مجتزأ من رواية رحلة غاندى الصغير

إلياس خورى
إلياس خورى


إلياس خورى

قالت أليس إنه مات وجئت ورأيته، وغطيته بالجرائد، ولم يكن أحد، زوجته اختفت، كلهم اختفوا، وبقيت وحدى.

قالت أليس إنها أخذته إلى المقبرة، ورأت الناس بلا وجوه، وصار الناس بلا وجوه، قالت لى: تكلمت معهم ولم نسمع أجوبتهم ثم تركتهم وراحت، وهكذا انتهت الحكاية.

«أخبرينى عنه» قلت لها:
«كيف أخبرك» جاوبتنى: «أنا كنت أعيش كأننى أعيش معه ولا أعرف، عندما نعيش لا تنتبه، أنا لم أنتبه لشىء، فقط لا أعرف» هزت رأسها ورددت جملتها «بعرف أنه راح وراح ببلاش».

أذكر كلمات أليس وأحاول أن أتخيل ما حدث، فاكتشف ثقوباً فى الحكاية. كل الحكايات بها ملآنة بالثقوب. لم نعد نعرف أن نروى الحكايات، لم نعد نعرف شيئاً. وحكاية غاندى الصغير انتهت. الرحلة انتهت والحياة انتهت.

هكذا انتهت حكاية عبدالكريم حصن الأحمدى المغايرى، الملقب بغاندى الصغير.

ولد غاندى الصغير لا يذكر كيف، وسماه أبوه عبدالكريم، لأنه يدعى حصن ولأن والده كان عبدالكريم، وحده حصن ووالد جده عبدالكريم، هكذا وصولاً إلى سفينة سيدنا نوح، لكن سيدنا نوح الذى هرب إلى سفينته لم يكن يتخيل ماذا سيحصل لأحد أحفاده، فسيدنا نوح وأمثاله ممن استطاعوا ويستطيعون الهرب، يجهلون أن الحكاية الحقيقية هى حكاية الناس العاجزين عن الهرب، ولأننا جميعاً نتماهى مع الهاربين وإلا لافترسنا الخوف من الموت، فإن حكايات العاجزين عن الهرب تبدو لنا غرائبية، وغير قابلة للتصديق.

تبدو الحكايات بعيدة، ونحن لا نريدها إلا كحكايات، هذا هو السبب الذى ربما دفعنى إلى صداقة عبدالكريم حصن الأحمدى المغايرى الملقب بغاندى الصغير.

كنت أقف أمامه وأتخيل نفسى وأنا أضع حذائى على لسان صندوقه الخشبى، حين سألته عن اسمه:
«اسمى غاندى»، قال:
«أهلاً بالسيد غاندى»..
قلت إن الرجل هو ابن مثقف من نهاية العهد العثمانى، عاش فى زمن الانتداب وأراد أن يصنع من ابنه زعيماً للاستقلال.



«تشرفنا» قلت له، وسألته من أين؟
«من عكار» جاوبنى.
و«الوالد، كمان كان يشتغل بالمصلحة».
ابتسم: «لا، الوالد صاحب دكان بالضيعة، وعنده شوية أرزاق ومعزى».

تذكرت غاندى الحقيقى، ومعه المعزاة التى بدأ بها ثورته، ضد الإنجليز، وحكايات الحاج أمين الحسينى عندما أهداه غاندى معزاته، واستبشر يومها الناس، وقالوا تحررت فلسطين.

لكن غاندى خيّب أملى، فوالده لم يسمه غاندى، سمّاه عبدالكريم، وهو لم يسم ابنه نهرو بل سماه حصن، والابن لم يعجبه اسم حصن فسمى نفسه رالف عندما اشتغل فى صالون الحلاقة، ومع بداية الحرب احتار ماذا يفعل، فسمى نفسه غسان، لكن الاسم لم يمش، فعاد إلى حصن فضحكوا عليه، وأخيراً يئس وترك الناس يسمونه ما يريدون.

ربما نسميه رالف، ووالده يسميه حصن والست نهى تسميه غسان، وهو يقبل بالأسماء الثلاثة، أما غانذى فالمستر دايفيز هو الذى أعطاه هذا الاسم، قال إنه يشبه غاندى فصار أساتذة الجامعة الأمريكية يأتون للتفرج عليه، وصار اسمه غاندى، أما هو فيفضل أن يدعوه الناس أبوحصن، لكن لا أحد يسميه هذا الاسم، حتى فوزية زوجته لا تسميه إلا يا رجال، ثم اقتنع بالاسم عندما أضيف إليه لقب الصغير، وهذا من فضل القسيس أمين، فصار هناك غاندى الهند وغاندى الصغير، الذى يعرفه جميع أهالى رأس بيروت من مشيته المفركشة وصندوقه الخشبى المعلق فى رقبته، كان البويجى الوحيد الذى يعلق صندوقه فى رقبته، «كأنه حبل مشنقة» قاله له مرة القسيس أمين، فضحك غاندى، أو ابتسم على وجه الدقة، لأنه تعلم أن يبتلع ضحكته، وذكر بأن الموت شنقاً لا بأس به، فهو لا يؤلم، هكذا قال له الدكتور عاطف وهو يسأله بعد أن عاد من الفرجة على شنق التنير، والتنير هذا كان قبضايا معروفاً، لكنه أخطأ، رمى ماء النار على وجه المرأة التى يحبها ثم قتل زوجها، وزوجها محام طويل عريض فشنقوه، كم هو مختلف عن العسكرى وعن شهامته وأخلاقه العالية.

المسألة ليست فى الأخلاق، المسألة هى الحيل، الفرق بين التنير والعسكرى أن الأول مات مشنوقاً والناس تتفرج عليه، وهو يصرخ ويشتم، ويقول: إن المرأة كانت تخونه وأن زوجها كان كلباً، وأنه ضحية.. بينما مات العسكرى مرمياً على الأرض فى ملهى «بلو آب» تركوه يبلعط دون أن يلمّه أحد وحين لمّوه، كان كل شىء قد انتهى.

وغاندى حين مات، كان كأنه شنق بحزام صندوق البويا، أليس لم تجرؤ على فك الحزام عن رقبته، لأن ثيابه كانت منتفخة بالماء، خافت أليس من الاقتراب منه، ذهبت وجلبت جرائد عتيقة ولفته بها وبدأت تولول.

وغاندى لا يذكر كثيراً من الأشياء عن طفولته، عندما حاول أن يتذكر وهو يقف إلى جانب ابن عمه فى مأتم والده، اكتشف أنه لا يذكر الكثير من الأشياء عن قريته.

كانت القرية بالنسبة له مجموعة من بيوت الطين التى يغطيها شىء أبيض، جاء ولم ير الأبيض، رأى طرقات ضيقة وملتوية، ووجوهاً لا يعرفها، لكنه بكى، سقط فى البكاء والناس يتفرجون عليه، كأن بكاء الابن على أبيه صار أمراً مستغرباً، بكى غاندى ولم ير شيئاً، كلمه ابن عمه عن ضرورة الزواج، فوافق، وقرر أن يتزوج ابنة عمه فوزية، وعاد إلى بيروت لا يعرف غاندى كيف اكتشف أقرباؤه مطعم سليم أبو عيون حيث كان يشتغل. كان قد قرر ترك المطعم، ورائحة المجلى، وأصوات تنهدات الست نجاة، ليشتغل مهنة حرة. جاء ابن عمه وأخذه إلى القرية، وعاد منها ومعه فوزية، فور وصوله اشترى صندوقاً، وجلس قرب مطعم «جرجورة» أمام الجامعة الأمريكية، والله فتحها.

بعد الدفن مباشرة ذهب غاندى إلى المغارة، رأى فتحة صغيرة وشم رائحة شواء متعفّن، حاول أن يدخل لكنه لم يستطع، حجارة وأشواك وروائح هنا، فى هذه المغارة يبدأ تاريخ العائلة، كم فكر أن يأخذ ابنته سعاد ويدفنها هناك، لكنه يخاف الله، وليس مثل السيد حصن الذى أخذه، وهو يمسك به من كتفه، كأنه يمسك بكلب أجرب ورماه هناك.

غاندى كان يعرف أنه أخطأ، لكنه لم يكن يتوقع هذا القصاص، افترسه الخوف، واكتشف كيف تنشّل القدمان، ويصبح اللسان كقطعة كاوتشوك فى الفم، هنا فى هذه المغارة مات والد جده، وهنا كان سيموت هو. قصة والد الجد كان يعرفها الجميع، لذلك صار اسم العائلة المغايرى. الجد المجنون الذى كان اسمه حصن، جنّ فى المغارة ومات فيها، يروى أنه دخل المغارة كى يقتل الضبع. كان الضبع الذى يخيف القرية فى ليالى الشتاء.

يأتى إلى هذه المغارة وينام فيها، دخل المغايرى الجد، بعد أن تراهن مع جميع شباب القرية على ألا يخاف، انتظر الليل ودخل، وكانوا يراقبونه من بعيد، الجميع قالوا إنهم لم يسمعوا صوتاً فى المغارة، والرجل اختفى. دخل ولم يخرج. وبعد ثلاثة أيام، خرج الرجل والشعر الأبيض يكلل رأسه، وعيناه بيضاوان، ولسانه ثقيل، قالوا جن حصن، ضبعه الضبع وجنّه، وصار الرجل لا ينام فى البيت.

عبدالكريم ابنه، أى جد غاندى الصغير، روى لابنه أن والده لم يعد ينام فى البيت، صار ينام فى البرية ويعوى كأنه كلب أجرب، وبعد أشهر قليلة وجدوه ميتاً أمام باب المغارة.

إلى هذه المغارة أخذ حصن والد عبدالكريم ابنه الذى كان فى الحادية عشرة من عمره ورماه هناك.

«كيف يقتل الأب ابنه»، سأل غاندى القسيس أمين، الذى كان يحاول إقناعه بالمجىء، إلى الكنيسة والمشاركة فى الصلاة.

«الأب لا يقتل ابنه» قال القسيس: «يأخذه ليقتله، لكن هناك الخروف. إبراهيم أخذ ابنه إسحاق، أنتم تقولون إسماعيل: بسيطة، أخذه لأن هناك الخروف».

«ومن دون خروف» سأل غاندى:
«من دون خروف كانت الدنيا انتهت». قال القسيس: «من دون خروف، يقتل الأب ابنه، ويقتل نفسه. الله خلق الخروف من أجل ذلك، الخروف ضرورى كى يكون الأب والابن».

«فهمت: فهمت. بلا خروف مش ممكن». قال غاندى وهو يعود إلى عمله على حذاء القسيس الملىء بالثقوب البنية.

«طبعاً يا ابنى، لازم تجى على الكنيسة».

لم يكن غاندى يريد إيذاء تلك المرأة، كان يكرهها، لكنه لم يكن يهتم. عاد أبوه إلى البيت ومعه المرأة. كانت سوداء الشعر كبيرة العينين، تنظر كأنها مرعوبة، قيل إن الأب اغتصبها فى البرية وجاء بها ليتزوجها.

قيل إنها كانت من العرب الرُحّل الذين ينتشرون قرب حرش «القموعة»، وأن الرجل تورط بها وخاف من أهلها فتزوجها. صارت الزوجة الرابعة، وكان رقمها الخامسة، غير أن والدة عبدالكريم ماتت بعد أن أنجبته مباشرة. وصار الرجل لا ينجب من زوجاته إلا البنات.

بنات يملأن البيت الكبير ورجل حزين لا يعرف ماذا يفعل. حتى هذه الغجرية التى لا يعرف أحد أصلها من فصلها لم تنجب له غير البنات.

عبدالكريم كان الصبى الوحيد، ذهب إلى الكتَّاب وختم القرآن وهو فى السابعة، وبعدها وضعه والده فى مدرسة الراهبات فى قرية «مشتى محمود» على مسافة ساعة من قريتهم إلى «مشتى محمود» كان غاندى يذهب ماشياً كل صباح، وحين يعود إلى البيت، كان يخاف من نظرات هذه المرأة التى لم تتوقف عن إنجاب البنات.

غاندى لم يقصد ذلك، لكنه رأته، يستطيع اليوم أن يحلف على القرآن الكريم، إنه لم يقصد ذلك، لكنه لا يعرف لماذا جمد فى مكانه. ذهب إلى الحقل ليبول، ثم بدأ. كانت الشمس تميل إلى المغيب، ومشهد الحقل الأصفر فى الصيف يسد الأفق بأكوام القمح التى تنتظر أن تدرس، وغاندى يقف، وأمامه يأتى مشهد الراهبة وهى تنحنى أمام طاولتها لتلم الطبشورة التى وقعت على الأرض، غابت عيناه وأخذت تدخل تحتل مساحة ثوب الراهبة الأسود، وغاب فى ثوبها لا يريد أن يعود.

وجاءت تلك المرأة، برزت له لا يعرف من أين، وبدأت تنهال عليه ضرباً بغصن زيتون طويل. هى تضربه وهو يمسك بقضيبه ويشعر بنشوة غريبة، كأن جسمه لم يعد له.

لا يعرف غاندى الصغير لماذا لم يتوقف، صار يبرم فى مكانه حتى لا ترى المرأة الشىء الذى فى يده، وكانت هى تدور حوله وتضربه. وحين تلاشى العالم بين يديه، رآها تقف كالمشدوهة، الغصن فى يدها، تنظر بعينين كبيرتين وفمها نصف مفتوح. فجأة رمت الغصن وهربت. هو أيضاً هرب إلى البيت، وجلس وحيداً مرتجفاً. أما هى فاختفت.

وفى الليل أمسك به والده من كتفه وأخذه إلى المغارة. لم يقل الوالد شيئاً، وعبدالكريم لم يقل شيئاً، مشى معه بقدمين مرتجفتين، ودخل إلى حيث أمره والده، الذى قال له شيئاً يشبه أنه يجب أن يموت. كان عبدالكريم مقتنعاً أنه سيموت، لكنه لم يمت. والآن، حين يروى الحكاية لأليس، فإنه يكاد يمزج بين إقامته فى المغارة وبين حكاية والد جده، يخبر حكاية زوجة الأب، وبعدها يخبر حكاية الضيع، حتى اقتنع بأنه بطل القصتين.

عبدالكريم لم ينم ليلته فى المغارة. أكله الخوف والبرد.

كانت الدنيا صيفاً لكنه شعر بالبرد يفترسه. لا يعلم من أين جاءته الشجاعة، لكنه هرب. مشى طوال الليل بين الحقول. كان يعتقد أنه يسير باتجاه سوريا، لكنه وجد نفسه بعد ثلاثة أيام من المشى والحكايات التى لا تنتهى فى طرابلس هنا، فى طرابلس، بدأت رحلته من طرابلس إلى بيروت، ومن الفرن إلى المطعم إلى صندوق البويا، ومن النبعة إلى رأس بيروت.

فى طرابلس اشتغل فى فرن المعلم رشيد، المعلم رشيد عرفه وأخذه إلى الفرن، وهناك شعر بالدفء، نار ودفء ورائحة الخبز والرغيف المدور كأنه بدر. فى الفرن عاد إليه خوف المغارة، كان ليل الفرن مخيفاً، غاندى كان يخاف من النوم فى العلية، وإلى جانبه المعلم جعفر بكرشه ولحيته والعرق الذى لا يتوقف عن التساقط من جسمه.

المعلم جعفر أمام بيت النار، والنار تشع فى عينيه حتى وهو نائم. يأكل ولا يشبع وينام فى الفرن لأنه ليس متزوجاً. كان غاندى يخاف من جعفر. يخاف من شخيره ومن أسئلته الجنسية. غاندى يخاف، يستمع إلى نصائح الست رشيدة زوجة المعلم رشيد وهى تعطيه قليلاً من الطبخ كى يقيت جسده النحيل.

أحب غاندى طرابلس وأحب السمك. لكن بعد ثلاث سنوات طويلة قضاها  بين العلية وبين بيت المرأة الطرشة، وبين توزيع الخبز على بيوت الزبائن. قرر أن يغادر إلى بيروت.

لم تعد حياة الفرن تطاق ولم يعد المعلم رشيد كما كان بعد موت زوجته. وعندما طلب منه المعلم رشيد أن يتمرن على العمل أمام بيت النار، شعر غاندى الصغير أنه لم يعد قادراً. قرر أن يترك عمله ويذهب إلى بيروت.

لم يقل وداعاً لأحد، حمل أغراضه ومضى إلى بيروت. مفتشاً عن مطعم الست نجاة. الست نجاة، التى كانت تزور أهلها فى طرابلس بين وقت وآخر، قالت له أن يأتى ساعة يشاء، عندها له شغل مختلف. وجاء إليها، وفى مطعمها تعلم كيف يكون الإنسان وحيداً، وكيف يعيش فى البرد. ست سنوات من البرد والخوف، والأشياء تمر حوله كأنه لا يراها.

قال غاندى الصغير لأليس إنه لم يكن يرى، كان يقرأ نتفاً من الجرائد من خلال لفّات الخبز، ويذهب إلى السينما، ويرى الزبائن، لكنه لم يكن يرى. الخوف الذى ابتلعه فى مغارة «مشتى حين»، جاء معه إلى طرابلس أمام مغارة الفرن، ثم أخذه إلى بيروت أمام تنهدات الست نجاة وإحساسه بالوجع فى الركبتين، الذى سيلازمه طيلة حياته. ولم يكتشف أنه يرى إلا حين رجع من قريته ومعه فوزية واشترى صندوق البويا. يومها فهم غاندى الصغير معنى الحياة. قال لزوجته إن عليه أن ينير رأسه «الحياة هى رأسك» وحمل رأسه بين يديه ومضى إلى أمام الجامعة الأمريكية. كان يعرف أن الشغل فى النبعة مستحيل. فالفقراء لا يصبغون أحذيتهم، وأن الشغل فى البرج مكلف جداً، لأن عليك أن تدفع نصف مدخولك للقبضاى الذى يحميك. أما هناك، أمام مطعم «جرجورة» فتستطيع أن تجلس وتتفرج على بنات الجامعة الأمريكية. وتعيش على مزاجك. صحيح أن المدخول كان خفيفاً فى البداية، لكن الأيام تغيرت ومشى الحال.

وغاندى كان يخاف من الموت. تحبل فوزية وتلد ثم يموت الولد. أربعة أولاد ماتوا، إلى أن جاءت سعاد وعاشت، وبعدها عاش حصن بصعوبة، بفضل الدكتور دايفيز، وخوفاً على صحة فوزية وصف له الطبيب الكبوت، وتلك حكاية أخرى، ثم لم تعد فوزية تحبل، فارتاح غاندى من الموت ومن الكبوت وانصرف إلى شغله، كان يريد توفير بعض المال كى ينتقل من ضهر الجمل فى النبعة إلى الحمراء، والمال لا يصمد. حتى فى عز المطعم لم يصمد معه قرش واحد. وأليس تعتقد أن المال لا يصمد.

كانت أليس تقول له إن مال الفقر، مثل الملح يذوب بين الأيدى ويتبخر مع الماء. وتسرد ذكرياتها التى لا تنتهى، من الملازم طنوس إلى الزعيم الأوحد، وغاندى يبتسم:

«أنت يا ست ما بتحبى غير الضباط».
«أحلى شىء الضباط» تجاوب أليس. «أنت شو بيعرفك» لما الضابط وعلى أكتافه نجوم السماء يطب على الأرض قدام أجربك، وبيصرخ من الوجع. أحلى شى وقت تتوجع النجوم قدامك، ساعتها بتشوف الدنيا غير شكل. بس كله راح، حتى مصارى ما بقى معى. صرت هيك مثل ما أنت شايف.

وأليس تحب أن تحكى دائماً قصة الملازم طنوس، لأنه عندما ذهب، وكانت زوجته تقف على الباب، بكى وعاد إليها مرة واحدة، لكنها طردته، نامت معه وطردته. أما الزعيم الأوحد فحكاية أخرى.

كانت أليس تعمل يومها فى بار «الميرابيل» على الروشة، عندما جاءها الامبرازاريو أبو جميل. كان أبو جميل يعرف أن أليس تتعذّب بعد أن تركها الملازم طنوس. جاء أبو جميل مع الفجر.

وذهب معها إلى البيت، وضع قنينة كونياك أمامه وبدأ يشرب ويحكى. حكى لها عن الصفقة الكبرى، «الصفقة الكبرى يا أليس هى الموصل، أنت رحت على حلب بس الموصل مختلفة، انجليز وجيش ومصارى، وشو ما بدك يصير، فى مجموعة راح تروح بعد أسبوعين، الإقامة شهر، المعاش ألفين ليرة بالأسبوع ماعدا البرانى، وكل شى على حسابنا، أنت بس قولى ويللى بدك».