بعد 5 أيام من دفنها.. شكوك «مغسلة الموتى» كشفت جريمة مقتل العجوز

الضحية
الضحية


الشرقية‭ - ‬إسلام‭ ‬عبدالخالق

 

منذ سنوات طالتها خيوط الوحدة بعدما أصبح منزلها الفسيح خاويًا عليها منذ زواج أبنائها الأربعة؛ فالولدين تغرب أحدهما للعمل في إحدى الدول العربية وابتعد الثاني ليؤسس حياته هناك على أطراف محافظة الجيزة، وابنتيها تزوجت إحداهما بعيدًا عنها فيما كانت الثانية تزورها من حين لآخر، بيد أنها اعتادت حياتها تلك وراحت تستعيض بحب الناس وقُربهم إليها وجدت فيهم الونس في وحدتها، تساعد الأيتام وتُعين الفتيات المقبلات على الزواج وتُجير كل مستجير بها، وبين المستفيدين كان أحد الشباب ممن امتهنوا مهنة النجارة في إحدى الورش الموجودة في القرية، لكن عطف السيدة العجوز لم يكن سوى مطمع لنفسه الدنيئة وشيطانه العتي وهو يُخطط كيف يلوذ بمالها ومجوهراتها التي رآها رؤيا العين ذات مرة، وحين فوجئ بها قبل أن تنتهي رحلة جريمته أتم الجريمة بأخرى كانت ضحيتها جثتها وسط بيتها بعيدًا عن أعين الناس هنا، وإلى التفاصيل.

صبيحة الجمعة الماضية، وبينما يستعد أهل البلدة التي اشتهرت فيما سبق باشتعال منازلها دون سبب قبل عقدٍ من الزمان، فوجئ أهالي «المنا صافور» التابعة لنطاق ودائرة مركز شرطة ديرب نجم وسط محافظة الشرقية، بجلبة كبيرة وعربات الشرطة تحيط بمنطقة المقابر على أطراف القرية، قبل أن يتبين فيما بعد أن رجال الطب الشرعي كانوا يناظرون جثة إحدى السيدات التي دُفنت في قبرها هناك قبل خمسة أيام ويتمهلون لإجراء الصفة التشريحية للجثمان لبيان سبب الوفاة وكيفية حدوثها.

الساعات الماضية من اليوم السابق كانت شاهدة على هرولة إحدى السيدات - والتي تعمل في مجال تغسيل الموتى - إلى ابنة المتوفاة الكبرى وكلها إصرار أن في الأمر شيئًا لا يمكن السكوت عنه، قبل أن تفصح عن مكنون صدرها من شكوك بشأن ما لاحظته عشية الاثنين المنصرم لتتدافع منها الكلمات فور رؤية الابنة: «اللي حصل مخليني مش عارفه أنام من وقت ما غسلت الحاجة الله يرحمها والدم اللي شوفته على وشها مكانش خبطة وخلاص يا بنتي وحاسة إن فيه حاجة في الموضوع وجيت أخلص ذمتي وضميري أمام الله».

اقرأ أيضا: أمن الجيزة يكشف لغز العثور على جثة بصحراء دهشور

استخراج الجثة

انتهت السيدة من حديثها وغادرت المكان كما حضرت سريعًا لتتسارع وتيرة الأحداث؛ حين أمسكت الابنة بهاتفها تستنجد بشقيقها الطبيب البعيد هناك في حدائق الأهرام، والذي حضر لتوه فور ما سمعه من شقيقته، والتي أكدت كذلك شكوك مغسلة الموتى حين لاحظت وقتها أن مصوغات الأم لم تكن في يديها أو أذنيها كعادتها، وما هي إلا ساعات حتى حضر الابن إلى مركز الشرطة وفي غضون دقائق بدأ في سرد ما علمه من تفاصيل منوهًا بأن فيما جرى لوالدته شبهة تشير إلى وفاتها قتيلةً؛ لتُصدر النيابة العامة تصريحها باستخراج الجثمان المدفون وانتداب أحد الأطباء الشرعيين لإجراء الصفة التشريحية وسط حراسة مشددة من جانب قوات الشرطة، وبتكثيف التحريات من جانب المباحث الجنائية لبيان مدى وجود شبهة جنائية في الواقعة من عدمها بناءً على المعاينة الجديدة للجثمان.

بدت الأمور في الاتضاح بمجرد استخراج الجثة وبدأ مسئول الطب الشرعي في عمله؛ إذ تبين وجود آثار خنق حول الرقبة وبعض آثار أخرى تشير إلى وجود شبهة جنائية في حدوث الوفاة، فيما بدأ رجال البحث الجنائي جهودهم للسير في الاتجاه الجديد وتكثيف التحريات والبحث في ملابسات ما جرى، وخلال الساعات التالية كان النبأ اليقين؛ حين خلُصت التحريات إلى أن وراء ما حدث نجار شاب يُدعى «شادي. و. ك» يبلغ من العمر نحو ثلاثين عامًا، سبق وكانت المجني عليها تعطف عليه كغيره ممن دهسهم قطار الظروف، بيد أن القاتل كان خائنًا بطبعه ولم يكبح جماح خيانته وشيطانه حين خطط لسرقتها وانتهى به المطاف وهو قاتلها.

سر ما جرى وتفاصيل أدلى بها المتهم فور ضبطه، مشيرًا إلى أنه قد تسلل إلى منزل المجني عليها وفي مقصده وعزمه أن يستولى على ما في المنزل من مصوغات وأموال مملوكة لها كانت تتركها في غرفتها حين سبق له الدلوف إلى المنزل قبل أيام ومشاهدة ما ينتوي سرقته وقتذاك.

الجريمة والقبض على المتهم

المتهم الذي استعان بإحدى أدوات عمله في النجارة لأجل إتمام سرقته دلف إلى المنزل فجرًا ظنًا منهأن صاحبة البيت غير موجودة لدى ابنتها لسرقة المال والمجوهرات، وعلى أطراف أصابعه سار يحث الخطى حتى وصل إلى مقصده، وهناك أفرغ المكان من محتوياته واستولى على المصوغات ونحو ثلاثين ألفًا من الجنيهات كانت محصلة ما تركته السيدة من مالها وقتها، وحين هم السارق بالمغادرة فوجئ بصاحبة البيت تقف أمامه والذهول يملأ جفنيها وملامحها تصرخ من هو صدمتها فيمن كانت تساعده وتعتبره ابنًا من أبنائها.

لم تُسعف قوة السيدة التي تخطت عامها الثاني بعد السبعين أن تصد مباغتة القاتل لها وهو يخنقها بما كان على رأسها من غطاء «طرحة» لفها بيديه ليُحكم وثاقها حول رقبتها حتى فاضت روحها إلى بارئها، وقبل أن يفر بالمسروقات راح يبحث عن مخزن ما تسجله كاميرات المراقبة الموجودة في المنزل من مشاهد توثق دلوفه المنزل وتؤكد فيما بعد خيوط ما جرى، وما أن وجد مقصده «الهارد ديسك» حتى خلعه من مكانه وصعد الى سطح البناية ليفر بعيدًا بالمصوغات والنقود.

اعترافات المتهم سبقها استعادة المسروقات منه بإرشاده نزولًا على تضييق الخناق عليه من جانب رجال المباحث الجنائية، فيما تحرر عن ذلك المحضر رقم 32172 جنح مركز شرطة ديرب نجم لسنة 2024، وبالعرض على النيابة العامة وجهت للمتهم تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد للمجني عليها «ذكية إبراهيم غنيم» ربة المنزل صاحبة الاثنين وسبعون ربيعًا، التي كانت تقيم بمفردها في منزلها وسط قرية «المنا صافور» التابعة لنطاق ودائرة مركز شرطة ديرب نجم، واقتران جريمته تلك بجريمة أخرى؛ ذلك بأنه في نفس الزمان والمكان قد أقدم على سرقة مصوغات المجني عليها وثلاثون ألفًا من الجنيهات مملوكة لها، قبل أن تأمر النيابة العامة بحبس المتهم لمدة أربعة أيام على ذمة التحقيق مع مراعاة التجديد له في الموعد القانوني.  

;