يوسف ليمود
استقبل الوسط الفنى خبر الرحيل المفاجئ للفنان المصرى الأرمنى فاهان تِلبيان، ظهر الخميس ١٧ أكتوبر، على موقع الفيسبوك، بعبارات الذهول وعدم التصديق. صدمة أصدقائه ومحبيه بالخبر ليس مرجعها فقط روحه الشابة المنفلتة من أثر الستين عاما التى عاشها، ولكن للمعنى الذى كان يجسده فاهان لكل من اقترب منه أو عرفه ولو بشكل عابر: حضوره الطيب، بساطته البدوية، صدقه، مع نفسه والآخرين، روحه المحبة وحركته التى لم تعرف السكون. برحيله، ينضم فاهان تلبيان إلى قائمة طويلة من أسماء الفنانين المصريين الأرمن الذين تركوا بصمة مميزة فى سماء الفن المصرى عبر مجالاته المتعددة، من السينما والفوتوغرافيا والموسيقى والتمثيل والغناء والفن التشكيلى بكل فروعه… قائمة لا مجال لذكر أسمائها هنا ساهمت فى فسيفساء التاريخ الفنى لمصر، وكذا فى ركن من الصورة العامة لتاريخها الاجتماعى والثقافي، لم يكن آخرهم الفنان الرسام شانت أڤيديسيان، الذي، بالمناسبة، كان معلمه وأول من تأثر به فاهان، بعد أبيه، المصور الفوتوغرافي، فنياً وإنسانياً.
عرفت فاهان أول ما عرفته فى منتصف الثمانينيات، أى منذ ما يقارب أربعة عقود. كان ذلك فى بدايات دراستنا للفن. كان يفصل بين كليّتَيْ «التربية الفنية» بالزمالك، حيث كان يدرس، وبين «الفنون الجميلة» حيث كنت أنا، شارع مليئ بالظلال والحركة، فى هذا الشارع مازالت صورة أحد لقاءاتى به محفورة فى ذاكرتي، هذا الشاب الغريب الاسم والشكل (بالنسبة لى وقتذاك، بحمولتى الخام من السذاجة الريفية) بشعره الطويل وحركاته السريعة التى لا تتوقف وكأنما يبحث عن شيء فقده، جاء صباحاً بعينين حمراوين وكأنه لم ينم ليلتها وسألنى بحماس وفضول: «هل جربت الرسم مغلقاً عينك فى غرفة مظلمة تماماً؟».
رغم أن هذه الجملة ظلت مزحة نتذكرها أحياناً كلما التقينا ونضحك على براءتنا الصبيانية الغابرة، إلا أنها بالنسبة لى رسمت منذ البداية دائرة على كيانه الباحث المجرب.

وبعدها أخذتنا الحياة فى دروبها لسنوات طويلة لم أره فيها أو أسمع عنه، حتى جمّعت الميديا بين القاصى والدانى وصرت ألتقيه فى الواقع فى زياراتى السنوية للقاهرة. ورغم كل التغيرات التى تحدث لنا جميعاً فى ظل السنين، أكاد أجزم أن روح هذا الـ فاهان لم تتغير: نفس الحماس، نفس الذات القلقة، الباحثة عما لا تعرف هى نفسها كنهه، الذات المحاوِلةِ طُرقاً مختلفة، نفس اللا منتمى الذى يرى الفن فى غمرة الضوء وفى غبار الشارع، لا فى غرف الجاليريهات الباردة بأشكالها الفنية المألوفة والمكرورة والبائتة.

وكان الفن بالنسبة له فى المقام الأول طريقاً للتواصل مع الناس، الحيوانات، الطبيعة، مع الحياة بكل تفاصيلها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فى علاقته بنفسه، كان الفن وسيلته للتجاوز، للذهاب إلى ما وراء المادة. فى مشروعه الأخير «Reality»، الذى نفذه فى شهر أكتوبر المنصرم، أى قبل رحيله بعامٍ بالتمام، فى المعرض الكبير، بديل البينالى «Something else» الذى أقيم فى ربوع قلعة صلاح الدين، قام بتغليف عدد كبير من الأحجار المتفاوتة الأحجام والمتناثرة فى المكان العتيق بورق الألومينيوم لتنتفى عنها صفتها الحجرية الصماء ووزنها الثقيل (بعضها احتاج عدة رجال أو رافعةً لتحريكها) لتصير شيئاً آخر فى خفة الأثير بامتزاجها بالضوء وانعكاس السماء. ثم هبط إلى منخفض من الأرض أشبه بالأطلال وغطى قاعه بورق الألومينيوم ذاته ليتحول هذا العمق الترابى المهجور إلى ما يشبه بِركة فضية من الماء الرائق، إلى واحة للتأمل وانعكاس الروح.
خلال أسبوعين كاملين كنت شاهداً على عمله فى هذا المشروع إذ كنت على بعد خطوات منه منشغلاً بإنشاء عمل لنفس المعرض، فكنت ألتقيه يومياً، ندخن سيجارة معاً ونتبادل الكلمات حول تطور العمل. كان كالنحلة فى حركاته حول عمله، يختبره من كل زاوية، قريبة أو بعيدة، ويغير فى كل يوم أماكن الحجارة الكبيرة والصغيرة، وكأنه فى صراع مع «الواقع» (وهو بالمناسبة اسم العمل) المفروض عليه، واقع المادة، حتى بعد أن لبست رداءها الفني. وكان قد نفذ سابقاً مشروعاً بنفس الفكرة على شاطئ مرسى علم، حين قام بتغليف غابة من جذوع الأشجار على امتداد سبعين متراً وبعرض ثلاثين متراً بذات الخامة، ورق الألومينيوم، مؤكداً على العلاقة التصادمية بين نتاج الطبيعة ونتاج يد الانسان. فكرة التغليف هذه والتى هى إخفاء الشيء، أو تحويل الشيء إلى شيء آخر، كانت هاجساً بالنسبة له خصوصاً فى أعماله الأخيرة. هى نوع من إعطاء المادة الصماء بعداً آخر، أو بعداً معاكساً حين استخدام عنصرين متضادين كما فى هذا المشروع. هى فى النهاية تعكس طموحاً إنسانياً للخلاص من أسر المادة، للسكون فى امتداد أسمى اعتدنا على تسميته: الروح.

«فى أعماقى صراع/ صراع الإنسان الذى طالما عاش/ هذا المكان/ غير ما فى أعماقي.. بإحساس به/ فى أعماقى احتياج/ احتياجى لروح وليس لمادة/ من قبل، كنت أعطى معانى للمادة/ أعماقا وأبعادا/ ولكننى الآن أعلم أننى أنا الذى كنت هذا المعنى/ لقد تغير ما فى أعماقي/ بتغير كل شيء/ بتغير الماء والهواء/ الأرض والسماء/ ضوء يطغى على كل شيء/ ضوء يظهر روح المادة/ معانى جديدة تظهر/ معانى ذات بعد آخر/ بعد غير مرئي/ من داخلي، أعيش الكل فى مكاني/ أحس بروح المادة/ تلغى المادة/ تلغى الزمان/ لا أجد نفسى فى مكان/ أرى جسمى فى بعد/ فى حالة سكون/ أتنقل داخل الضوء/ ظلال لأرواح/ ألوان/ أعماق/ أصل إلى بؤرة الضوء/ أذوب داخل الضوء الما لا نهائي/ توحيد الكل/ لا معنى لى إلا في/ وفى كل شئ». هذه الكلمات التى كتبها فاهان على صفحته فى الفيسبوك قبل أيام من رحيله تشير إلى رحلة من التحولات لوعى يعرف الهدف الذى يريد أن يصل إليه، بالأحرى الذى يريد أن يكونه. إن كان لنا أن نصف فاهان فى كلمة واحدة بعيداً عن التوصيف العاطفى فإن كلمة «اللا منتمى» هى أول ما يخبط فى الذهن. عاش فاهان تلبيان حياته كلها فى غمرة الضوء، فى غبار الشارع، على المقاهي، فى أسواق الأشياء المستعملة، فى الموالد والاحتفالات الشعبية، فى الصحراء وعلى شاطئ البحر… ودائما فى صحبة الناس أو فى صحبة الصمت، مع العمال، مع كل ساكنى الهامش. صديقاً لقطط الشارع والكلاب الضالة. كان الهامش بالنسبة له هو المركز. وكان فى هذا أصالته.

هل بالإمكان أن نجمع تلال اللوحات والمنحوتات والتصميمات التى تركها ونقول هذا هو فاهان؟ وهل بالإمكان أن نضع هذه الأعمال تحت مجهر النقد ونقول هذا جيد وذاك أقل جودة، فى الوقت الذى نعرف فيه أنه هو نفسه لم تكن تعنيه معايير الجودة؟ كان التجريب بالنسبة له هو الهدف وليست النتيجة. الطريق. لذا نجده يضرب فى آفاق المواد والخامات، وفى كل الاتجاهات. إن كان هذا اللا منتمى قد ترك عملاً فنياً لا خلاف عليه فهى حياته نفسها. كيانه الواضح الصريح، فى ذاكرة كل من اقتربوا منه أو تقاطعت طرقهم مع طريقه.
دخل الربيع يضحك..رباعية سينمائية تستحق الاحتفاء
كفه عليها... وبين الاسمين تتفرد تلك المنطقة بسحرها الخاص؛ حيث تمتزج الروحانية بجمال
من مدرجات الجامعة إلى فضاء الثقافة والصحافة:







