بدأت العلاقة الوثيقة بين الفنان الكبير حلمى التونى ومجلة «أيام مصرية» المتخصصة فى مجال التاريخ، عام 1996حين صدر العدد الأول وكان بسيطًا فى الإمكانيات لكنه يحمل فكرة رائعة فى حاجة إلى فنان جواهرجى ليعيد اكتشافها وتقديمها للقارئ فى الشكل المناسب، وعليه توجهت، أنا وصديقى وشريكى عمرو إبراهيم، للقاء الكاتب يوسف القعيد فى مجلة المصور، وعرضنا عليه عددنا الأول فقال إنه يحتاج إلى غلاف قوى، وسعى لإقناع فنان فى دار الهلال ليتبنى تصميم الغلاف مجانًا لكنه لم يتمكن من ذلك، فقال لنا إنه خلال ساعة سيصل حلمى التونى وأنه سيتحدث معه فى الأمر، وبالفعل عرض عليه العدد الأول فأبدى التونى إعجابه الشديد به قائلًا: إنه كان لدى أحمد بهاء الدين حلم أن يصدر مجلة بنفس هذه الفكرة وأنه وفاء وتحية لذكراه سيقوم بتصميم غلاف مجانى، وهو ما كان حيث أعاد تصميم المجلة بالكامل، كما كتب اسمها «أيام مصرية» بخطه، كما اختار الزخرفة على الغلاف، ببساطة صنع للمجلة شخصية، ومن هنا بدأت العلاقة معه.
اتفق معنا حلمى على أنه سيعمل متبرعًا، وتم وضع اسمه فى مقدمة الترويسة وبعده جاء اسمى واسم عمرو. وكانت مفاجأة للوسط الثقافى المصرى أن يتصدر اسم فنان كبير مجلة صغيرة يصدرها شابان غير معروفين وليست لديهما إمكانيات مادية. يومًا قال لى فنان معروف انه حين يجد اسم حلمى التونى على مطبوعة فإنه يشك فى مصادر التمويل. فقلت له انه لا يتقاضى منا أى أجر بل إنه أحياناً ما يساعدنا.
ترك لى حلمى التونى إدارة المجلة بالطريقة التى أجدها مناسبة، ولكنه خاض معنا معارك هائلة دفاعاً عن هذا الكيان الوليد والذى تعرض لضغوط من شخصيات كبيرة ونافذة فى الوسط الثقافى، خاض التونى هذه المعارك بكل الحب والتفانى.

كان التونى دومًا مترفعًا عن الصغائر، هو مثلًا لم يطلب وضع اسمه فى مقدمة الترويسة، ولم يكن مهتمًا بذلك من الأساس بقدر اهتمامه بجودة المادة وبالغلاف الذى يصممه، كما لم يكن يطلب وضع اسمه فى أخبار تُنشر عن المجلة، ولا أن يشارك فى البرامج التى يتم استضافتنا فيها فى القنوات الفضائية المختلفة رغم أننا كنا حريصين على الإشارة تفصيليًا إلى دوره معنا.
لكن فى المقابل فقد كان مهتمًا للغاية بسعر المجلة، ويقف دائما أمام تحريك السعر لأن هذا من وجهة نظره قد يعوق حق القارئ فى معرفة رخيصة الثمن. ورغم أن مجال عملنا نشر الصور والمعلومات القديمة والتاريخية إلا إنه كان يرفض دائماً نشر أى شىء عنه أو عن عائلته، كما كان يرفض أن يكتب مقالات حتى لا يتكرر اسمه فى العدد الصادر أكثر من مرة، وكان يقف حائلاً بيننا وبين أى مجاملات، لذا حين توفى والدى رشاد كمالى قام زميلى عمرو باستئذانه فى عمل ملف لتأبين والدى باعتباره مؤسساً رئيسياً للمشروع فرحب بذلك بل ووضع له صورة على الغلاف.

ربما يكون من أهم ما قدمه حلمى التونى لـ«أيام مصرية» ترسيخ مجموعة من القيم الوطنية، وعلى رأسها العروبة، لذا فى عددنا الثانى قدمنا ملفًا عن الوحدة المصرية- السورية عام 1958 من واقع أرشيف الصحافة السورية النادر.
كما أن فلسطين قضيتنا الأساسية فنشرنا فى عددنا الخامس عشر ملفًا كبيرًا وعلى الغلاف نشر التونى صورة لجاكلين خورى حماة صلاح جاهين بزى الفدائيات أثناء حرب 1948 ففى «أيام مصرية» نحترم تاريخنا وندافع عنه ونهتم بالبسطاء وليس بالباشوات والأمراء فقط.
من حوالى خمسة أعوام هاتفنى حلمى التونى وقال لى: يا أحمد نحن نحتاج عددًا خاصًا عن تبرعات المصريين للمستشفيات والمدارس وتعليم الفقراء. وبالفعل عملنا على تنفيذ العدد وجمعنا مواد وصوراً، وساهمت معنا زوجته الراحلة منى قطب بمقال صغير لطيف عن الأميرة فاطمة إسماعيل وتبرعها للجامعة المصرية، وبعدما انتهينا من العمل قال التونى: بما أننا عاملين عدد عن التبرعات فسأتبرع بعشرة آلاف جنيه مساهمة فى تكاليفه.

ومن بين أعمالنا إصدار أربعة أجزاء لعدد واحد خاص بمئوية جامعة القاهرة وقام التونى بتصميم أغلفة مميزة تليق بتاريخ المكان وكان سعيدًا للغاية بهذا المشروع.
أذكر أننى حدثته يومَا عن ثرى عربى يريد أن نتعاون معه لتقديم شىء عن بلده فى الصحافة المصرية مقابل مبلغ كبير، وقلت له إننا أخيرًا سنتمكن من أن نعطيه مقابلًا مادياً، فسأل عن التفاصيل، وبعدما انتهينا قال: طيب كويس.. ارفع اسمى بقى من الترويسة.
فلما اندهشت قال لى: أنت مؤسسة وليس من المفترض أن تقبل أى مال من أفراد، بل من مؤسسات. وعلى هذا اعتذرنا عن العرض.
الحقيقة أن حلمى التونى إضافة لكونه فنانًا عظيمًا فقد كان شخصًا عظيمًا على المستوى الإنسانى، سعدت جداً بالعمل معه، تعلمت منه الكثير، ولولاه لما كان لمشروع «أيام مصرية» أن يتقدم أو أن يستمر بهذه الجودة فقد ساعدنا بالكثير على مستويات مختلفة.
مؤرخ. مؤسس مجلة «أيام مصرية»
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







