بشير مفتى
قليلون هم الكتاب الذين يصاحبونك منذ فترة القراءات الأولى للأدب، وتشعر أنك مدين لهم بالكثير، وأن حضورهم مستمر فيك، خاصة من العالم العربى، حيث يموت بعض الكتاب قبل موتهم، فتتوقف عن مطاردة نصوصهم كما كنت تفعل فى مراحل سابقة، أو الانشغال بقراءة كل ما ينشرون، لكن يبقى بعض الكتاب من طينة مختلفة يملكون سحرهم الخاص، الذى لا يتوقف عن إنارة الدروب المعتمة، فتكبر ويكبرون فيك كمرجعية أدبية لعبت دورا فى تكوينك الثقافى وتعليمك الأدبى.
وأعتقد جازما أن إلياس خورى ينتمى إلى هذه الفئة النادرة التى تشعر نحوها بـ«الدين المعنوى» خاصة إذا تفتحت على نصوصها باكرا، واكتشفت عوالمها فى بدايات الطريق، وذلك ببساطة لأن الأجيال الشابة فى الثمانينيات والتسعينيات كانت فى رحلة البحث عن تجارب حداثية جديدة فى السرد الروائى، بعد أن تكرست الحداثة العربية فى الشعر على يد شعراء مهمين استطاعوا فرض تلك الحداثة على الشعر وعلى متلقى الشعر وتوجيه ضربات نقدية قوية للشعر التقليدى الذى هيمن لقرون طويلة على الذائقة الشعرية العربية.
كان البحث عند الأجيال الشابة كما أفترض فى مختلف البلدان العربية عن نماذج حداثية تجريبية فى السرد الروائى أساسيا فى مرحلة تكوينهم الأدبى، أو هكذا كان شأنى على الأقل، لقد تحقق للرواية العربية وجود تأسيسى مع تجارب الرواد المصريين بشكل خاص، كما تجلى فى نصوص يحى حقى، وتوفيق الحكيم، وهيكل.. لتأتى تجربة نجيب محفوظ المختلفة والمتميزة، حتى هزيمة 67 أو النكسة التى انتجت روايات عربية جديدة زال عنها اليقين والتفاؤل والأمل، وبدأت تخوص مسارات التيه والشك وتطرح أسئلة البحث عن معنى، والتى أعطت لنا فى مصر تجارب إبراهيم اصلان والغيطانى والخراط..الخ، وعربيا كانت التجارب الجديدة فى سوريا ولبنان والجزائر والمغرب والعراق تبحث عن أفقها كما عنوان الراحل إلياس خورى دراسته للرواية العربية فى ذلك الوقت، أى عن نماذج جديدة فى الكتابة الروائية لا تكتب من منطلق اليقين ومعرفة الحقيقة بل من رؤية نسبية للمطلق تقوم بتعرية الواقع ليكشف لنا عن حقيقته الواقعية، لكن الواقع ليس كاجترار للمعيش اليومى بل الواقع فى تفاعلاته مع التجربة الفنية والأدبية، أى تحويل الواقعى إلى متخيل سردى، أى تنقله من زمنه التاريخى إلى زمنه الروائى.
فى هذه الممارسة الواعية ظهرت وتكثفت تجربة إلياس خورى الذى نظرا لكونه مثقفا متعدد الاهتمامات والقراءات والفهم والتذوق للآداب والفلسفة والتاريخ كان يعى مهمته الروائية، فلم يأتى للرواية ليضيف رقما جديدا فى عدد كتاب الرواية العرب، بل ليعطى روحا ونفسا جديدا لهذه الكتابة التى كان يستوعب أهميتها ودورها الثقافى فى بلورة الأسئلة الجوهرية التى لا تجد جواباً يقينيا كاملا مادامت الرواية تقوم بالأساس على الشك وليس اليقين، أو ضد إعادة استنساخ الواقع بل إعادة اكتشافه من جديد من خلال فسحة الرواية أو كما يقول فى احدى حوارته: تحويل «الواقع إلى استعارة» على عكس كافكا الذى حول «الاستعارة إلى واقع».
نقف أمام روائى يقوم مشروعه الروائى أساسا على فكرة إعادة بناء الحكاية/الحقيقة كما تقدم لنا جاهزة أو مفبركة بإعادة تحويرها، والنظر إليها من زوايا متعددة، ولهذا حتى الشكل الروائى يصبح متعدداً، يقول الشيء ونقيضه، يقول ما هى الحقيقة، وما هو عكسها، يقول الشخصية التى تمتزج حقيقتها بحقيقة غيرها، التعدد هى السمة البارزة فى روايات إلياس خورى.
لا يمكنا قراءة تجربة خورى الروائية إلا إذا ربطناها بسياقها التراجيدى العربى بشكل عام واللبنانى الفلسطينى بشكل خاص، ولقد عبر عن هذا الواقع قبل أن يفصح عنه روائيا فى مقالاته الكثيرة التى جمعها فى كتابه «زمن الاختلال» حيث يقول «الهزيمة المعلنة والمأساة المستمرة منذ صيف 1982، وتحول آلاف الناس إلى اشباح هائمة تحت القنابل والموت والخوف والجوع، هى لحظة الحساب الكبرى مع النفس..وحسابنا يجب أن يبدأ من لحظة تجاهلنا شبه المتعمد لواقعنا كشعب ممزق ويتمزق فى منطقة انهارت أنظمتها قبل أن تحارب أنظمتها».
إن الأرضية التى تنطلق منها كتابة إلياس خورى هى أرضية مأساوية بامتياز، وتموقعه مع القضية الفلسطينية، مع النضالية الفلسطينية كان تموقعا مع الضحية التى وجدت نفسها فى قلب التراجيديا التاريخية ليس لفلسطين وحدها بل للعرب أجمعين، ولهذا لم يكن الطريق إلى الرواية مجرد طريق أدبى يتماهى مع غواية الكتابة وسحرها بل تشعر كما لو أنها الطريقة الوحيدة الممكنة للتعبير عن المأساوى والحلم بالخروج منه، لهذا يصرخ فى كتابة الأول المهم «زمن الاحتلال» بما يعتبر موقفا أدبيا يعبر فيه عن رؤيته للكتابة «لست من دعاة الصاق صفة المقاومة للأدب، فالأدب كى يكون أدباً، لا يمكنه أن يكون إلا ابنا لزمنه وجزءاً منه، إنه لا يعكس الواقع بل هو أحد أطرافه، انه لغته».
هذا الموقف هو ما يتجلى فى معظم أعماله السردية، الارتباط بالزمن الذى يعيش فيه الكاتب بكل ما يحمله هذا الزمن من قضايا وأسئلة ومحن وهزات داخلية وخارجية، والزمن اللبنانى المفتوح على الحرب الأهلية والحرب مع الكيان الصهيونى، والفتن السياسية المرتبطة بمشاكل الطائفية، لبنان الديمقراطى والعاجز فى نفس الوقت على إنقاذ ذاته دون الاستعانة بأطراف كثيرة تزيد من تمزقه وصداماته الداخلية، يظهر فى العمل السردى الكبير الذى أنجزه إلياس خورى معتمدا على لغته الوصفية والتركيبية التى تتعدد طبقاتها بين الفصحى والعامية، وتختلط فيها أصوات الداخل والخارج، المونولوغ والواقع، وطموح الشخصيات للحب وعجزها عنه، وحكايات القتل العبثى مع جنون الحروب الماساوية.
يجب أن نعترف أن الكتابة أيضا عند الخورى مرتبطة فى لاوعيها النصى بـ«ألف ليلة وليلة» وبشخصية الراوية «شهرزاد» بشكل خاص، فالحكايات التى ترويها شهرزاد خوفا من أن يقطع شهريار رأسها تجعل الحكايات مشوقة ومثيرة لأنها ترويها تحت التهديد المستمر بالقتل، فتختلط شهوة الحكى برعب المصلة.
ومن الحكاية الأولى تتناسل الحكايات، حكاية وراء حكاية ولكل حكاية رواتها المختلفون، فالرواة كثر لأن الحكاية الأولى ليست بالضرورة الحكاية الحقيقية، وهى تحتاج دائما إلى زوايا نظر متعددة لمعرفة الأصل، الحكاية الأم لا بد من دخولها من أبواب متعددة، ومن رواة مختلفين، ومن قصص متداخلة تتشابك فيها عناصر الواقع بالتخييل، ربما لهذا السبب قال فى إحدى حواراته أن الكاتب غير مهم: «أما الكاتب، فعليه أن يتصرف كقارئ. أنت تقوم بتركيب شخصيات. عليك أن تصغى للشخصيات، أن تحبها، أن تقبلها كما هى، وأن تقبل أنها مختلفة عنك ومتمردة على إرادتك.
مهنة الكاتب أكثر مهنة مخادعة. ليس ثمة كاتب مهم» لعل ذلك يعطى إشارة إلى فكرة « موت المؤلف» التى طرحت فى النقد المعاصر وأحسن من يجسدها كنص ابداعى هى «ألف ليلة وليلة».
لكن إلياس لا ينكر وجوده ككاتب، هو فقط يتأخر ليسمح لشخصياته أن تأخذ الريادة، باعتبار الشخصيات حتى لو كانت متخيلة هى أكثر واقعية من الكاتب نفسه، إن دور الكاتب فى عصرنا كما يراه: «الكاتب الفرد هو أداة للوصول إلى إعادة تركيب العالم بطريقة جديدة ومختلفة وملائمة.
العالم يمر اليوم بأزمة أخلاقية، بالمعنى العميق لكلمة أخلاق. فى هذا المعنى فإن الأدب والفن يعيدان بناء الأخلاق فى العمق. الأخلاق ليست بمعنى أن تكون مهذباً. أن لا تحكى عن الجنس وعن الدين، فهذا غباء. الأخلاق نظام من القيم التى تحمى الإنسان من التفكك ومن التحول إلى وحش. هذه وظيفة الأدب برأيى».
لقد عاش إلياس خورى الكتابة كما عاش الحياة مقاوما وناقدا ومتأملا ومتخيلاً، يمكن أن نقرأه فى تعدديته ومختلف وجوهه وصوره، ربما لم يكن يرغب يوما أن يكون صورة واحدة لكن الأكيد أنه كان الروائى المشتبك مع زماننا هذا، المعبر عن عصرنا المأساوى العنيف ولقد استطاع أن يكتب عنه بكل عنفوان وخصوبة دون خوف وبشجاعة نادرة وينطبق عليه ما كتبه ميلان كونديرا فى «الوصايا المغدورة» «الأمر الوحيد الذى رغبت فيه بعمق ولهفة، هو نظرة صافية ومتحررة من الوهم، ووجدتها أخيرا فى فن الرواية».
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







