جوشوا روثمان
ترجمة: أميمة صبحى
نشأت والدتى، صينية المولد، فى ماليزيا ثم جاءت إلى أمريكا للدراسة الجامعية بسبعينيات القرن الماضى، وعندما انفصلت عن والدى الأمريكى فى صغرى، أتاح لها ذلك خلق أجواء ماليزية داخل منزلها فى الضواحى، فتحدثت مثلا مع جدتى، التى كانت تزورنا كثيراً، بلهجة «هوكين»، وهى لغة إقليمية لا يعرفها الناس من حولنا، وفى عطلات نهاية الأسبوع، كنا نذهب إلى محلات البقالة الآسيوية بحثاً عن مكونات نادرة لتحضير الطعام الماليزى الذى كنّا نمضى أياماً كاملة فى إعداده. كثيرا ما مارست جدتى رياضة تاى تشى فى الصباحات، وفى عيد ميلادى أعطتنى مجموعة من كرات باودينغ» الصغيرة المعدنية ذات تنانين منقوشة فوقها، حتى أتعلم تحريكها حول راحة يدى، لتقوية عضلاتها، كما كانت تملأ الأرز اللزج فى حزم مثلثة مصنوعة من أوراق اللوتس، وتعلقها فى مطبخنا حتى تصبح جاهزة للطهى.
خلال طفولتى المبكرة، لم يخطر ببالى أن أسلوب الحياة هذا قد يكون ذا معنى لأى شخص، كانت مجرد طريقتنا فى العيش. بجانب اهتمام أصدقائى غير الآسيويين بأشياء غير آسيوية، مثل العزف على الجيتار، ومصارعة المحترفين، والعيش داخل سيارة والقيام برحلات بها، والتى لم تعنِ لى شيئًا أيضا، فكان الغموض متبادلا بين ثقافاتنا ويبدو أمراً عادياً، فقط عندما كبرت بدأت أرى كيف يمكن أن تحمل الحقائق الثقافية دلالة تواصلية. فى المدرسة الإعدادية، بدأ أصدقائى يروننى من خلال عدسة أفلام مثل فتى الكاراتيه وسلاحف النينجا.
وفى المدرسة الثانوية، ربطونى بالرياضيات وأجهزة الكمبيوتر. حينها، بدأت أفهم ما يعنيه أن تكون أمريكياً: بطريقة ما، عند تقاطع المطاعم الأمريكية، والمطرب بروس سبرينغستين، ومباريات كرة القدم الأسبوعية، كانت هناك هالة من الحياة العادية التى من المفترض الإعجاب بها.
الغريب أن الثقافة من حولى بدت أكثر تواصلاً كلما تقدمت فى السن، فى يوم من أيام 2019، دخلت إلى مطعم ماليزى عصرى، ووجدت أن طعام طفولتى قد تم تقديمه كشىء رائع، بل وحتى أنيق، نظرت إلى الأطباق، وبدا لى أن تناوله شىء يتجاوز المتعة؛ فإنه حين يُصوَّر ويُنشر بشكل جميل على إنستجرام، يشير إلى ازدهار جنوب شرق آسيا وإمكانيات الشخص نفسه.
وقد كتب الروائى جون لانشستر فى مقال له عام 2014: «فى يوم من الأيام، كان الطعام يتعلق بالمكان الذى أتيت منه، أما الآن، بالنسبة للكثير منا، فهو يتعلق بالمكان الذى نريد الذهاب إليه، وعمن نريد أن نكون، وكيفية اختيار طريقة عيشنا». كما كانت الهوية الأمريكية تتغير فى دلالتها؛ مثل بعض الأشخاص فى بعض الأماكن، أصبح رفع العلم أو تناول هوت دوج شكلاً من أشكال المقاومة.
وشيئاً فشيئاً، أصبح كل شىء قابلاً للبحث والمشاركة على الإنترنت. وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعى تختزل الفروق الثقافية إلى مجرد مسألة أسلوب؛ مثلما لاحظ الروائى ويليام جيبسون، فإن العالم الافتراضى احتل العالم الواقعى. بدا أن كل فعل ثقافى يتحول إلى رسالة تُقرأ، أو تصريح يتم وضعه ضمن علامات اقتباس.
فى منتصف العمر، نصبح جميعًا أكثر تذمرًا؛ ربما يصبح الشعور بخيبة الأمل تجاه الثقافة جزءًا طبيعيًا من كونك «رجلا فى منتصف العمر»، كما يقول ابنى البالغ من العمر ست سنوات، لكن فى كتابه «أزمة الثقافة: سياسة الهوية وإمبراطورية المعايير»، يرى أوليفييه روى، عالم الاجتماع الفرنسى، أن الثقافة تتدهور بشكل عام. فى الواقع، العالم بأسره يمر بعملية تسمى «انحلال الثقافة»، يعتقد روى أن مجموعة من القوى المجردة التى لا يمكن إيقافها، مثل العولمة، الليبرالية الجديدة، ما بعد الحداثة، الفردية، العلمانية، الإنترنت، وغيرها، تؤدى إلى تآكل الثقافة من خلال جعلها «شفافة»، وتحويل ممارساتنا الثقافية إلى «مجموعة من الرموز» التى يتم تداولها وعرضها. كانت الثقافة فى السابق شيئًا نفعله لأجل ذاته؛ أما الآن فنقوم بذلك لتحديد موقعنا بالنسبة للآخرين، وبالنسبة لروى، هذا يعنى أن الثقافة تحتضر.
من الشائع فى الوقت الحاضر الحديث عن «حروب الثقافة». الفكرة هى أننا منقسمون بعمق حول أنواع الأشخاص الذين نريد أن نكونهم، وأننا نعبر عن هذه الانقسامات بطرق يومية، أحيانًا تكون تافهة. لكن، وفقًا لروى، هذا التأطير خاطئ.
سيكون من الأدق القول إن هناك حربًا على الثقافة؛ فما نسميه الحروب الثقافية ليس سوى مناوشات بين الأنقاض، وهذه الفكرة فى ذهنك قد تجعلك ترى الأنقاض فى كل مكان. على سبيل المثال، العديد من المنازل فى حيى ترفع أشكالًا مختلفة من العلم الأمريكى، أعلام قوس قزح، أعلام «حياة الزرق مهمة»، أعلام «الخط الأحمر الرفيع»، وما إلى ذلك.
هذه الأعلام هى جزء من الحروب الثقافية. لكن، وفقًا لروى، تعكس هذه الأعلام أيضًا مدى تآكل الأساس «الاجتماعى» للثقافة المشتركة. أصبح هناك أقل وأقل مما هو بديهى فى ثقافتنا، قد يبدو حتى مصطلح «ثقافتنا» موضع شك هنا، لدرجة أن العلم الأمريكى، الذى يفترض أنه يحمل معنى جوهريًا وثابتًا وواضحًا (أليس هذا هو الغرض من العلم؟)، أصبح علامة خارجية أكثر قابلية للاستبدال، وربما ليست مختلفة كثيرًا عن لافتات الحملات الانتخابية التى نضعها فى ساحات منازلنا. الأعلام أصبحت مجرد مفردات، فلماذا لا نسمح لها بالازدياد؟
من الصعب تخيل ما قد يتطلبه إثبات أطروحة كهذه؛ فكتاب «أزمة الثقافة» لا يحاول إثبات شىء. إنه كتاب صغير يمكن وصفه أنه واسع النطاق، أو بشكل أكثر تشككًا بأنه ملىء بالتعميمات غير المدعومة.
ويثير روى، وهو مفكر بارز يشتهر بأعماله عن الإسلام والتطرف والغرب، يكتب بثقة شاملة عن كل شىء، من تنظيم القاعدة وحركة #MeToo إلى كتاب «إمبراطورية العلامات» لرولان بارت، الاختلاف معه فى كل صفحة من كتابه هذا، مما يجعله أكثر متعة وإثارة للاهتمام، فهو يقدم استفزازًا فكريًا ذا قيمة.
ويرى أوليفييه روى «انحلال الثقافة» فى كل مكان: فى الجدل المستمر حول ما إذا كان يحق للحيوانات المدعومة عاطفيًا التواجد على الطائرات؛ فى النقاش الحاد حول ما إذا كان الإسرائيليون أم اللبنانيون هم الذين ابتكروا سلطة الحمص؛ وفى تحويل ديزنى للحكايات الخرافية التقليدية إلى سلاسل تجارية ضخمة؛ وفى الصعوبات التى تواجهها الجامعات فى جذب طلاب التخصصات الإنسانية.
ما يوحد هذه الظواهر، حسب روى، هو أنها تتكشف فى فراغ ثقافى. فى الماضى، كانت المجتمعات تعتمد على «نظام مشترك من اللغة والإشارات والرموز والتمثيلات ولغة الجسد والعادات والتقاليد وما إلى ذلك» لإدارة الحياة اليومية. اليوم، فى غياب هذا الأساس المشترك، علينا باستمرار إعادة التفاوض حول ما هو طبيعى ومقبول وجزء منا.
ويقول روى إننا «محاصرون فى أنظمة متزايدة من القواعد الصريحة»، حيث توجد الكثير من القواعد، والعديد منها يتعارض مع الآخر، ويمكن أن ينتهى بك الأمر فى مشكلة إذا قمت بخرقها.
كما يظن روى أن «انحلال الثقافة» يحدث عندما تُستبدل الثقافة، التى هى أكبر من الفرد، بنظام من الأكواد الثقافية القابلة للتعديل. ويشير إلى أن هذا ناتج عن «تفكيك الروابط الاجتماعية، والفردية، واللاإقليمية».
على المستوى العملى، يعنى ذلك أن المزيد منا أصبح يعمل من المنزل أو منفصلًا اجتماعيًا، ربما لصالح شركات متعددة الجنسيات لا وجود لها فى مكان محدد. لكن روى يرى أيضًا تغيرات أكثر تجريدية فيما يسميه «مخيلاتنا».
وفى الماضى، كان الناس يجدون معنى فى «الأيديولوجيات الكبرى» مثل المسيحية أو الماركسية أو «الطريقة الأمريكية»، أو يعيشون وفق عادات مجتمعية تقليدية غير قابلة للنقاش. لكن «لا الثقافة الرفيعة ولا الثقافة الأنثروبولوجية توفر اليوم ما نحلم به» كتب روى.
كما يقول إن «طرق الإيمان» أصبحت تنتمى إلى نطاق الثقافات الفرعية مثل الطوائف، جماعات المعجبين، ونظريات المؤامرة وما شابه. لدينا مجتمع بالطبع، لكنه مجتمع يُفهم على أنه مشروع يهدف إلى تعظيم حريتنا وسعادتنا. فى رأى روى أن هذه الرؤية «نيوليبرالية» لأنها فردية فى جوهرها، ويقترح أنها متناقضة، حيث لا يمكننا الاتفاق على ما تعنيه الحرية أو السعادة. (هل نريد الحرية لقول أى شىء، أم الحرية التى تبعدنا عن خطاب الكراهية؟).
يقول روى إن الثقافة لم تعد تلعب دورًا إيجابيًا، لأن الثقافة القديمة فقدت شرعيتها، والثقافة الجديدة لا تلبى الشروط الأساسية لأى ثقافة، وهى وجود تفاهمات مشتركة ضمنية. ما يتبقى هو السلطة: من يكون فى موقع السلطة فى أى لحظة معينة يسعى إلى فرض معاييره على الجميع.
فى مراجعة لكتاب «أزمة الثقافة» نُشرت فى مجلة «الفلسفة الآن»، يتساءل ثيو بلانك: «ألم تكن الثقافة دائمًا فى أزمة؟» يشير بلانك إلى أن روى يفترض وجود «حالة ثقافية» (مشابهة لمفهوم «حالة الطبيعة» الكلاسيكية) حيث يتشارك الجميع نفس القواعد الضمنية للسلوك، وتكون الهويات واضحة لهم، ولا توجد فروقات أو صراعات ثقافية كبرى.
لكن هل حدث ذلك حقًا فى أى وقت من الأوقات؟ يعترف روى نفسه بأن التفكيك الثقافى ليس جديدًا؛ فالثقافات تتغير نتيجة الهجرة، الاستعمار، الحروب، والتحولات التكنولوجية، ويتكيف الناس مع تقاليد جديدة فى اتجاه أخرى جديدة محددة.
لكن روى يعتقد أن الوضع اليوم مختلف؛ إذ لم تعد الثقافات تُستبدل بأخرى فى جميع أنحاء العالم. كما يعتقد أن فكرة «التغريب» مجرد تضليل وذلك لأن على الرغم من الشعبية العالمية التى اكتسبتها البيتزا والتوريث، فإن ما يزداد شيوعًا حول العالم هو «الهويات الضعيفة» المبنية على «مجموعة من الرموز».
يشبه هذا الانتقال من مكان عاشت فيه عائلتك لأجيال إلى ضاحية بلا ملامح. قد تتبنى تقاليد جيرانك، إذا كانت لديهم تقاليد، لكنهم لا يملكون أيًا منها؛ هم مجرد مجموعة عشوائية من الأشخاص يعيشون بالقرب منك. يقولون لك «كن على طبيعتك»، وهذا يختلف عن العيش بتقاليد مشتركة.
هل روى محق؟ من يدرى! قد يشعر بعض الناس أنه ببساطة منفصل عن الواقع، وأن «الثقافة»، بالمعنى الواسع، لا تزال مزدهرة، لكنه لا يراها. ربما يكون متحسرًا على الماضى، أو رجعيًا، أو حتى رومانسيًا.
ربما هو محق ومخطئ فى نفس الوقت: ربما تكون «الثقافة» تحتضر بالفعل، لكن المجتمع الذى يضم مجموعة متنوعة من الثقافات، بدلًا من ثقافة واحدة موحدة، قد يكون أكثر إنسانية وإلهامًا وإثراءً.
عندما أختبر أفكار روى مقارنة بحياتى الشخصية، أجد أنها تنطبق إلى حد ما. قصة عائلتى تتضمن عملية التفكيك الثقافى: والدتى، بعد انتقالها إلى أمريكا من ماليزيا، لم تجد أبدًا نسخة مكافئة من الثقافة الغنية والشاملة التى تركتها خلفها (أو ربما هربت منها).
وُلدتُ فى الولايات المتحدة، لكننى لست متأكدًا مما إذا كنت قد وجدت أى شىء يعادل ثقافتى الأم أيضا. حياتى الثقافية مُرضية ولكنها فردية؛ مثل الكثيرين، حيث أجد المتعة فى «الانغماس فى المواضيع الفرعية».
إن المعايير الثقافية التى تبدو وكأنها توحد الأمريكيين - كرة القدم؟ تايلور سويفت؟ - لا تضيف الكثير من المعنى إلى حياتى؛ أنا من أولئك الذين يعتبرون أنفسهم «روحانيين لكن ليسوا متدينين»، لذلك الأعياد الدينية، مثل الكريسماس، غالبًا ما تبدو أكثر تفريغًا مما ينبغى.
عندما يتعلق الأمر بـ «النظام المشترك للغة، والرموز، والإشارات، وتمثيلات العالم، ولغة الجسد، وأكواد السلوك» التى يتحدث عنها روى، لدى الكثير من القواسم المشتركة مع الأشخاص من حولى. لكن الأمريكيين يعيشون بشكل متزايد فى فقاعات، وأتصور أننى لست مختلفًا عنهم.
لأن روى يرى أنه لا يمكن إعادة خلق «ثقافة حقيقية» مرة أخرى، فإن كتابه «أزمة الثقافة» يحمل نبرة مأساوية. لا أجد أن اليقين المأساوى هو موقف معقول بالنسبة لموضوعات بهذا الحجم والنوع.
ومع ذلك، جعلنى كتابه أنظر بعناية أكبر إلى كيفية عيشى، باحثًا عن نوع الثقافة التى يقول إنها تموت. أجد أننى أستطيع بالفعل الإشارة إلى جزر من القيم المشتركة على نطاق واسع.
ومن جهة والدى، أنتمى إلى عائلة من الأطباء والعلماء، وأشعر باتصال دائم بثقافة العلم، إيمان بها كمشروع واسع النطاق يُنشئ القيمة والمعنى. كما أننى درست الأدب فى الجامعة والدراسات العليا، وأنظر إلى الفنون على أنها نوع من القداسة.
على مستوى أكثر محلية، أعيش فى بلدة صغيرة حيث أقامت العديد من العائلات، بما فى ذلك عائلة زوجتى، لأجيال. أما ثقافيًا، ربما تكون بلدتى أقل تماسكًا مما كانت عليه فى الماضى.
هناك أنماط أكثر من الناس يعيشون هنا مما كانوا من قبل. ولكن هل ينبغى أن يكون ذلك سببًا لليأس؟ نحن نعيش، للأفضل أو للأسوأ، فى عصر عالمى، حيث تؤثر المشكلات التى تواجه الكوكب بأسره علينا جميعًا. لنفترض أن حيك هو فى الحقيقة مجرد مجموعة من الأشخاص الذين يعيشون فى نفس المكان، ربما يكون ذلك أمرًا جيدًا. قد يجدون طريقة للاهتمام أقل بما جاءوا منه، وأكثر بالمكان الذى يعيشون فيه.
إذا كانت الثقافة تفقد قوتها، فهذا بالطبع خسارة، لكن هناك طرقًا أخرى لتجربة المشترك، والتى رغم أنها ليست مكافئة للثقافة نفسها، إلا إنها قد تكون لها مزاياها الخاصة. الحداد على ما ضاع أمر صحى، طالما أنك تحتضن ما تبقى من الإمكانيات الموجودة.
وظيفة الشاهد
ليست مجرد محاكاة للماضى: كتابة رواية تاريخية بأسلوب جديد
راهب بيت لحم







