يوميات الأخبار

نوال مصطفى تكتب: أبـو فـرح

نوال مصطفى
نوال مصطفى


غرقت فى حكايته بكامل مشاعرى، تحرك فضولى أكثر وأكثر لأتعرف على باقى القصة.

ركبت تاكسى أبيض هرباً من حر أغسطس، وزهقاً من وجوه قاتمة وتعاملات تسحب طاقة الإنسان فى ثوانٍ، التقيت بهم فى واحدة من المؤسسات الخدمية الحكومية. يبدو أن الله العلى العظيم أحب أن يخفف عنى جرعة الكآبة التى أحاطتنى، بل وأغرقتنى فى بحر من اليأس من طريقة تعامل بعض الموظفين مع المواطنين فى تلك المرافق، ومن تصرفات البشرالعبثية.

لفت نظرى فى البداية المظهر العام لهذا التاكسى «الأبيض»، أسعدنى حرص سائقه على أن يكون مكان أكل عيشه نظيفاً، مكيفاً، حتى يمارس عمله اليومى الشاق فى عز أغسطس بأريحية أكثر، والأهم أن يجد زبائنه ما يتوقعونه من حسن المعاملة خلال رحلاتهم القصيرة معه.

بصراحة لم أجد هذا الشكل فى التفكير والتدبر كثيراً فى التاكسى الأبيض حينما كنت أركبه زمان، لذلك فرحنا كمصريين بدخول شركات التاكسى الخاصة، ووجدنا فيها جميعاً ضالتنا المفقودة، النظافة والمعاملة الراقية، ولو أن ذلك تدهور تدريجياً، فأصبحت بقدرة قادر تاكسى أبيض معدلاً قليلاً فى طريقة الدفع، وأسلوب طلب الخدمة. سألت سائق التاكسى المرتب النظيف: اسمك إيه؟، قال لى: أبو فرح. ثم استطرد بفخر: على فكرة فرح حتتخرج فى كلية الصيدلة جامعة القاهرة السنة الجاية.

ازداد فضولى لمعرفة المزيد عن هذه الشخصية المصرية المختلفة عن السائد الآن، فسألته: وهل عندك أولاد آخرون؟، رد بسعادة وزهو أكثر: عندى أربعة أولاد، الثلاثة التانيين منهم اتنين توءم «محمد» و«يحيى»، واحد فى كلية الهندسة جامعة القاهرة قسم عمارة، والتانى فى كلية هندسة الطيران، وبيتدرب دلوقتى عملى مع الجيش. أما الرابع آخر العنقود «على» فنجح فى الثانوية العامة، وخد المركز الرابع على مستوى الجمهورية.

غرقت فى حكاية أبو فرح بكامل مشاعرى، تحرك فضولى أكثر وأكثر لأتعرف على باقى القصة.

إحكى لى أكتر يا أبو فرح، كيف تزوجت؟، ومن هى شريكة عمرك التى صنعت معك قصة النجاح المبهرة والأسرة المحترمة؟، ابتسم بسعادة وقال: أنا ما اتعلمتش، مدخلتش مدارس، كانت ظروفنا صعبة، لكن مراتى مدرسة إنجليزى، وهى اللى ساعدتنى فى تربية الولاد، وبفضل ربنا وإخلاصنا لبعض ولولادنا ربنا كرمنا فيهم.

وأهل مراتك وافقوا إزاى على الجوازة دى؟، اتسعت ابتسامته، وقال: كنا بنحب بعض وكده، وهم جيراننا فى نفس الحتة فى بولاق، عارفينا وكلنا ناس طيبين زى بعض، فوافقوا الحمد لله، وهى كانت سند كبير لى وللأولاد.

أنت سواق على العربية دى يا أبو فرح وإلا هى بتاعتك؟، قال لى: كان عندى عربية، بس اتسرقت، ودلوقتى شغال على العربية دى. وإيرادك بيكفى كل مصاريفك أنت والأولاد وزوجتك؟، قال برضا: بترزق والله يا ست هانم، أنا كمان بأربى أيتام معايا فى البيت أولاد أخويا الثلاثة وأمهم. أخويا مات وسابهم، خدتهم وبقينا كلنا عيلة واحدة. والحمد لله كلنا شايلين بعض. أهم حاجة الرضا والشكر لله.

إيه هى أكبر مشكلة فى حياتك يا أبو فرح؟، فكر قليلاً، ثم قال: نظرة المجتمع هى اللى مضايقانى ونفسى تتغير، على فكرة أولادى مش بيستعروا منى، ولا بيتكسفوا إنهم يقولوا إنى سواق تاكسى، لكن زمايلهم هم اللى بيتريقوا، ويتنمروا عليهم، والناس شايفانا قليلين مع إننا حامدين ربنا أوى على اللى إحنا فيه. تصدقى يا مدام؟، ولادى الدكاترة والمهندسين المتفوقين دول بينزلوا الصبح بدرى يغسلوا لى العربية قبل ما يروحوا جامعاتهم، هم فخورين بكفاحى، طمرت فيهم التربية والحب اللى خدوه من أمهم الست العظيمة ومنى. كل اللى نفسى فيه بس إن الناس تتغير وتحترم الناس اللى بتوصل بكفاحها وإصرارها، مش مهم هما ولاد مين، المهم عملوا إيه وحققوا إيه. وكمان إحنا كافحنا عشان نربيهم، يعنى نستحق نظرة تانية من المجتمع.. يا سلام عليك يا أبو فرح!، لو تعرف قد إيه أنا فخورة بك أنت ومراتك؟، إنت غيرت كيمياء مزاجى، وزرعت وردة أمل وفرح فى يومى يا أبو فرح. لا إنت الفرح نفسه.

أنيس منصور فى مائة عام

احتفلت جريدة «الأهرام»، وكذلك جريدة «الأخبار»، هذا الشهر بمئوية ميلاد الكاتب الفريد أنيس منصور، وكانت تلك لفتة لها دلالتها ومعناها، فكلتا الجريدتين تشعر أن أنيس ينتمى إليها، وهذا صحيح، وحقيقى. فقد أحب أنيس منصور «أخبار اليوم» لأنه خرج منها إلى الأهرام محملاً بانتصارات صحفية، تحولت إلى كتب وأعمال أدبية، أهمها كتابه الأشهر «200 يوم حول العالم» الذى صدر فى عشرات الطبعات، وكان توثيقاً لرحلة أسطورية منحتها له «أخبار اليوم» فى شبابه، عندما قرر مصطفى أمين أن يسفره هو وكبير مصورى «أخبار اليوم» وقتها أحمد يوسف، فى جولة حول العالم، يكتب ويسجل كل ما يشاهد ويكتشف. فى أحد حواراتى معه حكى لى طرفة كوميدية من كواليس تلك الرحلة التى امتدت لـ 238 يوماً فى عام 1959:

«سافرنا إلى جزر هاواى، وهى من الأماكن التى لا تملين منها أبداً. وأذكر أننا كنا زعلانين جداً أنا وأحمد يوسف لما فلوسنا خلصت، ففكرنا فى حيلة نحصل منها على فلوس تكفى لنعيش هناك كام يوم، كان أحمد نحيفاً جداً، يشبه الفقير الهندى، لبسنا ملايات (فرش السرير)، وهو أمسك بكيس مخدة، وكتبنا عليها «قارئ كف فرعونى»، وقعدنا نشوف الكف للستات لمدة ثلاثة أيام، جبنا فلوس قعدنا بها أسبوع كامل».

عندما يطل علىَّ أنيس منصور من نافذة الذكريات أجدنى أبتسم بلا سبب، أو ربما بسبب كامن فى العقل الباطن الذى يختزن أشياء ومواقف وجملاً محفورة فى القلب والعقل معاً. أجد فى خزانة الذكريات مثلاً سطوراً كتبها هو فى مقدمة كتابه الشهير «شارع التنهدات». أحببت فعلا تلك السطور لأنها تعبر بعمق وصدق عنه، وترسم ملامح شخصيته، التى أسعدنى حظى بالاقتراب منها، وقرأتها جيدا. 

كنت محظوظة لأننى التقيت به كثيراً فى مكتبه «بالأهرام»، وجمعتنا لقاءات عديدة كنت أحرص عليها، أعتبرها من أمتع أوقات حياتى. فالجلوس والاستماع إلى شخصية بهذا الغنى الفكرى والإنسانى، وذاك التفرد، يمنحك شحنة مكثفة من البهجة، المعلومات القيمة، الحكايات المشوقة الجذابة التى تعطيها طريقته فى حكيها، وأسلوبه الآخاذ فى سردها مذاقاً مختلفاً خاصاً بأنيس منصور. يصحبك دائماً إلى عوالم بعيدة فى الزمان والمكان، والغريب إنها حقيقية من دم ولحم الواقع، حدثت بالفعل، عاشها بنفسه، أو قرأ عنها.

ولا أنسى أبداً أنه أفرد عموده بالأهرام يوماً ليكتب عن مجموعتى القصصية «العصافير لا يملكها أحد»، كذلك أتذكر بامتنان عميق تحفيزه وحماسه الشديد لأن أكتب سيرة مى زيادة بقلمى. قال لى وقتها: سوف تكتبينها بشكل مختلف، لأنك ستعيشين ما مرت به مى زيادة بعيون ومشاعر نوال مصطفى.

كان أنيس منصور يمنح بسخاء من فكره وروحه لمن يتوسم فيه موهبة حقيقية، ويفرح بأن يفتح له كنزه الخاص الملئ بالأفكار، الحكايات، الأماكن، والتجارب الفريدة الناطقة بالحكمة والتأمل لفلسفة الخلق والكون.