محمد سليم شوشة
رواية «العشيق السرى لفراو ميركل» للروائية المغربية ريم نجمى الصادرة 2024 عن المصرية اللبنانية بالقاهرة تؤكد خصوصية هذا الصوت السردى الطموح بعد هذه التجربة الروائية الثانية، فيما يمثل تمسكا ب الخط السردى نفسه من حيث الموضوع وفى الوقت نفسه يشكل تنويعا ومغايرة فى الأسلوب والقدرات، فقد قدمت ريم نجمى فى رواية تشريح الرغبة عملا متفردا فى مقاربته العميقة لأزمة كثير من المهاجرين العرب وصراعاتهم الداخلية بسبب اختلاف الهوية وجذور النشأة واختلاف التكوين الثقافى والمعرفى وتباينه بين البشر والثقافات فى حالات من التزاوج المتعسف أو غير الخاضع بشكل كامل لوعى يجعل تذويب هذه الفجوات بين الشعوب أمرا سهلا وممكنا دون ألم أو معاناة كبيرة.
فى هذه التجربة الثانية لها تقدم ريم نجمى خطابا روائيا يدلل على قدرتها الكبيرة على تمثيل الحالات النفسية والذهنية للشخصيات وتصوير نماذجها تصويرا داخليا فى غاية العمق والقدرة على إقناع المتلقي، بما يجعل منها نموذجا إنسانيا كاملا نابضا بالحيوية ويقدر على فرض ظلاله الشعورية على المتلقى بما يجعله فى أقصى درجات التعاطف والتشابك الروحى والنفسى مع هذا النموذج الذى تصوره.
وبما يجعلها فى الروايتين من الأصوات الأكثر ميلا إلى النماذج النفسية المركبة وتملك قدرات سردية كبيرة فى تصويرها وتشكيل ملامحها وتحديد سلوكها بما يتناسب مع أزماتها أو إشكالاتها، فإذا كانت قد قاربت فى الرواية الأولى حالات الزواج الفاشل بين بعض العرب المهاجرين والمواطنين الأصليين وتشريح هذه التجارب نفسيا واجتماعيا وإدراكيا فإنها فى هذه التجربة الجديدة تميل إلى تصوير مجتمعات المسلمين المتطرفين الهاربين من دولهم فى الشرق، وتصور تفاصيل حياتهم وأنماطهم السلوكية فى العبادات واللغة والاحتفالات والطقوس والعادات وكأنهم فى جيتوهات مغلقة يجاهدون من داخلها طوال الوقت ضد عدو يهيمن على مخيلتهم ويستحوذ على ذاكرتهم وكأنه مازال يطاردهم برغم اندساسهم وسط شعوب أخرى، فهم يذهبون محملين بميراث لا يسهل التخلى عنه وبخاصة مع الجيلين الأول والثانى من هؤلاء الفارّين، فيما يشكل عقدا وأزمات نفسية عميقة للجيل الثالث الذى يصبح منقسما وموزعا بين قطبين متناقضين للحضارة، أحدهما محب للحياة مقبل عليها ينشغل بالمستقبل وآخر غارق فى الماضى تطارده عداواته ويحمل ميراثا ثقيلا من الكراهية والعنف.
وهكذا، فإننا نجد أن هناك عددا من المنابع والبؤر التى تنبع منها جماليات هذا الخطاب الروائى ربما يكون أبرزها هذا التكثيف الشديد فى تصوير حالة ذات امتداد تاريخى ولها عمقها وتدرجها بين أجيال مختلفة فى حال من التركيز على التصوير النفسى الدقيق، وعبر التقاط الحال التمثيلية الفريدة التى تملك القدرة على اختزال كل هذا التاريخ من الألم والمعاناة والتمزق والشتات الفكرى وحال الفعل ورد الفعل من العنف والعنف المضاد فى الحال العربية التى تقذف بنماذج مريضة من البشر على دول أخرى هى كذلك فى حال من التخبط أحيانا فى كيفيات التعامل مع هذه الموجات من الهجرة بين الرفض أو الاحتواء والإفادة من طاقات بشرية جديدة يمكن لها تجديد الدماء فى القارة العجوز.
لقد كان الخطاب السردى بارعا فى اختيار نماذج الدالة التى تملك قدرة على التصوير الشمولى وتصوير الأفكار وتجسيدها فى حالات إنسانية وسلوكية بعينها، سواء فى تباين الأجيال داخل الحالة الواحدة أو تصويرها فى حال من المقابلة مع الآخر، سواء كان المجتمع الألمانى بما يموج به من حالات للقبول أو الرفض أو العنصرية ضد هؤلاء المهاجرين أو التعامل الإنسانى الراقى والتعاطف، فقد كانت النماذج وافية وبرغم قلتها أدت دورها بمثالية فى تصوير هذه الإشكالات وطرحت أسئلة وأفكارا مهمة عبر تمثيل سردى إنسانى مركز على حالات بعينها، فقد كانت شخصيتا يونس وآية مثلا كافتين ووافتين تماما لتصوير جيل جديد من المهاجرين الموزعين نفسيا بين ميراث صار بعيدا وغائرا يحاول الآباء من الجيل الثانى فرضه على ذاكرتهم، ليجدوا أنفسهم فى النهاية مضطرين للتمرد على هذه الجيتوهات المغلقة التى اختارها المسلمون المهاجرون لأنفسهم، وكانت كذلك شخصيات مثل الدكتور ماهر الخطيب وزوجته فاطمة الممرضة التى غيرت اسمها ودينها لتدل على تلك الحال التى تشكلت فى زمن معين فى الثمانينيات وعكست حالات طبقة معينة من الفتيات الألمانيات الأقل تعليما أو الأضعف اجتماعيا وعاطفيا بما يجعلهن خاضعات لهؤلاء المهاجرين خضوعا كاملا، وهكذا فإن كل شخصية طرحها الخطاب السردى كانت نموذجا مثاليا دالا على جيل أو ظاهرة أو فكرة أو حالة من التعقيد النفسى والالتباس الذى يحتاج إلى مزيد من البحث.
لكن الشخصية الأكثر عمقا وأكثر دقة فى بنائها وتشكيلها الفنى وتختزل سؤال الرواية وموضوعها بشكل كامل هى بالطبع شخصية يونس، البطل العاشق السرى لنموذج الدولة الألمانية دولة العلم والحضارة والحرية وما حال العشق لميركل التى صورها الخطاب وجعلها تيمة أساسية واستمد منها كثيرا من النمو والتطور الدرامى فى رأينا إلا تجسيدا عميقا لارتباطه بالدولة نفسها وليس فقط بشخصية ميركل، فهو حب يمكن أن نقول عنه إنه تشكل وبلا وعى ليكون انعكاسا للمشاعر الغائرة بداخله من الولاء والانتماء لألمانيا وكذلك مشاعر الرفض والبغض لثقافته الأصلية العربية والإسلامية التى قرر بوعى وبلا وعى أن يتمرد عليها بكل ما أوتى من قوة، بما جعله تمرده انفجارا وتشظيا حول سلوكه إلى وجهات عديدة، منها الحب نفسه، فيكون الحب فى تقديرنا انعكاسا لحال الكراهية، فيمكن تصور يونس بوصفه عاشقا لميركل بوصفها رمزا للدولة التى يريد أن يبرهن بكل أشكال البرهنة على عمق انتمائه لها وتجذرها بداخله، ويصبح العشق كذلك برهنة على قدر بغضه لثقافته الأصلية التى سعى والده فى طفولته أن يفرضها عليه بالقوة والممارسات العنيفة.
ربما يكون المنبع الأساسى لجماليات هذا الخطاب السردى ماثلا فى قدرته على تتبع الملامح النفسية لهذا البطل المأزوم بصورة متدرجة من الطفولة وربط الوعى والإدراك ونشأة المشاكل النفسية ومتلازمات ما بعد الصدمة والعنف فى تكوين هذه الشخصية، طفل يحكى له جده عن القتل وعن العلويين وعن الثأر وهو مازال يشاهد الكرتون، ويمارس أبوه وأمه عليه أقصى درجات العنف فى الإيقاظ لأداء الصلاة فى وقت مبكر قبل المدرسة، ليكون موزعا بين عالمين متناقضين تماما، بين المدرسة التى تصبح عالم الأحلام المثالى وبما تمنح من حرية وإمكانات للتعبير عن الاختيار والمواهب والقدرات الفردية، وبين عقل أسرى تطارده أشباح الماضى وأم مأزومة نفسيا مشكلتها غائرة وهى وإن كانت مبررة بدرجة كبيرة فيما تكن من عشق وتعلق وارتباط سادى بالزوج لكنها تصبح غير مبررة بالكامل إلا عبر سبر ملامح طفولتها وعلاقاتها بأطفالها، وهو جزء يحافظ عليه الخطاب بوصفه فجوة معرفية لأن الأم لم تكن تبوح لابنها بشيء أو تطلعه على حدود علاقتها بأهلها الذى قاطعتهم تماما بعد زواجها من الطبيب العربى المهاجر وخضوعها التام له.
لنكون فى النهاية أمام عالم روائى حافل بالأبعاد والملامح النفسية المركبة التى يتوالد بعضها عن بعض بتدرج وصولا إلى نقطة الذروة والتوتر الدرامى الكبير فى شخصية يونس وتأرجحه بين الحب والكراهية بأشكالها المتطرفة بما يشكل منه نموذجا مشوقا ومتأرجحا بين الخير والشر والسلام والعدوانية والعقل والجنون، ليكون هرم الرواية جماليا وبؤرة أسئلتها ويختزل أفكارها ومعطياتها الدلالية، ويجعل من الرواية عملا استثنائيا وحالة متفردة مع ما يهيمن عليها من العفوية والابتعاد عن الافتعال.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







