سالى رونى
ترجمة: د.محمد غنيم
تعد الكاتبة الأيرلندية سالى رونى (1991) واحدة من أكثر الكُتّاب المدافعين عن حقوق الفلسطينيين فى العالم الأدبى، بالإضافة إلى كونها ناقدة حادة لوحشية إسرائيل وتواطؤ الولايات المتحدة فى الحرب على غزة، لذا نترجم مقالها المنشور فى مارس الماضى فى صحيفة «The Irish Times»، قبيل زيارة رئيس الوزراء الأيرلندى ليو فارادكار إلى البيت الأبيض، فى هذه المقالة تهاجم رونى الحكومة الأيرلندية لأنها فيما تعلن إدانة المعتدين (إسرائيل) تحافظ على علاقة دافئة مع أولئك الذين يزودونهم بالقنابل(أمريكا).
الجدير بالذكر| أن هذه ليست المرة الأولى التى تتخذ فيها رونى موقفًا علنيًا بشأن قضية فلسطين، فقد تصدرت رونى عناوين الصحف فى عام 2021 عندما قررت عدم منح دار النشر الإسرائيلية «مودان» حق ترجمة روايتها «عالم جميل، أين أنت؟»، لأن القيام بذلك كان سيخالف المقاطعة الثقافية لإسرائيل. وكانت أيضًا جزءًا مركزيًا من حملة جمع تبرعات فى ديسمبر جمعت أكثر من 30,000 يورو لصالح «المساعدات الطبية للفلسطينيين». إليكم ترجمة المقال كاملة:
«ستطاردنا صرخات الأبرياء إلى الأبد إذا واصلنا التزام الصمت»، هذه كلمات رئيس الوزراء ليو فارادكار، الذى تحدث فى فعالية أقيمت فى بوسطن هذا الأسبوع عن الهجوم المدمر الذى تشنه إسرائيل على غزة. ومن يستطيع أن يختلف؟ ما يحدث فى فلسطين الآن هو واحدة من أعمق وأشد الكوارث الأخلاقية فى عصرنا.
وعلى مدى أشهر، كانت القوات العسكرية الإسرائيلية تقصف السكان المحاصرين والجائعين والمهجرين فى غزة بعمليات قصف جوى متواصلة. وبسبب عزلتهم عن العالم الخارجي، اضطر الناجون الفلسطينيون إلى توثيق الأزمة فى الوقت الفعلي، ومشاركة القصص والصور ومقاطع الفيديو عن القبور الجماعية والمبانى المدمرة والأجساد المهجورة. ومع عدم وجود نهاية فى الأفق، تواصل الولايات المتحدة ضخ الأموال والأسلحة إلى إسرائيل لإطالة أمد الهجوم.
لكن يوم الأحد، وفى ختام زيارته للولايات المتحدة، سيزور فارادكار البيت الأبيض لالتقاط صورة تذكارية مع الرئيس بايدن بمناسبة عيد القديس باتريك وفى اجتماعهما يوم الجمعة، تبادلا بلا شك بعض الكلمات المثيرة للقلق بشأن محنة المدنيين الفلسطينيين، لكن فرادكار كان واضحًا مسبقًا بشأن الغرض من المحادثة: «لست هنا لأوبخه أو أعاتبه... دعونا لا ننسى أبدًا أنه كان صديقًا جيدًا جدًا لإيرلندا.»

وهذا يؤكد بوضوح النهج الذى تتبعه الحكومة الأيرلندية تجاه الحرب فى غزة. إن النقد القوى والمباشر موجه لدولة إسرائيل الصغيرة نسبيًا (والمعزولة عالميًا بشكل متزايد).
من ناحية أخرى، فإن الولايات المتحدة ــ التى تزود إسرائيل بنحو 80% من واردات الأسلحة، فضلاً عن مليارات الدولارات من المساعدات- يتم التعامل معها باعتبارها طرفاً ثالثاً محايداً، وبطبيعة الحال، باعتبارها «صديقاً جيداً». وبهذه الطريقة تستطيع حكومتنا أن تنعم بالتوهج الأخلاقى المتمثل فى إدانة منفذى القنابل، فى حين تحافظ على علاقة حميمة مع أولئك الذين يزودونهم بالقنابل.
لكن ما يحدث فى غزة ليس مجرد حرب إسرائيلية: إنها حرب أميركية، وبشكل خاص حرب بايدن. إن إسرائيل ببساطة لا تستطيع تحمل تكاليف تنفيذ هذا الهجوم المطول والمكثف للموارد ضد الشعب الفلسطينى دون الأموال والأسلحة الأمريكية.
وتظهر استطلاعات الرأى أن معظم الأميركيين يريدون وقفاً دائماً لإطلاق النار؛ ويبدو أن دعم بايدن لإسرائيل يضر بفرصه فى السباق الرئاسى المقبل. ومع ذلك فهو يرفض الاستماع إلى ناخبيه، وقد تجاوز الكونجرس مرارا وتكرارا لمواصلة تزويد إسرائيل بالموارد التى تعتمد عليها.
قد يرغب أصحاب نظرية المؤامرة فى تصور أن إسرائيل تمارس قدراً هائلاً من النفوذ على الولايات المتحدة، ولكن الواقع عكس ذلك تماماً. إن الولايات المتحدة هى التى تمارس سلطة هائلة على إسرائيل ــ وكان الرؤساء الأميركيون السابقون على استعداد لاستخدام هذه القوة.
وفى الثمانينيات، رداً على الهجمات الإسرائيلية غير القانونية على العراق ولبنان، لم ينتقد رونالد ريجان الهجمات علناً فحسب، بل قام أيضاً بتقييد المساعدات الأميركية والمساعدات العسكرية لإسرائيل رداً على ذلك، مما ساعد على إجبار القوات على الانسحاب.
وفى أوائل التسعينيات،وعلى نحو مماثل، استخدم بوش المساعدات الأميركية لإسرائيل كورقة مساومة فى المفاوضات الدولية.
إذا كان بايدن يرفض الاستفادة من هذه الموارد نفسها من أجل جعل إسرائيل تمتثل لسياسة الولايات المتحدة، فإن الاستنتاج المعقول الوحيد هو أن هذه الحرب هى بالفعل سياسة أمريكية.
ويصف العديد من خبراء القانون الدولى الحرب على غزة بأنها إبادة جماعية، وقد يتفق كثيرون آخرون عندما ينكشف الحجم الحقيقى للموت والدمار. وفوق كل هذا، لم تسمح إسرائيل لأى مؤسسة إعلامية خارجية بدخول غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إلا تحت حراسة عسكرية مشددة. وفى الوقت نفسه، قُتل صحفيون فلسطينيون داخل القطاع بمعدل يدل على الاستهداف المتعمد.
وفى العام الماضى بأكمله، قُتل 99 صحفياً فى جميع أنحاء العالم أثناء قيامهم بتقاريرهم؛ ومن بين هؤلاء 72 صحافياً فلسطينياً قتلتهم إسرائيل.
ويشير هذا الحظر المفروض على وسائل الإعلام الخارجية والقتل المستمر للصحفيين إلى أن هناك جهود قوية تُبذل لإخفاء الحقائق.
منذ بداية الهجوم، تم إسقاط أكثر من 65.000 طن من المتفجرات الأمريكية الصنع على قطاع غزة. كل غارة جوية جديدة تنزل المزيد من الدمار، وتدمر المزيد من البنية التحتية، وتحاصر المزيد من الأشخاص العاجزين تحت الأنقاض، وتسبب المزيد من الإصابات الكارثية.
وكل وفاة إضافية تترك وراءها المزيد من الحزن والحسرة التى لا يمكن إصلاحها. والآن، مع استمرار إسرائيل فى منع تدفق المساعدات، بدأت مجاعة من صنع الإنسان تترسخ. إن البشر يموتون جوعا ببطء وبشكل مؤلم، ليس بسبب فشل المحاصيل أو الكوارث الطبيعية، بل نتيجة للسياسة المتعمدة التى تنتهجها إسرائيل والولايات المتحدة.
وفى وقت كتابة هذا المقال، يبلغ العدد الرسمى للقتلى فى غزة أكثر من 30 ألف شخص. على الرغم من أن هذا الرقم مرعب، إلا أنه ربما يكون أقل من الواقع.
ومن المرجح أن وزارة الصحة فى غزة، التى تعتمد على أرقام من المستشفيات والمشارح المكتظة بشكل كارثي، فشلت فى مواكبة معدل الدمار الفائق السرعة. نحن ببساطة لا نعرف عدد الفلسطينيين الذين قتلوا على يد الدولة الإسرائيلية منذ أكتوبر من العام الماضي.
ما نعرفه أن كل واحدة من هذه الجرائم قد تم تمويلها ودعمها من قبل «صديقنا الجيد جدًا» فى البيت الأبيض. خلال الوقت القصير الذى قضيتُه فى إعداد هذا المقال، شاهدت صورًا لأحد المرافق الإنسانية التابعة للأمم المتحدة المتبقية فى غزة وقد تعرضت لضربة جوية، وذلك بعد يوم واحد فقط من مشاركة إحداثيات المركز مع القوات الإسرائيلية، رأيت أيضًا صورًا لعظام طفل فلسطينى هزيل ظاهرة، وأنقاض القلعة المهيبة بارقوق من القرن الرابع عشر التى دُمّرت بشكل لا يمكن إصلاحه بالقنابل، وجنود إسرائيليين يتظاهرون بسعادة مع الملابس الداخلية للنساء الفلسطينيات المهجرات أو الضحايا.
إلى هذا الكولاج من الانحطاط الأخلاقي، قد نكون قريبًا على موعد مع صورة لبايدن وفارادكار وهما يبتسمان معًا فوق طبق البرسيم التقليدي. وإذا كان الأمر كذلك، فهى صورة ــ على حد تعبير فارادكار نفسه ــ «ستظل تطاردنا إلى الأبد».
دخل الربيع يضحك..رباعية سينمائية تستحق الاحتفاء
كفه عليها... وبين الاسمين تتفرد تلك المنطقة بسحرها الخاص؛ حيث تمتزج الروحانية بجمال
من مدرجات الجامعة إلى فضاء الثقافة والصحافة:







