نحو تصحيح ما ندرسه عن الحملة الفرنسية:رحلة الغرب من التعرف على الشرق إلى استباحة حضارته

حجر رشيد
حجر رشيد


د.جيهان زكى

باريس ٢٠٠٨
ما زلت أذكر النقاش الحاد الذى دار بين بعض الكتاب العرب على هامش المعرض الفنى الذى أقيم بمعهد العالم العربى بباريس تحت رعاية وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى بعنوان «بونابرت ومصر: نار وأنوار ١٧٦٩- ١٨٦٩» وما زلت أذكر أصوات وضحكات هذا الجمع النخبوى من المفكرين والنقاد حول طاولة أنيقة بأحد المقاهى المجاورة لمعهد العالم العربى أثناء استراحة الغذاء، حيث لم يكن هذا المشهد الدافئ ينذر باحتدام النقاش على إثر سجال نقدى حول دوافع ونتائج ذلك الغزو العسكرى الذى قاده الجنرال الفرنسى نابليون عام ١٧٩٨م.

تعالت أصوات البعض متسائلة عن الهدف من هذه التظاهرة أساسا، رغم أنهم جميعا من أعضاء اللجنة العلمية للمعرض! فسارع أحد كبار المؤرخين المصريين قائلا إن هذه الحملة قد أخفقت عسكرًيا وأنها ألحقت بالشعب المصرى ومقدراته الحضارية خسائر جسيمة، وأن الدوافع التى قادت الفرنسيين إلى مصر لم تكن على الإطلاق تنويرية كما يدعى المؤرخون الفرنسيون وإنما بغرض مد النفوذ إلى المشرق العربى والتمكن من السيطرة على طريق الهند لقطع الطريق على بريطانيا.

تعالت أصوات اثنين من عتاولة الفكر اعتراضا وتأكيدا على ضرورة تقديم قراءة متوازنة وموضوعية للحملة الفرنسية، وتقييمها كحدث تاريخى مثير للجدل، فغلظ أحدهم صوته قائلا أنه لا يصح فى مستهل الألفية الثالثة التوقف عند مرارات الماضى بل يجب توسيع مدى النظر وإدراك الفوائد التى جلبتها حملة بونابرت وليس النظر إلى سلبياتها فحسب!

وبأريحية كبيرة، قال أحدهم وهو ممسك بفنجان القهوة مستعدا للرشفة الأخيرة قبل العودة لأروقة المعهد حيث مقر المعرض، أنه يرى أنَّ حملة نابليون قد حقَّقت نجاحًا على المستوى العلمى بما وثقت فى مصر من المجموعات النباتية والحيوانية بالإضافة إلى قياس وتقييد الإرث الحضارى الفرعونى بكل تفاصيله من العادات والتقاليد والأعراف.




وذكر زملاءه حول الطاولة، التى لم يتبق عليها غير أوانى الغذاء الفارغة، أن العلماء الذين رافقوا بونابرت قد استطاعوا جرد وتصوير أهم الآثار والإبداعات التى شاهدوها فى أرجاء الوادى والدلتا، بل ووثقوها فى موسوعة «وصف مصر» التى تعد المرجع الأول لعلم المصريات، كما أن هذه الحملة هى التى مهدت لفك طلاسم الكتابة الهيروغليفية عام ١٨٢٢ على يد العالم الفرنسى جان فرانسوا شامبليون.

وهكذا فقد وقع تحليل الحملة الفرنسية فى نقد غير قابل للحسم مفاده أن: كلمة «العلماء» نور. كلمة «الغزو» نار. مفتاح النور فى قلب العارف أما مفتاح الهلاك فهو فى فِكر المغاير.

أمر ملكى أم تقليد مؤسسى؟
من الحقائق المسلم بها فى مناهج التاريخ الحديث والتى تُدَرَس فى صفوف التعليم الإعدادى، الربط بين حملة نابليون بونابرت على مصر عام ١٧٩٨م وبين فكرة وجود عُلماء فى معِية الفيالق العسكرية حين نزوحهم نحو البلاد المستهدفة من فرنسا.

وبعيدا عن التقييم السياسى للحملة، فقد أكد المؤرخون أن هؤلاء العلماء كانوا بمثابة الشرارة التى أشعلت الشغف فى القلوب وأيقظت الوعى فى العقول على إثر ما اكتشفوه من ثقافات ثرية ومتنوعة وما وثقوه من تجليات وإبداعات بشرية، على الأخص ما جادت به حضارة وادى النيل وهى أحد الحلقات المؤسِسة لتطور تاريخ البشرية.

نعم! بالفعل اصطحب نابليون أثناء حملته على مصر مجموعة كبيرة من المتخصصين الذين وصل عددهم إلى ١٥٠ عالماً ومتخصصاً من خيرة الفنانين والرسامين والأثريين والفنيين وعُرِفوا فى سجلات التاريخ فيما بعد بكلمة «لى سافان» التى تعنى العلماء، غير أن هذه المعلومة ـ ورغم أنها سليمة وسديدة ـ لكنها ترسخ لدى المتلقى، بشكل غير مباشر، يقينا بأن هذه الممارسة كانت بمثابة سَبقا حَققه الإمبراطور الفرنسى من قَبل غيره من الساسة، بل ويوحى بأنه من ابتكر فكرة ضم هؤلاء العلماء طوعا لحملته على بلاد المشرق من واقع ثقافته ودرايته بأهمية تاريخ البلاد التى يتجه إلى غزوها وعلى رأسها مصر، أرض بناة الأهرامات، لكن الوقائع التاريخية تقول إن ما قام به نابليون كان تقليدًا مؤسسيًا يرجع إلى عصر ملك الفرنجة فرنسوا الأول.

ثمة عناصر عديدة لعبت دورا هاما فى تدعيم ما درسناه عن تداعيات الحملة الفرنسية وساهمت فى ترسيخ الصورة الضبابية عن هذه الحملة بدءا من هذا المسمى الذى نقلناه هكذا عن الذاكرة الفرنسية، وليس انتهاء بأنها نوع من الاتصال الحضارى.

هل كان نابليون مستعمرا أصما لا يرى إلا نشاطه الاستعمارى وأهدافه السياسية وعلى رأسها تحقيق أطماع النخبة الفرنسية للانتصار على إنجلترا بقطع طريق مواصلاتها إلى الهند، أم كان مستعمرا مدركا لتاريخ العالم حينها وللقيمة التاريخية لمصر مهد حضارات البشرية؟
الواقع أن مقولته الشهيرة: «أيها الجنود.. من أعلى هذه الأهرامات ينظر إليكم أربعون قرنا من التاريخ»  ساهمت فى هذا الخلط وفى تكوين وفى تعظيم طرح القائد الفرنسى التسويقى الذى يُجَمِل صورة الغزو العسكرى ويعطيه صبغة ثقافية زاهية تهدئ من بهتان المشهد السياسى وويلات الاستعمار الفرنسى، إذ أن الإمبراطور كان قد نشر قواته على ضفتى نهر النيل بعد معركة القاهرة واستباحة ساحة الأزهر، كما أن المقولة تعكس، بصورة ما، عنجهية الرجل وحبه للظهور وذلك باستغلال الحدث بما وجهه من أوامر للعلماء بتمشيط مصر طولا وعرضا وعمقا وذلك قبل نشر نتاج دراساتهم وأبحاثهم فى موسوعة معرفية حملت اسم «وصف مصر» تعتز بها فرنسا حتى الآن وتعتبرها المرجع الأهم عن تراث مصر الطبيعى والثقافى والتى لم يأت بها أى مستعمر لدولة استعمرها حتى تاريخنا هذا.

بدا لى أنه من المفيد أن أُطلِع القارئ المصرى والعربى على حقيقة فكرة اصطحاب العلماء فى تخصصات مختلفة اثناء الحملات العسكرية الفرنسية، وقد ألهمتنى دراستى لعلوم المصريات وتاريخ مصر فى إعادة قراءة ما سبق سرده بشان الحملة الفرنسية، ومحاولة تصويب بعض ما اعتبرناه من الحقائق المسلم بها والخاصة بإيفاد رجال علم فى معية رجال الحرب وتسويقه بأنه «إنجاز الأمبراطور» حتى وأن بلاد المشرق نفسها وخاصة مصر قامت بتدريس المسألة كلها فى المناهج التعليمية تحت مسمى «الحملة» وليس «الغزوة» وفى العقد الأخير من القرن العشرين تم التعامل مع هذا الحدث التاريخى على أنه ملف ثقافى مشترك بين مصر وفرنسا.

عود على بدء فى نقطة اصطحاب العلماء، فمن واقع المراجع العلمية والدلالات التاريخية، يتضح لنا أنه من قبل حملة نابليون على الشرق عام ١٧٩٨ بحوالى قرنين من الزمان، كان هذا تقليداً معروفا وموثقا ومعمولا به، فقد دخلت ممارسة إيفاد مندوبين/متخصصين بهدف جمع الوثائق والمعلومات لتدريسها فى إطار مؤسسى، دائرة الضوء منذ القرن السادس عشر مع خطى الفرنسيين الأولى على درب اكتشاف الثقافات الشرقية.. تلك الشمس التى أشرقت بنور المعارف كى تضىء العالم الأوروبى وتدرأ عنه ظلمات القرون الوسطى التى حَلَت مع وفاة الإمبراطور الرومانى ثيودوسيس الكبير ودامت لسنوات طويلة.

فقد كان إنشاء مؤسسة «كوليج دى فرانس» فى باريس عام ١٥٣٠ والتى لقبت بـ«هيكل المعارف البشرية» بمثابة منارة تشع بنور المعارف كان قد أقامها الملك فرنسوا الأول بهدف توسيع مدارك الشعب الفرنسى والقضاء على ظلمات الجهل إيذانا بعصر جديد يتلقى فيه الفرنسيون كل ما يفتح القلب وينير العقل من معارف.

ولم يقتصر دور هذه المؤسسة فقط على تدريس اللغات كاليونانية واللاتينية بل أدرجت معارف مختلفة كالرياضيات والفلسفة والطب والجغرافيا، كما عملت على البحث فى دهاليز التاريخ والسلوك والمنطق والحقوق والاقتصاد السياسى والفيزياء والكيمياء والفلك وغيرها من المعارف. وفى عام ١٥٨٧ تم إضافة كرسى للدروس العربية فى قلب «الكوليج دى فرانس» ليسجل التاريخ نقطة تلاقى جوهرية للعلاقات الأكاديمية بين الشرق والغرب وإعلاء صرح هو الأول من نوعه لتدريس اللسان العربى فى الغرب تحت مظلة مؤسسية.

فى الحقيقة، فانه عندما أسس الملك فرنسوا الأول «الكوليج دى فرنس» كمنبر لدراسات العوالم القديمة، شمل لأول مرة فى تاريخ البشرية دراسة مجموعة كبيرة من الحضارات واللغات، ولكنه قام أيضا بإحياء الآداب والفنون وتفانى فى مساعدة الكتاب والموسيقيين والمصورين بل راح يعقد أول تعاون «ثقافى» لجمع كنوز روما وأثينا والشرق، كما دعا إلى بلاده كبار المصورين الإيطاليين، واشترى روائع الصور الزيتية والكتب النفيسة والمخطوطات ليُكَون واحدة من اقدم المكتبات فى أوروبا.

لحظة غاب عنها العِلم والعلماء
وفى لحظة ما.. غلبت الأهداف السياسية على آلية التدريس المعرفية فى «الكوليج دى فرانس»، خاصة فى طريقة إدارة أقسام الدراسات الشرقية اذ كان مندوبى الملك فى الشرق هم اللذين يعدون العدة للدروس والمناهج، فكانوا مسؤولين عن جمع المخطوطات والوثائق من بلاد الشرق مما أسس لتقليد جديد أصبح منهجا فيما بعد وهو ضم ركب من العلماء المتخصصين إلى جيوش الملك وفقا لما هو معروف من خصائص للبلد المستهدفة.

وفى العقود الأولى من القرن السابع عشر والذى نعته المؤرخون بـ«القرن العظيم»، افتتحت فرنسا عصرا جديدا عرف بعصر النهضة واستطاعت فيه اقتياد أوروبا إلى نهضة سياسيّة وثقافيّة شاملة، نهضة عظيمة كان قوامها الأدب والفكر حيث شهد النصف الأول من القرن السابع عشر نموًا مُذهلًا.. تألقت باريس على ضفاف نهر السين وتطورت فكرة اللقاءات الأدبيّة، وظهرت فكرة الأكاديميات لأول مرة كمجمّعات بحثية تهدف الى متابعة وتشجّيع ونقد الثقافة الفرنسية.

كما ازدهر نمط آخر من اللقاءات كانت تُشجع على إدارة النقاشات بين جنبات المجتمع وذلك فى قاعات الاستقبال داخل المنازل والتى تعنى «صالة» بالإيطاليّة فصُكَ لها مصطلح ينبثق من نفس الكلمة وعرفت فرنسا لأول مرة عام ١٦٦٤ «الصالون الثقافى» الذى مازالت فكرته قائمة حتى اليوم.

لم يحمل القرن السابع عشر النهضة إلى بلاد المشرق العربى مثلما كان الحال فى أوروبا، بل على العكس من ذلك فقد ضرب أراضيه بأحداث جسام فى كلِّ عقد من عقوده، ما بين تردى الأحوال الاقتصاديَّة، وتفاقم المشاحنات العقائدية، بجانب حلول الظواهر المناخيَّة غير المألوفة والجوائح الصحية مثل انتشار وباء الطاعون، أزمات ضربت استقرار هذه المنطقة حتى وصفه المؤرخون بـ«قرن الأزمات».

العلماء فى المشهد الجيوسياسى
الشرقى – غربى
ومع تطور الظروف فى ظل هذا المشهد الجيوسياسى الشرقى - غربى، نشأ فى نفوس أدباء فرنسا شوق مُلِح إلى زيارة الشرق وعلى هذه الخلفية الفكرية نشطت حركة الرسالات والبعثات فى السلم والحرب التى كان لها الفضل الأكبر فى تحويل الشرق إلى منابع الثقافة فى فرنسا التى كان لها بلا منافس الريادة للحضارة الغربية فى الشرق ولعبت دور الحارس الأمين لترسيخ أصالتها. أسترجع هنا ما كتبه المفكر اللبنانى الياس أبوشبكة فى كتاب «روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة» بأن «فرنسا هى الفرن الذى يخبز فيه عيش الإنسانية الثقافى».

وبالفعل اجتهد الفرنسيون فى إقامة المكتبات وتزويدها بأمهات الكتب وبالمخطوطات والوثائق وروائع المؤلفات اليونانية القديمة التى كانت قد خرجت مع عدد كبير من علماء اليونان الذين هربوا فى اتجاه إيطاليا إبان فتح القسطنطينية عام ١٤٥٣ على يد محمد الثانى، فحينها ساد تيار جارف تصدره كبار العائلات مثل عائلة مديسيس لاقتناء درر ونفائس العوالم القديمة وتصنيفها وتبويبها فى مكتباتهم.

ولجمع المادة العلمية للتدريس فى المدارس التابعة للملك، بل وأيضا العمل على جمع كافة المعطيات الخاصة بالمجتمعات الشرقية بما فيها من المخطوطات والعُملات والتماثيل والميداليات. كان إرسال المتخصصين لهذه الأراضى أمرا جوهريا، يتم فى حالة الحرب/إرسال الغزوات والحملات العسكرية، حيث يتم إرسال علماء فى معية فيالق الجيوش، ولم يكن الأمر يختلف كثيرا فى حالة السلم باسثناء أن هؤلاء العلماء كانوا يذهبون فى صحبة القناصل والسفراء.

فعلى سبيل المثال أنطوان جالان (١٦٤٦–١٧١٥م) وهو أحد روَّاد المستشرقين عمل فى بداية مسيرته المهنية (١٦٧٠م ) فى معية سفير فرنسا لدى السلطان العثمانى بالقسطنطينية، وهناك قام بأبحاث ودراسات وعمَّق معرفته بالتركية واليونانية، غير أنه قام برحلاتٍ عديدة فى المنطقة، زار فيها سوريا وفلسطين واليونان، بهدف جمع المُقتنيات الشرقية — ومنها المخطوطات والعُملات والتماثيل والميداليات — للسفير الفرنسى ثم للملك لويس الرابع عشر. وقد مكنته تلك الخبرات من تعيينه فى المتحف الملكى بعد عودته إلى فرنسا كأمين لقسم العملات والميداليات.

وتمر السنوات وينجرف محرك الفكر الأوروبى عن المسار الذى كان قد رسمه ملك الفرنجة فرنسوا الأول عام ١٥٣٠ عندما أنشأ مؤسسة «الكوليج دى فرانس» وأفسح الطريق أمام التعرف على بلاد المشرق العربى فى السلم والحرب بهدف إثراء الدروس فأصبح هذا النهج تقليدا معروفا وموثقا ومعمولا به منذ ذلك الوقت أى قبل قرنين من زمن نابليون.

يضعف محرك الفكر فيحيد عن الدروب المضاءة بوهج المعرفة لينزوى فى أزقة مظلمة فتنتقل ديناميكية العِلم إلى مسار مغاير يشوبه الطمع الإنسانى وتلحق به الشوائب الفكرية العنصرية وحب التملك لتراث الغير، وتبقى المكتبات الأوروبية تعج بأمهات الكتب ودرر اللفائف والوثائق وما ندر من البرديات القديمة التى غالبا ما نجت بصدفة الزمان من حرائق مكتبة الإسكندرية أو من سرقة بيوت الحياة فى المعابد وأيضا كثير من الثروات المعرفية الواردة من بلاد المشرق العربى. ثم ينزوى كل هذا التاريخ وتبقى فقط المتاحف الأوروبية تعج بالمقتنيات الثمينة المقتلعة من موطنها الأصلى

وهو ما يستدعى طرح السؤال: متى تحول شغف الاطلاع وحب المعرفة إلى نهم الاستحواذ واستباحة مقتنيات الغير؟