بين قناع بلون السماء وسماء القدس السابعة: التشكيك فى معنى البطولة!

سماء القدس السابعة
سماء القدس السابعة


حسام الخولى

ككل عام، بعد الانتهاء من ترشيحات القائمة القصيرة للبوكر، يترك هذا الحدث نجومًا جدداً فى عالم الرواية، يتسابق القرّاء للتعرف وقراءة تلك الروايات على مدار العام، لا يهمنا فى هذا المقال سوى روايتين: رواية قناع بلون السماء»، ورواية «سماء القدس السابعة»، ليس لأنهما فى مجاز سماوى من اسميهما، أو لأن كلتيهما تعبّران عن فلسطين التى تُباد منذ شهور أمام العالم، فقط، بل لأن سردية وخطاب كلٍ منهما يكاد يقف فى مواجهة مع الآخر فى النهاية، ويجعلنا نتساءل فعلًا، أيهما أنسب/ أصح/ أكثر احتمالًا هنا والآن فى لحظة الحرب؟ لا نقف تمامًا على الجانب الفنى لكل رواية أكثر من محاولتنا لتحليل الخطاب.

بشكلٍ عام، يبدو شعورى عاجزا ومعجّزا وعجوزا، جديدا تمامًا، فالأدب الذى تبدو نقطة قوته الأصيلة فى اعتباره مجازًا، يتخطّى الواقع والخيال الضيق، ويرسم أفقا أكثر رحابة، فقد بريقه، أثناء قراءة كلتا الروايتين، الأجرأ «سماء القدس السابعة»، فى قلب المأساة الحالية، والرواية الأخرى «قناع بلون السماء» التى فازت بالفعل بجائزة البوكر الأخيرة، للروائى الأسير باسم خندقجى صاحب الرواية المذهلة القديمة «نرجس العزلة». 

وبينما تصبح الرواية الفائزة لخندقجى صرخة تضع القدس نصبًا تذكاريًا للمعذبين، نمشى مع نور البطل المولود فى مخيم، الذى يجد فجأة، بطاقة هوية لشاب يهودي، ويتجوّل من خلال نظرته، ينضم إلى معسكر تنقيب، تصبح فى ثنايا الرواية: سردية المحتل هشة، وحمقاء، ودون قاعدة متسقة. وبدا هذا الخطاب نوعًا ما معتادًا بسرديات قرأت عنها قبل ذلك، بينما طرحت عليّ اللحظة الحالية تعمّقًا أكثر مع الرواية الأخرى «سماء القدس السابعة» الأكثر جدلًا، فى لحظة المأسآة التى يعيشها جيلى كله، فى الشرق والغرب، وربما باتت فعلًا، بداية النهاية.  
 
لذلك، هنا والآن، سأحيّد نسبيًا الحديث عن الرواية الفائزة، وخطابها الحالم، الحقيقى على كل حال، وأحاول نسبيًا السعى مع السردية الأخرى، الأقل طرحًا ومناقشة، وأكثر جدلية، وأقرب احتكاكًا بالظرف الزمانى والمكاني. 

فى «سماء القدس السابعة» باتت أداة الأدب الحالمة أقل إبهارًا وأصعب استقبالًا بالرغم من وصول الكاتب أسامة العيسة من خلالها للقائمة القصيرة فى قائمة البوكر تتويجًا لها، وللناشر: دار المتوسط، لكنها فى الأخير كتابة تحاكى مأساة أصبح طغيان حضورها الآنى أثقل من استبعاده أو تخيّله، تجعلك تتساءل: من جُنّ عقله كى يقرأ قصة حرب فلسطين القديمة فى لحظة حرب أكثر بشاعة وجنونًا! 

قدمت الرواية سردية جديدة، فى اختيارها معركة «خطابية» تتجاوز البكائيات الفلسطينية، وتعيد التساؤل عن البطولة الفلسطينية؛ هل تبدو بطولة أساسًا؟ هل ما يقدمه الرجل الفلسطينى اليوم بطولة أم انتحارية؟

تقدم تساؤلاتها كملحمة فيها أكثر من زمن وسياق لحكاية البطل «كافل»، يقسّمها لثلاثة فصول إنجيليًا: سِفر للحياة/ سِفر للحزن والحياة/ سِفر للبقاء والحزن والحياة. عود أبدى ملحمى فى حياة طويلة يعيشها البطل، وربما تترك بصمة إبراهيم نصر الله القديمة ذاتها، الذى قسّم أنضج روايات الملهاة الفلسطينية «زمن الخيول البيضاء» فى ثلاثية: الريح/ التراب/ البشر، مما يعطى الكتاب نفَسًا طويلًا ويجعل أثره أكثر مدى.

يعطى ذلك التصنيف أيضًا بُعدًا وسياقًا لاهوتيًا يخدم السردية الأدبية الفلسطينية التى لا تخلو من الدين والأسطورة، وإذا كانت أغلب الروايات الفلسطينية القديمة، قد بدا ذلك كعامل قوة لأهل الأرض العربية، يقرر العيسة القادم من جيل وزمن آخر يبدو أنه ملّ الحرب أن يتساءل عن تلك الجوانب بشكل استنكارى وفضولى وثرثار أحيانًا يقع فى فخ التطويل. 

تساؤلات جديدة
ترتكز الرواية على حكاية فلسطين كمدينة أسطورية يعيش فيها أبطال عابرون للتاريخ وقادمون منه أيضًا: نرى الأب: شامان أو على حسب ما يعنيه الاسم هو الساحر الذى نسمع عن القدس من نظرته عنها، عمل كسائق كان يجوب فلسطين كلها والقدس خصوصًا، يحكى التاريخ للطفل البطل: كافل أو ما يعنيه اسمه باعتباره «الحماية» التى ستعوّض الخراب الذى لحق بالمدينة. 

المدينة التى يعيش أهلها على أساطير. يبدو هذا التصور محط تساؤلات العيسة القديمة والجديدة، مشروعه يكاد يتخلّله ذلك التساؤل، فى روايته القديمة «مجانين بيت لحم» يحكى مدينته التى على المجانين/ أهلها، قبل أى إنسان آخر أن يدرك التغير الكبير الذى حدث مع وجود الاحتلال، يحكى ضعفهم الشخصى ودناءة البعض منهم، ولا يرتكن كالعادة إلى الخذلان العالمى المعتاد للقضية وأهلها. 

مشروع العيسة يبدو خطابيًا فى الأساس، يتساءل فى كل مرة عن جدوى الإيمان الملحمى البطولى الذى لا ينتهي، ولا يقر بالتغيير، يكتبَ تاريخ فلسطين الأخرىِ، تاريخ المهزومين بالشعارات قبل هزيمتهم الحقيقية.

«سماء القدس السابعة» تحلّق من فوق حول دورة حياة تحكى قصة القدس وناسها؛ بدأت من الجد الذى أسّس مجموعات تتسلل إلى أحياء إسرائيلية قريبة، قبل أن تصبح «بارودته عاطلة عن العمل»، مرورًا بالأب الذى دخل دون رغبة الجميع فى زمرة الفدائيين، وصولًا للطفل/ البطل المركزى الذى تعلّم فى الخارج وعاد لقدره كفلسطينى عليه أن يحارب بعد أن يعيد التساؤل حول بديهية الحرب والبطولة.

يحتاج البطل فى رحلته إلى كسر تلك الأسطورة عقليًا أولًا، بالتخلص من الأفكار العربية المكمكمة، ثم بالتخلّص المعتاد من لصوص الأرض اليهود، تبدو تساؤلاته عن المأساة متشككة أكثر حول من تسبب فيها، ولا تفترض اليهود العدو الوحيد.

وتبدأ الرواية من الحديث عن الجسد، مصدر الجمال الأول، يبدو أن هذا الجمال تحديدًا سيتسبب فى ألمها الأبدي، وتبلور قصتها من خلال عطب الحكى عن الجسد أيضًا، عندما تتقدم معضلتها من خلال قصة صديق الوالد «السبع» فحل القرية القوي، الذى يكتشف بعد زواجه أنه غير قادر على الإنجاب، وتنتهى من خلال الجسد الذى يحافظ عليه البطل ولا يدمر ذاته بدون سياق بدافع البطولة الوهمية.

لا يبدو الجسد هنا مجازًا صعب التأويل على كونه فلسطين ذاتها، المهمَلة المهمِلة، التى عليها أن تفهم ذاتها أكثر، يحكى الكاتب قصته من خلال الأب الذى يعيد إنتاج سردية فلسطين لابنه الصغير الكافل، يأخذ الكاتب كل قارئ مثل طفل صغير، يحكى له القصة من البداية لإعادة إنتاج تساؤلات باتت بديهية تمامًا.

تشكيك مستمر
بعد سجن والد البطل شامان، أثناء تنفيذه عملية فدائية، تقول الأم الغاضبة والمشككة فى العمل الفدائى أساسًا: النضال الحقيقى ليس بزرع قنبلة يموت زارعها، وإنما بجلب قوت العائلة، وتعليم الأولاد أحسن تعليم، إنه الصمود فى الأرض، وليس فى الموت عليها، فاليهود يريدوننا أمواتًا، ليأخذوا أرضنا، وعندما نموت هكذا، وبشكل عشوائي، فإننا نقدم أكبر خدمة لهم». ثم توجّه حديثها لكافل الابن: كان عليّ أن أتوقع أن والدك سيفكر بخلاصه، ناسيًا خلاصنا.

وفى أكثر من مرة يتساءل العيسة/ كافل حول بديهية فساد طفولته، هل كان الاحتلال السبب أم حكايات والده التى كانت أقسى من أن تُحكى لطفل؟ هنا يبدو نصّ الوالد فى مقابل نص اليهود، والقدس «أكبر مدينة نصية فى العالم»، نراها من السماء البعيدة عن الانضمام لأى نص يُفسّرها، لا تزال تحتاج إلى نص حقيقى يحكيها، وربما يحاكم الروائى هذه النصوص من منطقة بعيدة عن الجميع.

هذه قصة مدينة لم تصح بعد من صدمة الحرب، تُحكى على لسان طفل كبُر مشوشًا وفضوليًا، وعليه أن يكتشف قًدسه الخاصة البعيدة عن القدس المتعارف عليها للجميع.
 
فى «قناع بلون السماء» مشهد حزين وغاضب، يقول نور البطل فى مونولوج يمكن محورة جزء من خطاب الرواية الأصيل فيه: ”أنا لا أرتدى قناعًا، أنا أرتدى مسخًا، بل أنا هو المسخ الذى وُلد من رحم النكبة والأزقة والحيرة والغربة والصمت... ولدت من رحم التهميش والتصنيف... أنا المسخ يا صديقي، فهل من رحم تلدنى مرةً أخرى إنسانًا؟» هكذا يبدو خطاب البطل الذى لديه قناع، يدين به ذاته، وقدره، وحياته العربية، فى لحظة مسكينة، يدينها ويديننا جميعًا، ككل إنسان يرى كل هذا الظلم غير المبرر، ولا يجد ما يقدمه فعلًا، أو لا يمكنه تخيل نفسه مكانه أساسًا، وتقف بعد ذلك عند بطولة الفلسطيني، وحب فلسطين الأبدي. 

بينما «سماء القدس السابعة» تغضب أكثر، يبدو الخطاب الذى تُنتجه الرواية فى لحظة ثقيلة، صادمًا نوعًا ما، يُمكن النظر فيه ومن خلاله إلى ناس فلسطين بعين غير معتادة، ينظر الكاتب فيه من مسافة بعيدة، ربما من السماء فعلًا، يراهم كبشر ضعفاء، يرفض التصديق فى بطولاتهم الخارقة التى يتحاكى بها الخطاب المعتاد فى أى حديث عن فلسطين، اليوم، حتى عندما نراهم كل يوم، يموتون بالآلاف دون شفقة، نعيد النظر فى ضعفهم، وضعفنا جميعًا أمام هذا الجنون، وفى النقطة التى تظن أنها تتلاقى مع الرواية الأخرى، يهرب العيسة تمامًا بأسئلة تدين تلك النظرة ولا تتعاطف معها، وربما فى ذلك ما يدعو لإعادة اختبار كلا النظرتين، ومدى اتساق إحداهما عن الأخرى، خصوصًا فى تلك اللحظة المصيرية.
 
الأدب، والسينما من بعده، تعيد التساؤل عن نظرتها للفلسطينى اليوم: هل ستظل تراه البطل الأسطورى المظلوم المُهان أم تتقبل ضعفه فى معادلة يراها العيسة غير متكافئة؟ من هنا يستحق التعاطف؟ لو كان الأمر أمري، لو كان فى شيء بيدّي، كنت ساعدت أكثر فى التساؤل حول مدى الخطاب الأخطر الذى تطرحه «سماء القدس السابعة» التى تشكك فى البطولة، وتحدّق فى المأساة دون شفقة، ولو كانت الجائزة ستجعلها تقرأ أكثر بالطبع، ككل جائزة أدبية وسينمائية، لن أتردد، أبدًا فى منحها مساعدة تساعد فى انتشارها تقليلًا للحزن اليومى الذى يجتاحنى كلما شاهدت نشرة الأخبار.