قد يكون حلماً لي، كمواطن مصري، أن أزور المتحف المصرى فى التحرير، فأشاهد النسخة الأصلية من حجر رشيد، تأخذ مكانها فى بهو المتحف، وأن أزور المتحف المصرى الكبير فأستمتع برؤية رأس الملكة نفرتيتي، التى خرجت خلسة من أرض الوطن منذ أكثر من قرن مضى، وقد خُصِّصت لها قاعة لتحل فيها ضيفة على المتحف وأرض مصر ولو لشهور معدودة، ومن الأحلام المشروعة لى ولغيرى من المصريين، أن نسترد ولو بعضاً من آثارنا التى خرجت فى غفلة من الزمن ومنا، بطريقة غير مشروعة أو مشروعة، والتى تزدهى بها متاحف العالم وتتباهى، وتُقدَّر بمئات الآلاف من القطع.
فى محاولة، قد يُدرك لها النجاح، ومن الصعب أن يُدرك، أعلن الدكتور زاهى حواس عن وثيقة باللغة العربية والإنجليزية على موقعه الإلكترونى يطالب فيها المصريين بالتوقيع إلكترونيًا من أجل الحصول على مليون توقيع والذهاب إلى بريطانيا للمطالبة بالحصول على حجر رشيد، ومخاطبة متحف اللوفر بإعادة برج دندرة، وهو جزء من السقف الذى كان فى السابق معبدًا مصريًا، ممنّياً النفس باستغلال الصحافة للضغط على المتحف البريطانى ومتحف اللوفر لإعادة هذه القطع.
ورغم أن الأمانى لاتزال ممكنة، وأن التوقف عن الحلم قد يكون ضرباً من ضروب الموت، وأنه لا شيء مستحيل، إلا أنه ليس بالأمنيات وحدها تتحقق الأحلام، وينبغى قراءة الواقع والإلمام بالمواثيق والاتفاقيات الدولية، التى تشكّل الأسانيد القانونية فى مثل هذه الأمور.
كما ينبغى التفرقة بين الآثار التى خرجت من مصر، بصورة شرعية أو غير شرعية، فما قبل عام 1970، وحالة الآثار التى خرجت بصورة غير شرعية فما بعد 1970، أو بعد 1995.
فمن المعروف، وحسب الأعراف والتشريعات المحلية والدولية، فإن كل دولة تمتلك آثارًا، منقولة أو ثابتة، ظاهرة للعيان أو مدفونة فى أراضيها وضمن حدودها المعترف بها دولياً، أو مغمورة فى مياهها الداخلية أو الإقليمية، هذه الآثار تُعتبر ملكية خاصة بهذه الدولة، وتُعدُّ عملية الاستيلاء على هذه الآثار، أو اغتصابها، أو التنقيب عنها بصورة غير شرعية، وتصديرها خارج أراضيها، نوعاً من عمليات السرقة غير المشروعة، وسلب وتهريب لمكوّن من مكونات الثقافة والهوية الوطنية، وكذلك الحال فإن الاتجار غير المشروع فيها يُعدّ نوع من الخروج على القانون الدولى يستوجب الإدانة والتجريم، ويكون من حق هذه الدولة أن تطالب باسترداد ممتلكاتها المنهوبة أو المهرّبة بطريقة غير شرعية.
وعلى الرغم من أن القانون الدولى لم ينتبه إلى مثل هذه القضايا إلا متأخراً، وتحديداً فى عام 1970، عندما وُقِّعت اتفاقية اليونسكو الصادرة عام 1970 بشأن التدابير الواجب اتخاذها لحظر استيراد أو تصدير أو نقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، وبعدما بشمت المتاحف العالمية واُتخمت بالآثار المنهوبة ولم تفن العناقيد فى البلاد المنهوبة، فإن هذا الانتباه المتأخر كان منقوصاً، وغير كافٍ، فكانت الإتفاقية المكملة والمطورة لها والخاصة بالتدابير المناسبة لاسترداد أو إعادة تلك الممتلكات الثقافية لسنة 1995، أو اتفاقية المعهد الدولى لتوحيد القانون الخاص (يونيدروا) للعام 1995 بشأن الممتلكات الثقافية المسروقة أو المصدرة بطرق غير مشروعة، ثم اتفاقية حماية التراث الثقافى المغمور بالمياه للعام 2001، واتفاقية حماية التراث الثقافى غير المادى للعام 2003، واتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافى للعام 2005 وغيرها.
ويمكن الوقوف على الاتفاقيتين الأساسيتين المتعلقتين صراحة بحق استرداد الآثار والممتلكات الثقافية، وهما: الاتفاقية الأولى لسنة 1970، التى تعدّ أقدم إطار قانونى عالمى فى هذا الشأن، وهى تتيح إمكانية، أو حق، استرداد الآثار والممتلكات الثقافية، المسجّلة فى سجلات الدولة، وهناك وثائق على ملكيتها، وتم تهريبها أو سرقتها، من متحف أو أية مؤسسة حكومية أو خاصة، أو تمّ التنقيب عنها بطرق غير شرعية أو غير قانونية.
وتكون آلية الاسترداد أن تتقدم الدولة صاحبة الحق بطلب دبلوماسى إلى الدولة، التى انتقل الأثر أو الممتلك الثقافى عندها، وتلعب اليونسكو دور الوسيط فى ذلك.
وبناءً على ذلك، من الممكن أن تسترد الدولة صاحب الحق الآثار والممتلكات المنهوبة منها بعد «القبول الطوعي» للدولة المعنية برد هذه الآثار أو الممتلكات الثقافية، وهو أمر غالباً لا يتم الحصول عليه، وليس من اليسير تحقيقه، ويمكن أن تطلب هذه الدولة من دولة الحق تعويضاً قد يكون مبالغاً فيه ويمثل عبئاً مالياً عليها، كلون من التعجيز ووضع العراقيل.
ومع ذلك هناك دول استفادت من هذه الاتفاقية، ونجحت فى استرداد ممتلكات ثقافية لها، فقداستعادت دولة تنزانيا أقنعة أثرية وتماثيل سرقت من متحفها الوطنى عام 1984، وبيعت لمتحف خاص فى سويسرا،بعد أن صعدّتالقضية لليونسكو؛ مما مكّنها من استرجاع مقتنياتها عام 2010.
أما الاتفاقية الثانية لسنة 1995،وقد صاغها المعهد الدولى الخاص لتوحيد القانون الخاص UNIDROIT بتكليف من اليونسكو، فقد حاولت سد الثغرات وأوجه القصور التى تركتها الاتفاقية السابقة، فأقرت أن القطع الأثرية، التى تم الحصول عليها من خلال عمليات تنقيب غير قانونية، تعد مسروقة وتتمتع بالحماية الواجبة، ويجب ردها.
كما تجاوزت شرط أن يكون الأثر مسجلاً فى سجلات أو ضمن قائمة الجرد لكى يتم المطالبة باسترداده، وفرضت رد وإعادة الآثار التى تم سرقتها، أو تم تهريبها، أو تصديرها، بطريقة غير قانونية، إذا أثبتت الدولة صاحبة الحق فى استردادها أنها ذات أهمية أثرية أو ثقافية بالغة لها.
وحصرت إمكانية مطالبة الدولة المعنية برد الآثار بتعويض عادل ومعقول، وربطت ذلك بمفهوم أكثر موضوعية ووضوح فى المادة الرابعة من الاتفاقية، والتى نصت على:” يحق لكل من بحوزته ممتلك ثقافى مسروق وعليه أن يعيده، أن يتلقى عند ردّه تعويضا عادلا ومعقولا شريطة ألا يكون قد علم أو ما كان له فى حدود المعقول أن يعلم أن الممتلك بحوزته مسروق وأن يمكنه أن يثبت أنه كان قد اتخذ عند اقتنائه ما يلزم من احتياطات”
ولقد نجحت تركيا عام 2011، فى استرداد قطع أثرية أخذت من تركيا فى عشرينيات القرن الماضى لدراستها فى ألمانياـ أعيد جزء منها، وفشلت تركيا فى استعادة الباقى بالطرق القانونية، إلى أن استعادتها عام 2011م من خلال مفاوضات ووساطات دولية.
كما نجحت مصر فى استعادة العديد من الآثار الفرعونية المهرّبة، أو التى خرجت بصورة غير شرعية، بعد الاعلان عن عرضها فى العديد من دور المزادات العالمية استناداً على هذه الاتفاقية.
وان نجحت محاولتا تركيا ومصر، فهناك محالات أنكر فيها المغتصب حق استرجاع ما اغتصبه، من ذلك الطلب، الذى تقدمت الأردن به لليونسكو للتدخل من أجل استعادة لفائف البحر الميت، هى مجموعة مخطوطات لطائفة يهودية انعزلت عن بقية المدن اليهودية وبنت مدينة صغيرة فى كهوف قرب البحر الميت فى موقع خربة قمران، وقد اكتشفت هذه المخطوطات بالصدفة فى كهوف، و تمّ بيعها لسوريين أعطوها لمطرانهم الأرثوذكسى الذى نقلها إلى الولايات المتحدة سنة 1948 و قد بذل الأردن 20 ألف دولار لاستعادة ما تمّ بيعه من مخطوطات و تمّ استرداد معظمها و وضعه فى متحف الآثار الفلسطينية فى القدس الشرقية الذى كان تابعا لدائرة الآثار العامة الأردنية قبل 1967 أى تم جردها و إحصاؤها (أى ينطبق عليها ما أقرته اتفاقية 1970)، وكانت أن استولت عليها اسرائيل عند احتلال القدس الشرقية سنة 1967 وشاركت بها فى معرض بمدينة تورنتو بكندا سنة 2010 ، ولكن طلب الأردن جوبه بالرفض رغم أن الاردن استجابت لكل شروط الاتفاقية.
والحقيقة أن جميع هذه الأطر القانونية الدولية غير كافية، ولا تقدم حلولاً شافية تمكّن الدول صاحبة الحق من استرداد مقدراتها التراثية والثقافية وآثارها المنهوبة، فلم تتطرق هذه الاتفاقيات لما تمّ من ممارسات واستيلاءات خلال الحقبة التى تُسمى خطأً بالحقبة «الاستعمارية» أو ما قبل اتفاقية 1970، تلك التى تورطت فيها حكومات وممثلو دول ومتاحف وهيئات حكومية، من هنا كان هذا القصور أو التغافل المقصود.
كما أنها لا تلزم إلا الدول التى صادقت عليها وهو عدد محدود من الدول، ليس من بينها بالطبع الدول التى تكتظ متاحفها بالآثار المهربة أو المنهوبة، فلم تصدّق عليها دولٌ، مثل: انجلترا والولايات المتحدة، وانضمت إليها فرنسا بتاريخ 24-06-1995، لكنها امتنعت لاحقًا عن المصادقة عليها واتخاذ الإجراءات اللازمة لنفاذها.
إضافة إلى ما يواجه هذه الحقوق من معوقات، وقيود، لعل أبرزها الحصول على الموافقات، التى ينبغى الحصول عليها من مؤسسات الدولة الحائزة، للتخلى عما تستحوذ عليه، وعما تفتخر به متاحفها، وهو الأمر الذى يمثّل أعتى العقبات، والصخرة التى تتحطم عليها آمال دول الحق فى استرداد آثارها وممتلكاتها الثقافية، فقد يكون من الصعب، بل من المستحيل أن تتنازل هذه الدول عما تستحوذ من آثار وممتلكات ثقافية.
وبهذا تظل القضية معلّقة، وينبغى البحث عن وسيلة أخرى، خارج هذه الاتفاقيات الدولية، لاسترداد هذه الآثار والممتلكات الثقافية المنهوبة أو المهربة، وربما تكون هناك فُرجة أمل، للدول صاحبة الحق فى استرداد آثارها وممتلكاتها الثقافية، تتمثل فى صحوة ضمير دبلوماسية، أو حكمة سياسية، أو استجابة مؤسسية، ووعى انسانى لدى الشعوب والمجتمع الدولي، وهى أمور من المعجزات، قبل أن تكون هناك معجزة ربانية.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







