوروبيين، لنكون لهم شركاء فى حضارتهم خيرها وشرها، حلوها ومرها، نافعها وضارها، ما يحب منها وما يكره، وما يمدح منها وما يعاب، ومن زعم لك غير ذلك فهو خادع أو مخدوع.

ولعلك تقول كما تقول: إنما أريد الدعوة إلى العلم وإلى القوة وإلى الخلق وإلى النظام، وهذا حسن جميل، ولكن أَفترى أن الإسلام لم يسلك المسلمين السبيل إليه قبل أن تخرج أوروبا من ظلمات جهلها بمئات السنين؟ فلم تدعونا إلى العلم والقوة والخلق والنظام باسم أوروبا الناشئة المتخطبة، ولا تدعونا إلى ذلك باسم الإسلام الثابت الدعائم الراسخ الأركان؟

ويستمر فى تساؤلاته والتى فيها توجيه اتهامات للدكتور طه هكذا: «وهل من الدعوة إلى الإسلام أن تخلط يا دكتور بين الفتيان والفتيات هذا الخلط فى كلية الآداب، فتحذو حذوها غيرها من الكليات وتبوء أنت بإثم ذلك كله؟ وتزين للفتيات فى صراحة هذا الاختلاط وتحثهن عليه، وتدعوهن إليه! ولا تقل إن هذا من عمل غيرك، وما تحمس لهذا ودعا إليه وحمل لواءه واستخدم نفوذه فى تحقيقه أحد كما فعلت أنت ذلك ولعلك تعتبر هذا من مآثرك ومفاخرك، ولكنى أخالفك يا دكتور، وأصارحك بأن هذا الاختلاط ليس من الإسلام، وقد رأينا وسنرى ما سيكون له من آثار.

هذه صحيفتك يا دكتور طه فى الدفاع عن الإسلام والدعوة إليه، فهل لا تزال بعد هذا الحساب اليسير غير العسير الذى لا مناقشة فيه ولا قسوة ولا عدوان مصرًا على أن يقيض الله للإسلام من يدافع عنه كما تدافع عنه، ومن ينشره ويحبب تعاليمه إلى الناس كما تفعل؟
على أننا على استعداد لأن ننسى الماضى جميعه، ونأخذ فى جديد مثمر منتج على الأساس الذى وضعته أنت وارتضيناه نحن: أن ثبتت فى نفوسنا مكانة الإسلام، وأن تدافع عنه، وأن تنشر تعاليمه، وأن تحببه للناس، وعلى أن يكون هذا الإسلام هو كتاب الله كما تفسره اللغة العربية الواضحة وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة الصحيحة كما فهمها السلف الصالحون رضوان الله عليهم.»

وبعد هذا التبيان لمقاصده يتوجه إلى الدكتور طه حسين بسؤاله: فهل يضع الدكتور طه يده فى يدنا على هذا الأساس، ثم نعاهد الله جميعًا على أن نكون أمناء له مخلصين له مجاهدين فى سبيله؟ 

وفى نهاية رسالته التى اتضح أن غرضها هو محاولة إرشاد العميد إلى مواطن الخلل فى سياسة التعليم، كما هو واضح فى رفضه سياسة اختلاط الفتيان والفتيات التى تتبعها كلية الآداب، ثم استمالة الدكتور طه إلى أفكار الجماعة، بعدما أثنى على أفكاره ودوره التنويرى وحرصه على الإسلام، خاصة أنه يمتلك مقومات الداعية الجيد، كبلاغة البيان، وسحر اللسان، وقوة التأثير، فيقول: «وكلمة أخيرة يا دكتور: لقد قلت – وهو قول حق – إن حياتنا موقوته، وكل ما هو موقوت وإن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يسترد المنحة التى منحها لنا وهى الحياة فى أى لحظة، وهو قادر على أن يسترد ما يمنحنا أثناء الحياة.

ما أجمل هذا الإيمان! أذكرك هذه الكلمات، وأذكر أنك الآن رجل قد جاوزت سن الآمال الخلب، وصرت إلى الآخرة أقرب وأسأل الله أن يطيل حياتك خادمًا مخلصًا للإسلام، وإن هذا الشعب شعب كريم طيب القلب سرعان ما تنسيه الحسنة الواحدة كثيرًا من السيئات.

وإن الله تبارك وتعالى واسع المغفرة عظيم الفضل عفو كريم، فلا عليك يا دكتور إلا أن تختم المطاف بتوبة صادقة نصوح، وأن تتجرد للإسلام ولخدمة الإسلام ولنشر الإسلام، ولتحبب تعاليمه بحق إلى الناس، فتفوز بخير الدنيا وسعادة الآخرة. ذلك ما نرجوه منك ولك، وقلوب الناس بيد الله يصرفها كيف يشاء، فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، والسلام عليكم ورحمة الله». (مجلة التعارف: ص 4).