عائشة مُختار
النَّبْتةُ المَغْروسة فى قلبها، مُتجذّرة وتنمو، وقلبها ليس كبيرًا كقلب حوت.
يُخيل لها أحيانًا أنّها تَشَمّ رائحةَ احتراق، وأنَّ الأيدى التى اجتثتْ الرَّضيع منها؛ لتُدارِى العار حتى لا يعْرفُه أهل القرية، ما زالت تَحُوم حولها بعد شهور مِن ليلة الرِّيح الأولى، لكنّها حين تَتَلفَّتْ باحثةً لا تَعْثُر على شيءٍ، تسأل مَن حَولَها عن الرائحة والأيدى فلا تَحْصُل على جواب.
تلحظ ثُقبًا فى ثوبها جِهة الصدر.
أحضرتْ سِكينًا حادة لتستأصل النبتة، لكنّها قطعتْ جزءً صغيرًا مِن قلبها، فاختفتْ رائحة الحريق وبقيت رائحةُ الدَّم.
لم تَعُدْ تسأل.
أخذتْ كِتابًا وقرأتْ «كلُّ شىءٍ بالشىء يُستبْدل».
بحثتْ عمَّا يُشبه قطعة قلب صغيرة، فوجدتْ حَمَامَة تَحْتضِر، شقّتْ صدر الحَمَامَة وأخرجتْ القلب النابض واستبدلته بقلبها القديم، فاشتمّتْ رائحةَ العَفَنِ والموت.
لم تَعُدْ تقرأ.
بعد حين سألتْ الرجل الذى تكلَّم ثم سيَصْمُت وقتَ كان فى زمنِ الكلام:
كيف أنسى الرائحة؟
حكَى قصةً أنستْها الرائحة يومًا، ثمّ عادتْ نفّاذةً قويّةً.
رجعتْ إليه وأخبرتْه أنَّ حكايتَه بلا جَدْوَى.
قصدتْ الرجل الذى سيُحبّ التجوال، فمنحها قلبًا صلصاليًّا مُكتمِلًا، وهو يُحذّرها.
لكنها اختارتْ أنْ تستبدِل قلبها.
إنّها الآن، تَشَمّ كلَّ شىء، الخُبْز حين يحترق، قلوب العابرين، الأطفال حديثى الولادة، كل الروائح، إلّا قلبَها.
الطفل الذى سيتكلَّم ثم يصمت فى زمن الكلام
لم يسبق لملابس الطفل الذى سيتكلَّم ثم يصمت أنْ اتّسختْ، ولم يُشاهده أحدٌ يلعب فى الأزِقة. كان يتحرَّك كرجل فى الثلاثين، يذهب فى الصباحات الباكرة إلى بيت الرجل الذى رقص مع الذئاب، يدخله بمفتاحٍ أعطاه إياه الرجلُ له، ويأخذ صحنًا نُحاسيًّا فيحْلُب الماعز ثم يترك الصحن أمام غُرفة سيدة الشوك لتعطيه للرّضيعة التى لم يَعرِف أحدٌ اسمها، ثمّ يأخذ كتابًا مِن القبو ويخرج.
يجلس بعدها على كرسى مِن القَشِّ تآكلتْ أطرافه، فى بُقعة تكشف مدخل القرية، يولى وجهه إلى الصحراء التى لا يرى المرء فيها سوى رمالٍ تمتدّ إلى السماء، وبعض العُشْب الجافِّ المُتناثر. مِن مكانه يرى القادمين نحوه كنقاطٍ صغيرة ثم كخطٍ عاموديٍ، ثم كَبَشَرٍ مِن لحم ودم، وما إنْ يلوِّح أحدهم حتى يَخْفِقَ قلبُه.
حين لمَعَتْ فكرةٌ فى رأس الرجل الذى سيتكلَّم ثم يصمت - بعد مرور سنوات مِن جلوسه فى تلك البُقعة وانْهماكِه فى القراءة - أحبَّ أنْ يُشاركها مع ثلاثةٍ عابرين مروا أمامه، كلَّمهم فجلسوا حتى انتهى. عادوا فى اليوم التالى، وحين رآهم مُقبلين عليه، سرَّه الانتباه الذى يَجْلُبه الكلام.
يمكث جالسًا على الكرسى، شعره فاحمُ السواد يصل إلى كتفيه، عيناه صغيرتان مُحاطتان برموش كثيفة، فى شفته العُليا أثر لجُرْح قديم، تخرج الكلمات منه مِثْلما تخرج من أى إنسان، الحروف نفسها والنطق نفسه، إلا أنَّ أثر كلماته شرسٌ، يُحدّق إلى عينى أى رجل، ثم تخرج الكلمات مِن فَمِه فيصدقها مَن يسمعه دون تَمْحِيص.
كِتابُه الأثير كان كِتابًا عَثَر عليه فى قَبوِ الرجل الذى رقص مع الذئاب، يحكِى الكتاب قِصصًا حدثتْ فى بلاد بعيدة، مُجلّد أخضر طُمس عنوانه ونُزعت صفحاته الأخيرة، تساءل كثيرًا عن نهاية القصة الأخيرة، كما تخيَّل نهايات مُتعددة لها، ثم تخيَّل بدايات أُخرى أيضًا، لم يرَ أهلُ القرية نهرًا ولا جِنًّا ولا بَشَرًا سوى نهرهم وجِنَّهم وأنفسهم، لكنّ الشاب الذى تكلَّم ثم سيصمت كان يحكى لهم عن أشخاص مِن عَوالِم بعيدة وعن جبال وأنهار وجِنّيات، كان يُغلق عينيه ويراهم، وكان يَمْقَتُهم ويُحبُّهم ويَلعنهم.
كان يتكلَّم ويحكى كثيرًا بلا انقطاع، يجلس العابرون أمامه فتطول جِلستهم، تسمعه الطيور فتصمتْ وتهبِط على أكتاف الجالسين، يرون عينيه الساحرتين وقد سُلِّطتَا عليهم، يسمعون حكاياته عن النجوم والأُمم العابرة.
كانوا يزدادون كلَّ يوم، وتزداد أسئلتهم: ماذا نفعل؟ فلا يُجيبهم سوى بِقَصِّ الحكايات والأخبار القديمة التى يبدو أنَّها لا تنتهى. تَسْحرهم قصصه فينسون مُعاناتهم لأيام. وحين ينتهى رصيدُهم مِن النسيان يعودون إليه فيشحنُهم مرة أُخرى بالنسيان المُحرّم عليه.
القصة الأخيرة التى حكاها الرجل الذى تكلَّم ثم صمت
كانتْ أغلب بيوت أهل القرية مكونةً مِن طَابقين، مبنيةً بطِين جَلَبَه أجدادهم مِن سَفْحِ جبلٍ بعيد، ولأن البيوت مُتلاصقة، كانت النسوة تَسْتمعن إلى الرجل الذى تكلَّم ثم صمت، دون الحاجة إلى الخروج مِن البيوت.
ومِن نوافذ وأسطح بيوتهنّ، سَمِعْن الحكاية الأخيرة للرجل الذى تكلَّم ثم سيصمت، عن رجل قصير بكرْش مُدوَّرة لا شىء مُغْرٍ فيه حتى لِقِطَطِ الشوارع، غير أنَّه كان يملك قدرة عظيمة على التلاعُب بالكلمات، كان يستخدمها بالأخصِّ مع النساء، فتتساقطُ الحسناوات بين يديه كأنَّه يجمعُهنّ فى سَلَّة يَمْلكها خِصيصًا لذلك. لم تنجُ أى مِنهن مِن سحره، جميلة كانتْ أو قبيحة.
فى يوم مرتْ بجواره ساحرة فأسمعها كلماته فأحبته، ثم سمعته - وكان غافلًا عن حضورها - ينطق الكلمات نفسها لِصَبيَّةٍ أخرى فلعنتْه:
سيفقد هذا الرجل حَرفًا كلما زيَّف شعورًا.
بعد أربعة أيام لاحظ فقدانَه لحرفِ الفاء حين كان يطلب فطيرة بالجُبن البلدى.
نطق الرجل القصير بكرش مدوَّرة الكلمة كاملة، ولكن صوت الفاء لم يُسمع، لم يُلق العامل بالًا لما حدث حين سلَّمه الفطيرة، هو نفسه نسى ما حدث حين خرج مِن المَتْجر.
لاحقًا أربكه فقدانه لحرف الفاء حين انتبه، فأصبح يتجنّب الكلمات التى تحوى الحرف، ويستبدل بها مُفردات أُخرى.
ومع الأيام أصبح أهل المدينة أكثر البشر فصاحة مع تناقُل المُفردات الجديدة التى كان الرجل يقولها كلما فقد حرفًا.
حتى رآها. رآها أول الأمر تمشى فى سوق البهارات، وتساءل لحظتها إنْ كان لون عينيها أسود أم عسليًّا؟ ثم رآها دون وِشَاحِها فلاحظ أنَّها أنْحف ممَّا يحب، وحين رآها فى المرة الثالثة افتعل حديثًا مُقتضبًا.
انشغل بالسؤال المُلِحّ عن لون عينيها، سأل والدته فلم يَجد جوابًا يُريحه، فذهب يَحُوم حول منزلها عَلَّها تخرج فيَخبُت الطنين فى رأسه، لكنّها لم تفعل.
وهكذا عاد ثانيةً إلى والدته وسألها، لكنّها لم تجد جوابًا. كان الأمر قد بلغ منه مبلغًا طال حياته كلّها، بما فى ذلك عمله الذى تعطّل، لم يَعُدْ يُفكّر فى أحدٍ أو شىء كما يفكّر فيها.
لكنّها وحين عاودت الظّهور، نظر إلى عينيها، فلم ير أثرًا لليقين. استجمع قوته واقترب منها، وحين بدأ بالكلام لاحظ أنه فقد آخر حرف مِن حروف الهِجاء، وألّا مفردة تُسْعِفه ليسألها السؤال الذى لم يشغله سؤال مثلُه: «ما لون عينيك؟»
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







